تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 16 ) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 17 ) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ( 18 ) ) .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ : أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي التَّقْوَى ، وَطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَتَوْحِيدِهِ فِي الشُّكْرِ ، فَإِنَّهُ الْمَشْكُورُ عَلَى النِّعَمِ ، لَا مُسْدِيَ لَهَا غَيْرُهُ ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ : ( اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ) أَيْ : أَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَالْخَوْفَ ، ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أَيْ : إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَصَلَ لَكُمُ الْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَانْدَفَعَ عَنْكُمُ الشَّرُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَالْأَوْثَانَ ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَقْتُمْ أَنْتُمْ لَهَا أَسْمَاءً ، سَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ مَخْلُوقَةٌ مِثْلُكُمْ . هَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَرَوَى الْوَالِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَصْنَعُونَ إِفْكًا ، أَيْ : تَنْحِتُونَهَا أَصْنَامًا . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ - فِي رِوَايَةٍ - وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَهِيَ لَا تَمْلِكُ لَكُمْ رِزْقًا ، ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْحَصْرِ ، كَقَوْلِهِ : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الْفَاتِحَةِ : 5 ] ، ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) [ التَّحْرِيمِ : 11 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( فَابْتَغُوا ) أَيْ : فَاطْلُبُوا ( عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) أَيْ : لَا عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، ( وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ) أَيْ : كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ ، وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، ( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أَيْ : فَبَلَّغَكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ ، ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) يَعْنِي : إِنَّمَا عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُبَلِّغَكُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى 270 بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، فَاحْرِصُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ السُّعَدَاءِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) قَالَ : يُعَزِّي نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَهَذَا مِنْ قَتَادَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ ، وَاعْتَرَضَ بِهَذَا إِلَى قَوْلِهِ : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) . وَهَكَذَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا .
وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [ لِقَوْمِهِ ] يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ لِإِثْبَاتِ الْمَعَادِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ : أَنَّهُ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَالْإِخْلَاصِ لَهُ فِي التَّقْوَى ، وَطَلَبِ الرِّزْقِ مِنْهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَتَوْحِيدِهِ فِي الشُّكْرِ ، فَإِنَّهُ الْمَشْكُورُ عَلَى النِّعَمِ ، لَا مُسْدِيَ لَهَا غَيْرُهُ ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ : ( اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ) أَيْ : أَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَالْخَوْفَ ، ( ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أَيْ : إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَصَلَ لَكُمُ الْخَيْرُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَانْدَفَعَ عَنْكُمُ الشَّرُّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَالْأَوْثَانَ ، لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَقْتُمْ أَنْتُمْ لَهَا أَسْمَاءً ، سَمَّيْتُمُوهَا آلِهَةً ، وَإِنَّمَا هِيَ مَخْلُوقَةٌ مِثْلُكُمْ . هَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَرَوَى الْوَالِبِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَتَصْنَعُونَ إِفْكًا ، أَيْ : تَنْحِتُونَهَا أَصْنَامًا . وَبِهِ قَالَ مُجَاهِدٌ - فِي رِوَايَةٍ - وَعِكْرِمَةُ ، وَالْحَسَنُ ، وقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَهِيَ لَا تَمْلِكُ لَكُمْ رِزْقًا ، ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْحَصْرِ ، كَقَوْلِهِ : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [ الْفَاتِحَةِ : 5 ] ، ( رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) [ التَّحْرِيمِ : 11 ] ، وَلِهَذَا قَالَ : ( فَابْتَغُوا ) أَيْ : فَاطْلُبُوا ( عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ ) أَيْ : لَا عِنْدَ غَيْرِهِ ، فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا ، ( وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ) أَيْ : كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَاعْبُدُوهُ وَحْدَهُ ، وَاشْكُرُوا لَهُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، ( إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) أَيْ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) أَيْ : فَبَلَّغَكُمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ فِي مُخَالَفَةِ الرُّسُلِ ، ( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ) يَعْنِي : إِنَّمَا عَلَى الرَّسُولِ أَنْ يُبَلِّغَكُمْ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى 270 بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ ، وَاللَّهُ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ، فَاحْرِصُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ السُّعَدَاءِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ) قَالَ : يُعَزِّي نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَهَذَا مِنْ قَتَادَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْكَلَامُ الْأَوَّلُ ، وَاعْتَرَضَ بِهَذَا إِلَى قَوْلِهِ : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) . وَهَكَذَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا .
وَالظَّاهِرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ كُلَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ [ لِقَوْمِهِ ] يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ لِإِثْبَاتِ الْمَعَادِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ : ( فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ ) ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith