تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1315 · printed p. 142
( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكَمْ مُتَّبَعُونَ ( 52 ) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ ( 53 ) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ( 54 ) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ( 55 ) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ( 56 ) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 58 ) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ( 59 ) ) .
142
لَمَّا طَالَ مُقَامُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِبِلَادِ مِصْرَ ، وَأَقَامَ بِهَا حُجَجَ اللَّهِ وَبَرَاهِينَهُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُكَابِرُونَ وَيُعَانِدُونَ ، لَمْ يَبْقَ لَهُمْ إِلَّا الْعَذَابُ وَالنَّكَالُ ، فَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا مِنْ مِصْرَ ، وَأَنْ يَمْضِيَ بِهِمْ حَيْثُ يؤُمَر ، فَفَعَلَ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ عَزَّ وَجَلَّ . خَرَجَ بِهِمْ بَعْدَمَا اسْتَعَارُوا مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ حُلِيًّا كَثِيرًا ، وَكَانَ خُرُوجُهُ بِهِمْ ، فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ ، وَقْتَ طُلُوعِ الْقَمَرِ . وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّهُ كُسِفَ الْقَمَرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، سَأَلَ عَنْ قَبْرِ يُوسُفَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَدَلَّتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِ ، فَاحْتَمَلَ تَابُوتَهُ مَعَهُمْ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ هُوَ الَّذِي حَمَلَهُ بِنَفْسِهِ ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، وَكَانَ يُوسُفُ قَدْ أَوْصَى بِذَلِكَ إِذَا خَرَجَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَنْ يَحْمِلُوهُ مَعَهُمْ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَقَالَ :
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبَانِ بْنِ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : ۝ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْرَابِيٍّ فَأَكْرَمَهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : تَعَاهَدْنَا . فَأَتَاهُ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا حَاجَتُكَ؟ " قَالَ نَاقَةٌ بِرَحْلِهَا وَأَعْنُزٌ يَحْتَلِبُهَا أَهْلِي ، فَقَالَ : " أَعْجَزْتَ أَنْ تَكُونَ مِثْلَ عَجُوزِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ " فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : وَمَا عَجُوزُ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ : " إِنَّ مُوسَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسِيرَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَضَلَّ الطَّرِيقَ ، فَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ : مَا هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ : نَحْنُ نُحَدِّثُكَ أَنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ أَلَّا نَخْرُجَ مِنْ مِصْرَ حَتَّى نَنْقُلَ تَابُوتَهُ مَعَنَا ، فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى : فَأَيُّكُمْ يَدْرِي أَيْنَ قَبْرُ يُوسُفَ ؟ قَالُوا : مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عَجُوزٌ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ . فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا : دُلِّينِي عَلَى قَبْرِ يُوسُفَ . فَقَالَتْ : وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ حَتَّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي . قَالَ لَهَا : وَمَا حُكْمُكِ؟ قَالَتْ : حُكْمِي أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ . فَكَأَنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، فَقِيلَ لَهُ : أَعْطِهَا حُكْمَهَا . قَالَ : فَانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ إِلَى بُحَيْرَةٍ - مُسْتَنْقَعِ مَاءٍ - فَقَالَتْ لَهُمْ : أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاءَ . فَلَمَّا أَنْضَبُوهُ قَالَتِ : احْتَفِرُوا ، فَلَمَّا احْتَفَرُوا اسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ ، فَلَمَّا احْتَمَلُوهُ إِذَا الطَّرِيقُ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهَارِ " .
143
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جَدًّا ، وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَلَمَّا أَصْبَحُوا وَلَيْسَ فِي نَادِيهِمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ ، غَاظَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ; لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الدَّمَارِ ، فَأَرْسَلَ سَرِيعًا فِي بِلَادِهِ حَاشِرِينَ ، أَيْ : مَنْ يَحْشُرُ الْجُنْدَ وَيَجْمَعُهُ ، كَالنُّقَبَاءِ وَالْحُجَّابِ ، وَنَادَى فِيهِمْ : ( إِنَّ هَؤُلَاءِ ) - يَعْنِي : بَنِي إِسْرَائِيلَ - ( لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ ) أَيْ : لِطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ .
( وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ ) أَيْ : كُلَّ وَقْتٍ يَصِلُ لَنَا مِنْهُمْ مَا يَغِيظُنَا .
( وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ ) أَيْ : نَحْنُ كُلَّ وَقْتٍ نَحْذَرُ مِنْ غَائِلَتِهِمْ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ ، وَأُبِيدَ خَضْرَاءَهُمْ . فَجُوزِيَ فِي نَفْسِهِ وَجُنْدِهِ بِمَا أَرَادَ لَهُمْ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ) أَيْ : فَخَرَجُوا مِنْ هَذَا النَّعِيمِ إِلَى الْجَحِيمِ ، وَتَرَكُوا تِلْكَ الْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ وَالْبَسَاتِينَ وَالْأَنْهَارَ وَالْأَمْوَالَ وَالْأَرْزَاقَ وَالْمُلْكَ وَالْجَاهَ الْوَافِرَ فِي الدُّنْيَا .
( كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 137 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) [ الْقَصَصِ : 5 ، 6 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith