تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1368 · printed p. 224
( وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( 11 ) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ( 12 ) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( 13 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ فُؤَادِ أُمِّ مُوسَى ، حِينَ ذَهَبَ وَلَدُهَا فِي الْبَحْرِ ، إِنَّهُ أَصْبَحَ فَارِغًا ، أَيْ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا إِلَّا مِنْ مُوسَى . قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ، وقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
( إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ) أَيْ : إِنْ كَادَتْ مِنْ شَدَّةِ وَجْدِهَا وَحُزْنِهَا وَأَسَفِهَا لَتُظْهِرُ أَنَّهُ ذَهَبَ لَهَا وَلَدٌ ، وَتُخْبِرُ بِحَالِهَا ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ ثَبَّتَهَا وَصَبَّرَهَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ ) أَيْ : أَمَرَتِ ابْنَتَهَا - وَكَانَتْ كَبِيرَةً تَعِي مَا يُقَالُ لَهَا - فَقَالَتْ لَهَا : ( قُصِّيهِ ) أَيْ : اتْبَعِي أَثَرَهُ ، وَخُذِي خَبَرَهُ ، وَتَطَلَّبِي شَأْنَهُ مِنْ نَوَاحِي الْبَلَدِ . فَخَرَجَتْ لِذَلِكَ ، ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : عَنْ جَانِبٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ ) : عَنْ بَعِيدٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : جَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ وَكَأَنَّهَا لَا تُرِيدُهُ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا اسْتَقَرَّ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِدَارِ فِرْعَوْنَ ، وَأَحَبَّتْهُ امْرَأَةُ الْمَلِكِ ، وَاسْتَطْلَقَتْهُ مِنْهُ ، عَرَضُوا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ الَّتِي فِي دَارِهِمْ ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهَا ثَدْيًا ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . فَخَرَجُوا بِهِ إِلَى سُوقٍ لَعَلَّهُمْ يَجِدُونَ امْرَأَةً تَصْلُحُ لِرَضَاعَتِهِ ، فَلَمَّا رَأَتْهُ بِأَيْدِيهِمْ عَرَفَتْهُ ، وَلَمْ تُظْهِرْ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْعُرُوا بِهَا .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ) أَيْ : تَحْرِيمًا قَدَرِيًّا ، وَذَلِكَ لِكَرَامَةِ اللَّهِ لَهُ صَانَهُ عَنْ أَنْ يَرْتَضِعَ غَيْرَ ثَدْيِ أُمِّهِ ; وَلِأَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - جَعَلَ ذَلِكَ سَبَبًا إِلَى رُجُوعِهِ إِلَى أُمِّهِ ، لِتُرْضِعَهُ وَهِيَ آمِنَةٌ ، بَعْدَمَا كَانَتْ خَائِفَةً . فَلَمَّا رَأَتْهُمْ [ أُخْتُهُ ] حَائِرِينَ فِيمَنْ يُرْضِعُهُ قَالَتْ : ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ ) لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ .
224
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ أَخَذُوهَا ، وَشَكُّوا فِي أَمْرِهَا ، وَقَالُوا لَهَا : وَمَا يُدْرِيكِ نُصْحَهُمْ لَهُ وَشَفَقَتَهُمْ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَتْ : نُصْحُهُمْ لَهُ وَشَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ رَغْبَتُهُمْ فِي ظُئُورَةِ الْمَلِكِ وَرَجَاءُ مَنْفَعَتِهِ . فَأَرْسَلُوهَا ، فَلَمَّا قَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ وَخَلَصَتْ مِنْ أَذَاهُمْ ، ذَهَبُوا مَعَهَا إِلَى مَنْزِلِهِمْ ، فَدَخَلُوا بِهِ عَلَى أُمِّهِ ، فَأَعْطَتْهُ ثَدْيَهَا فَالْتَقَمَهُ ، فَفَرِحُوا بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا . وَذَهَبَ الْبَشِيرُ إِلَى امْرَأَةِ الْمَلِكِ ، فَاسْتَدْعَتْ أُمَّ مُوسَى ، وَأَحْسَنَتْ إِلَيْهَا ، وَأَعْطَتْهَا عَطَاءً جَزِيلًا وَهِيَ لَا تَعْرِفُ أَنَّهَا أُمُّهُ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَلَكِنْ لِكَوْنِهِ وَافَقَ ثَدْيَهَا . ثُمَّ سَأَلْتُهَا آسِيَةُ أَنْ تُقِيمَ عِنْدَهَا فَتُرْضِعُهُ ، فَأَبَتْ عَلَيْهَا وَقَالَتْ : إِنَّ لِي بَعْلًا وَأَوْلَادًا ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى الْمَقَامِ عِنْدَكِ . وَلَكِنْ إِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُرْضِعَهُ فِي بَيْتِي فَعَلْتُ . فَأَجَابَتْهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ إِلَى ذَلِكَ ، وَأَجْرَتْ عَلَيْهَا النَّفَقَةَ وَالصِّلَاتِ وَالْكَسَاوِي وَالْإِحْسَانَ الْجَزِيلَ . فَرَجَعَتْ أُمُّ مُوسَى بِوَلَدِهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ، قَدْ أَبْدَلَهَا اللَّهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهَا أَمْنًا ، فِي عِزٍّ وَجَاهٍ وَرِزْقٍ دَارٍّ . وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : ۝ " مَثَلُ الَّذِي يَعْمَلُ وَيَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ ، كَمَثَلِ أُمِّ مُوسَى تُرْضِعُ وَلَدَهَا وَتَأْخُذُ أَجْرَهَا " وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الشِّدَّةِ وَالْفَرَجِ إِلَّا الْقَلِيلُ : يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، أَوْ نَحْوُهُ ، وَاللَّهُ [ سُبْحَانَهُ ] أَعْلَمُ ، فَسُبْحَانَ مَنْ بِيَدَيْهِ الْأَمْرُ! مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ، الَّذِي يَجْعَلُ لِمَنِ اتَّقَاهُ بَعْدَ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا ، وَبَعْدَ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا ) أَيْ : بِهِ ، ( وَلَا تَحْزَنْ ) أَيْ : عَلَيْهِ : ( وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ) أَيْ : فِيمَا وَعَدَهَا مِنْ رَدِّهِ إِلَيْهَا ، وَجَعْلِهِ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَحِينَئِذٍ تَحَقَّقَتْ بِرَدِّهِ إِلَيْهَا أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْهُ رَسُولٌ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ، فَعَامَلَتْهُ فِي تَرْبِيَتِهِ مَا يَنْبَغِي لَهُ طَبْعًا وَشَرْعًا .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : حُكْمَ اللَّهِ فِي أَفْعَالِهِ وَعَوَاقِبَهَا الْمَحْمُودَةَ ، الَّتِي هُوَ الْمَحْمُودُ عَلَيْهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَرُبَّمَا يَقَعُ الْأَمْرُ كَرِيهًا إِلَى النُّفُوسِ ، وَعَاقِبَتُهُ مَحْمُودَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ) [ الْبَقَرَةِ : 216 ] وَقَالَ تَعَالَى : ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) [ النِّسَاءِ : 19 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith