تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1351 · ص. المطبوع 199
( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ( 48 ) قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ( 49 ) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( 50 ) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ( 51 ) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 52 ) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ( 53 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ طُغَاةِ ثَمُودَ وَرُءُوسِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا دُعَاةَ قَوْمِهِمْ إِلَى الضَّلَالَةِ وَالْكُفْرِ وَتَكْذِيبِ صَالِحٍ ، وَآلَ بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنَّهُمْ عَقَرُوا النَّاقَةَ ، وَهَمُّوا بِقَتْلِ صَالِحٍ أَيْضًا ، بِأَنْ يُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ غِيلَةً ، ثُمَّ يَقُولُوا لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَقْرَبِيهِ : إِنَّهُمْ مَا عَلِمُوا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ ، وَإِنَّهُمْ لَصَادِقُونَ فِيمَا أَخْبَرُوهُمْ بِهِ ، مِنْ أَنَّهُمْ لَمْ يُشَاهِدُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ تَعَالَى : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ ) أَيْ : مَدِينَةِ ثَمُودَ ، ( تِسْعَةُ رَهْطٍ ) أَيْ : تِسْعَةُ نَفَرٍ ، ( يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ) وَإِنَّمَا غَلَبَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَمْرِ ثَمُودَ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا كُبَرَاءَ فِيهِمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ .
قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ ، أَيِ : الَّذِي صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ - قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ - وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانَ أَسْمَاءُ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةِ : دُعْمِيٌّ ، وَدُعَيْمٌ ، 199 وَهِرْمَا ، وَهُرَيْمٌ ، وَدَابٌ ، وَصَوَابٌ ، وَرِيَابٌ ، وَمِسْطَعٌ ، وَقَدَارُ بْنُ سَالِفٍ عَاقِرُ النَّاقَةِ ، أَيِ : الَّذِي بَاشَرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ) [ الْقَمَرِ : 29 ] ، وَقَالَ تَعَالَى ( إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ) [ الشَّمْسِ : 12 ] .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ رَبِيعَةَ الصَّنْعَانِيُّ ، سَمِعْتُ عَطَاءً - هُوَ ابْنُ أَبِي رَبَاحٍ - يَقُولُ : ( وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ) قَالَ : كَانُوا يَقْرِضُونَ الدَّرَاهِمَ ، يَعْنِي : أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْهَا ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِهَا عَدَدًا ، كَمَا كَانَ الْعَرَبُ يَتَعَامَلُونَ .
وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : قَطْعُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ .
وَفِي الْحَدِيثِ - الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ - : ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلَّا مِنْ بَأْسٍ .
وَالْغَرَضُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ الْفَسَقَةَ ، كَانَ مِنْ صِفَاتِهِمُ الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ بِكُلِّ طَرِيقٍ يَقْدِرُونَ عَلَيْهَا ، فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَقَوْلُهُ : ( قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ) أَيْ : تَحَالَفُوا وَتَبَايَعُوا عَلَى قَتْلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَنْ لَقِيَهُ لَيْلًا غِيلَةً . فَكَادَهُمُ اللَّهُ ، وَجَعَلَ الدَّائِرَةَ عَلَيْهِمْ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا عَلَى هَلَاكِهِ ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِ حَتَّى هَلَكُوا وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : تَوَافَقُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوهُ لَيْلًا فَيَقْتُلُوهُ ، وَذَكَرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ مَعَانِيقُ إِلَى صَالِحٍ لِيَفْتِكُوا بِهِ ، إِذْ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً فَأَهْمَدَتْهُمْ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُمُ الَّذِينَ عَقَرُوا النَّاقَةَ ، قَالُوا حِينَ عَقَرُوهَا : نُبَيِّتُ صَالِحًا [ وَأَهْلَهُ ] وَقَوْمَهُ فَنَقْتُلُهُمْ ، ثُمَّ نَقُولُ لِأَوْلِيَاءِ صَالِحٍ : مَا شَهِدْنَا مِنْ هَذَا شَيْئًا ، وَمَا لَنَا بِهِ مِنْ عِلْمٍ . فَدَمَّرَهُمُ اللَّهُ أَجْمَعِينَ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : قَالَ هَؤُلَاءِ التِّسْعَةُ بَعْدَمَا عَقَرُوا النَّاقَةَ : هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ صَالِحًا ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا عَجَّلْنَاهُ قَبْلَنَا ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا كُنَّا قَدْ أَلْحَقْنَاهُ بِنَاقَتِهِ! فَأَتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ فِي أَهْلِهِ ، فَدَمْغَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِالْحِجَارَةِ ، فَلَمَّا أَبَطَؤُوا عَلَى أَصْحَابِهِمْ ، أَتَوْا مَنْزِلَ صَالِحٍ ، فَوَجَدُوهُمْ مُنْشَدِخِينَ قَدْ رُضِخُوا بِالْحِجَارَةِ ، فَقَالُوا لِصَالِحٍ : أَنْتَ قَتَلْتَهُمْ ، ثُمَّ هَمُّوا بِهِ ، فَقَامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهُ ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ ، وَقَالُوا لَهُمْ : وَاللَّهِ لَا تَقْتُلُونَهُ أَبَدًا ، وَقَدْ وَعَدَكُمْ أَنَّ الْعَذَابَ نَازِلٌ بِكُمْ فِي ثَلَاثٍ ، فَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا تَزِيدُوا رَبَّكُمْ عَلَيْكُمْ غَضَبًا ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَأَنْتُمْ مِنْ وَرَاءِ مَا تُرِيدُونَ . فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ لَيْلَتَهُمْ تِلْكَ .
200
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : لَمَّا عَقَرُوا النَّاقَةَ وَقَالَ لَهُمْ صَالِحٌ : ( تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ) [ هُودٍ : 65 ] قَالُوا : زَعَمَ صَالِحٌ أَنَّهُ يُفْرُغُ مِنَّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَنَحْنُ نَفْرُغُ مِنْهُ وَأَهْلِهِ قَبْلَ ثَلَاثٍ . وَكَانَ لِصَالِحٍ مَسْجِدٌ فِي الْحِجْرِ عِنْدَ شِعْبٍ هُنَاكَ يُصَلِّي فِيهِ ، فَخَرَجُوا إِلَى كَهْفٍ ، أَيْ : غَارٍ هُنَاكَ لَيْلًا فَقَالُوا : إِذَا جَاءَ يُصَلِّي قَتَلْنَاهُ ، ثُمَّ رَجَعْنَا إِذَا فَرَغْنَا مِنْهُ إِلَى أَهْلِهِ ، فَفَرَغْنَا مِنْهُمْ . فَبَعَثَ اللَّهُ صَخْرَةً مِنَ الْهَضَبِ حِيَالَهُمْ ، فَخَشُوا أَنْ تَشْدَخَهُمْ فَتَبَادَرُوا فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ وَهُمْ فِي ذَلِكَ الْغَارِ ، فَلَا يَدْرِي قَوْمُهُمْ أَيْنَ هُمْ ، وَلَا يَدْرُونَ مَا فُعِلَ بِقَوْمِهِمْ . فَعَذَّبَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ هَاهُنَا ، وَهَؤُلَاءِ هَاهُنَا ، وَأَنْجَى اللَّهُ صَالِحًا وَمَنْ مَعَهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً ) أَيْ : فَارِغَةً لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ ( بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث