تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ( 60 ) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ( 61 ) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ( 63 ) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ ( 64 ) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ( 65 ) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ( 66 ) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 67 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 68 ) ) .
ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ وَجَمْعٍ كَبِيرٍ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَمْلَكَةِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي زَمَانِهِ ، أُولِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالدُّوَلِ ، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالْجُنُودِ ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، مِنْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ ، مِنْهَا مِائَةُ أَلْفٍ عَلَى خَيْلٍ دُهْمٍ ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : فِيهِمْ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ حِصَانٍ أَدْهَمَ ، فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مُجَازَفَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاللَّهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أَعْلَمُ . وَالَّذِي أَخْبَرَ بِهِ هُوَ النَّافِعُ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ عِدَّتَهُمْ; إِذْ لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ ، إِلَّا أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ .
( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ) أَيْ : وَصَلُوا إِلَيْهِمْ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ طُلُوعُهَا .
( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ) أَيْ : رَأَى كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ، وَذَلِكَ أَنَّهُ انْتَهَى بِهِمُ السَّيْرُ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ ، وَهُوَ بَحْرُ الْقُلْزُمِ ، فَصَارَ أَمَامَهُمُ الْبَحْرُ ، وَفِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَهُمْ بِجُنُودِهِ ، فَلِهَذَا قَالُوا : ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) أَيْ : لَا يَصِلُ إِلَيْكُمْ 144 شَيْءٌ مِمَّا تَحْذَرُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، هُوَ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ هَاهُنَا بِكُمْ ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
وَكَانَ هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، [ وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي السَّاقَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّهُمْ وَقَفُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ ، وَجَعَلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ] ، أَوْ مُؤْمِنُ آلَ فِرْعَوْنَ يَقُولُ لِمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، هَاهُنَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَسِيرَ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، وَاقْتَرَبَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ ، فَضَرَبَهُ ، وَقَالَ : انْفَلِقْ بِإِذْنِ اللَّهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ [ بْنِ مُحَمَّدِ ] بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ قَالَ : يَا مَنْ كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَالْكَائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، اجْعَلْ لَنَا مَخْرَجًا . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ) .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَوْحَى اللَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَى الْبَحْرِ : أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ ، فَبَاتَ الْبَحْرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَلَهُ اضْطِرَابٌ ، وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَانِبٍ يَضْرِبُهُ مُوسَى ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ مُوسَى قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ قَالَ : أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ . قَالَ : فَاضْرِبْهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَوْحَى اللَّهُ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - إِلَى الْبَحْرِ : أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَلِقْ لَهُ . قَالَ : فَبَاتَ الْبَحْرُ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَرَقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَانْتِظَارًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ) ، فَضَرَبَهُ بِهَا وَفِيهَا ، سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ ، فَانْفَلَقَ .
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَنَّاهُ فَقَالَ : انْفَلِقْ عَلَيَّ أَبَا خَالِدٍ بِحَوْلِ اللَّهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) أَيْ : كَالْجَبَلِ الْكَبِيرِ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَارَ الْبَحْرُ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ - وَزَادَ السُّدِّيُّ : وَصَارَ فِيهِ طَاقَاتٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، وَقَامَ الْمَاءُ عَلَى حَيْلِهِ كَالْحِيطَانِ ، وَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ إِلَى قَعْرِ الْبَحْرِ فَلَفْحَتْهُ ، فَصَارَ يَبَسًا كَوَجْهِ الْأَرْضِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) [ طه : 77 ] .
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : ( وَأَزْلَفْنَا ) أَيْ : هُنَالِكَ ( الْآخَرِينَ ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : ( وَأَزْلَفْنَا ) أَيْ : قَرَّبْنَا فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ 145 مِنَ الْبَحْرِ وَأَدْنَيْنَاهُمْ إِلَيْهِ .
( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) أَيْ : أَنْجَيْنَا مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ مَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ فَلَمْ يَهْلَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا هَلَكَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ أَسْرَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَغَ فِرْعَوْنَ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ ، ثُمَّ قَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا يُفْرَغُ مِنْ سَلْخِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ . فَانْطَلَقَ مُوسَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ لَهُ : انْفَرِقْ . فَقَالَ الْبَحْرُ : لَقَدِ اسْتَكْبَرْتَ يَا مُوسَى ، وَهَلِ انْفَرَقْتُ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ فَأَنْفَرِقُ لَكَ؟ قَالَ : وَمَعَ مُوسَى رَجُلٌ عَلَى حِصَانٍ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ : مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ [ يَعْنِي : الْبَحْرَ ، فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ ، فَسَبَحَ بِهِ فَخَرَجَ ، فَقَالَ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ : مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ ] . قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ وَلَا كُذِّبْتَ . ثُمَّ اقْتَحَمَ الثَّانِيَةَ فَسَبَحَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ : مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ وَلَا كُذِّبْتَ . قَالَ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ، فَضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ ، فَانْفَلَقَ ، فَكَانَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ يَتَرَاءَوْنَ ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ مُوسَى وَتَتَامَّ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ ، الْتَقَى الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمْ .
وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ آخِرُ أَصْحَابِ مُوسَى ، وَتَكَامَلَ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ ، اضْطَمَّ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ ، فَمَا رُئِيَ سَوَادٌ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِئِذٍ ، وَغَرَقَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ) أَيْ : فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ; لَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ، ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ .
ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّ فِرْعَوْنَ خَرَجَ فِي جَحْفَلٍ عَظِيمٍ وَجَمْعٍ كَبِيرٍ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَمْلَكَةِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِي زَمَانِهِ ، أُولِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَالدُّوَلِ ، مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْوُزَرَاءِ وَالْكُبَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَالْجُنُودِ ، فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ، مِنْ أَنَّهُ خَرَجَ فِي أَلْفِ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ ، مِنْهَا مِائَةُ أَلْفٍ عَلَى خَيْلٍ دُهْمٍ ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : فِيهِمْ ثَمَانِمِائَةِ أَلْفِ حِصَانٍ أَدْهَمَ ، فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ مُجَازَفَاتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَاللَّهُ ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، أَعْلَمُ . وَالَّذِي أَخْبَرَ بِهِ هُوَ النَّافِعُ ، وَلَمْ يُعَيِّنْ عِدَّتَهُمْ; إِذْ لَا فَائِدَةَ تَحْتَهُ ، إِلَّا أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ .
( فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ) أَيْ : وَصَلُوا إِلَيْهِمْ عِنْدَ شُرُوقِ الشَّمْسِ ، وَهُوَ طُلُوعُهَا .
( فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ ) أَيْ : رَأَى كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ صَاحِبَهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ( قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) ، وَذَلِكَ أَنَّهُ انْتَهَى بِهِمُ السَّيْرُ إِلَى سَيْفِ الْبَحْرِ ، وَهُوَ بَحْرُ الْقُلْزُمِ ، فَصَارَ أَمَامَهُمُ الْبَحْرُ ، وَفِرْعَوْنُ قَدْ أَدْرَكَهُمْ بِجُنُودِهِ ، فَلِهَذَا قَالُوا : ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) أَيْ : لَا يَصِلُ إِلَيْكُمْ 144 شَيْءٌ مِمَّا تَحْذَرُونَ ، فَإِنَّ اللَّهَ ، سُبْحَانَهُ ، هُوَ الَّذِي أَمَرَنِي أَنْ أَسِيرَ هَاهُنَا بِكُمْ ، وَهُوَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ .
وَكَانَ هَارُونُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَمَعَهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، [ وَمُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ وَمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فِي السَّاقَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ : أَنَّهُمْ وَقَفُوا لَا يَدْرُونَ مَا يَصْنَعُونَ ، وَجَعَلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ] ، أَوْ مُؤْمِنُ آلَ فِرْعَوْنَ يَقُولُ لِمُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، هَاهُنَا أَمَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَسِيرَ؟ فَيَقُولُ : نَعَمْ ، وَاقْتَرَبَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْقَلِيلُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُوسَى أَنْ يَضْرِبَ بِعَصَاهُ الْبَحْرَ ، فَضَرَبَهُ ، وَقَالَ : انْفَلِقْ بِإِذْنِ اللَّهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمْزَةَ [ بْنِ مُحَمَّدِ ] بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ : أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، لَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ قَالَ : يَا مَنْ كَانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالْمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ ، وَالْكَائِنُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ، اجْعَلْ لَنَا مَخْرَجًا . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ) .
وَقَالَ قَتَادَةُ : أَوْحَى اللَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَى الْبَحْرِ : أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ ، فَبَاتَ الْبَحْرُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ ، وَلَهُ اضْطِرَابٌ ، وَلَا يَدْرِي مِنْ أَيِّ جَانِبٍ يَضْرِبُهُ مُوسَى ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ مُوسَى قَالَ لَهُ فَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، أَيْنَ أَمَرَكَ رَبُّكَ؟ قَالَ : أَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ الْبَحْرَ . قَالَ : فَاضْرِبْهُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : أَوْحَى اللَّهُ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - إِلَى الْبَحْرِ : أَنْ إِذَا ضَرَبَكَ مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْفَلِقْ لَهُ . قَالَ : فَبَاتَ الْبَحْرُ يَضْرِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَرَقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَانْتِظَارًا لِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى : ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ) ، فَضَرَبَهُ بِهَا وَفِيهَا ، سُلْطَانُ اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهُ ، فَانْفَلَقَ .
وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ كَنَّاهُ فَقَالَ : انْفَلِقْ عَلَيَّ أَبَا خَالِدٍ بِحَوْلِ اللَّهِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) أَيْ : كَالْجَبَلِ الْكَبِيرِ . قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : هُوَ الْفَجُّ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَارَ الْبَحْرُ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ - وَزَادَ السُّدِّيُّ : وَصَارَ فِيهِ طَاقَاتٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، وَقَامَ الْمَاءُ عَلَى حَيْلِهِ كَالْحِيطَانِ ، وَبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ إِلَى قَعْرِ الْبَحْرِ فَلَفْحَتْهُ ، فَصَارَ يَبَسًا كَوَجْهِ الْأَرْضِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى ) [ طه : 77 ] .
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ : ( وَأَزْلَفْنَا ) أَيْ : هُنَالِكَ ( الْآخَرِينَ ) .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : ( وَأَزْلَفْنَا ) أَيْ : قَرَّبْنَا فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ 145 مِنَ الْبَحْرِ وَأَدْنَيْنَاهُمْ إِلَيْهِ .
( وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ ) أَيْ : أَنْجَيْنَا مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَمِنْ مَعَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ فَلَمْ يَهْلَكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَأُغْرِقَ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا هَلَكَ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ - أَنَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، حِينَ أَسْرَى بِبَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَغَ فِرْعَوْنَ ذَلِكَ ، فَأَمَرَ بِشَاةٍ فَذُبِحَتْ ، ثُمَّ قَالَ : لَا وَاللَّهِ لَا يُفْرَغُ مِنْ سَلْخِهَا حَتَّى يَجْتَمِعَ إِلَيَّ سِتِّمِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْقِبْطِ . فَانْطَلَقَ مُوسَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْبَحْرِ ، فَقَالَ لَهُ : انْفَرِقْ . فَقَالَ الْبَحْرُ : لَقَدِ اسْتَكْبَرْتَ يَا مُوسَى ، وَهَلِ انْفَرَقْتُ لِأَحَدٍ مِنْ وَلَدِ آدَمَ فَأَنْفَرِقُ لَكَ؟ قَالَ : وَمَعَ مُوسَى رَجُلٌ عَلَى حِصَانٍ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ : مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ [ يَعْنِي : الْبَحْرَ ، فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ ، فَسَبَحَ بِهِ فَخَرَجَ ، فَقَالَ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ : مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ ] . قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ وَلَا كُذِّبْتَ . ثُمَّ اقْتَحَمَ الثَّانِيَةَ فَسَبَحَ ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : أَيْنَ أُمِرْتَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ : مَا أُمِرْتُ إِلَّا بِهَذَا الْوَجْهِ؟ قَالَ : وَاللَّهِ مَا كَذَبْتَ وَلَا كُذِّبْتَ . قَالَ : فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ، فَضَرَبَهُ مُوسَى بِعَصَاهُ ، فَانْفَلَقَ ، فَكَانَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ طَرِيقًا ، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ يَتَرَاءَوْنَ ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَابُ مُوسَى وَتَتَامَّ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ ، الْتَقَى الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ فَأَغْرَقَهُمْ .
وَفِي رِوَايَةِ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : فَلَمَّا خَرَجَ آخِرُ أَصْحَابِ مُوسَى ، وَتَكَامَلَ أَصْحَابُ فِرْعَوْنَ ، اضْطَمَّ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ ، فَمَا رُئِيَ سَوَادٌ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِئِذٍ ، وَغَرَقَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللَّهُ .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً ) أَيْ : فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا فِيهَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ لِعِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ; لَدَلَالَةٌ وَحُجَّةٌ قَاطِعَةٌ وَحِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ، ( وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith