تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 1247 · printed p. 492
492 ( قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ( 93 ) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 94 ) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ( 95 ) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ( 96 ) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( 98 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا [ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] أَنْ يَدْعُوَ هَذَا الدُّعَاءَ عِنْدَ حُلُولِ النِّقَمِ : ( رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ) أَيْ : إِنْ عَاقَبْتَهُمْ وَإِنِّي شَاهِدٌ ذَلِكَ فَلَا تَجْعَلُنِي فِيهِمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ : " وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمٍ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ) أَيْ : لَوْ شِئْنَا لَأَرَيْنَاكَ مَا نُحِلُّ بِهِمْ مِنَ النِّقَمِ وَالْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ .
ثُمَّ قَالَ مُرْشِدًا لَهُ إِلَى التِّرْيَاقِ النَّافِعِ فِي مُخَالَطَةِ النَّاسِ ، وَهُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ يُسِيءُ ، لِيَسْتَجْلِبَ خَاطِرَهُ ، فَتَعُودُ عَدَاوَتُهُ صَدَاقَةً وَبُغْضُهُ مَحَبَّةً ، فَقَالَ : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ) ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) [ فُصِّلَتْ : 34 ، 35 ] : أَيْ مَا يُلْهَمُ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ أَوِ الْخَصْلَةُ أَوِ الصِّفَةُ ( إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) أَيْ : عَلَى أَذَى النَّاسِ ، فَعَامَلُوهُمْ بِالْجَمِيلِ مَعَ إِسْدَائِهِمْ إِلَيْهِمُ الْقَبِيحَ ، ( وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ) : أَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الشَّيَاطِينِ ، لِأَنَّهُمْ لَا تَنْفَعُ مَعَهُمُ الْحِيَلُ ، وَلَا يَنْقَادُونَ بِالْمَعْرُوفِ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا عِنْدَ الِاسْتِعَاذَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ۝ " أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ) أَيْ : فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي; وَلِهَذَا أَمَرَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي ابْتِدَاءِ الْأُمُورِ وَذَلِكَ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيَاطِينِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ وَالذَّبْحِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ; وَلِهَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : ۝ " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ وَمِنَ الْغَرَقِ ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، 493 عَنْ جَدِّهِ قَالَ : ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا كَلِمَاتٍ يَقُولُهُنَّ عِنْدَ النَّوْمِ ، مِنَ الْفَزَعِ : " بِسْمِ اللَّهِ ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ ، وَمِنْ شَرِّ عِبَادِهِ ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ " قَالَ : فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ أَنْ يَقُولَهَا عِنْدَ نَوْمِهِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَغِيرًا لَا يَعْقِلُ أَنْ يَحْفَظَهَا ، كَتَبَهَا لَهُ ، فَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith