تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1423 · printed p. 309
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 ) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 21 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ ) الدَّالَّةِ عَلَى عَظَمَتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ أَنَّهُ خَلَقَ أَبَاكُمْ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ ، ( ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) ، فَأَصْلُكُمْ مِنْ تُرَابٍ ، ثُمَّ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ، ثُمَّ تَصَوَّرَ فَكَانَ عَلَقَةً ، ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ صَارَ عِظَامًا ، شَكْلُهُ عَلَى شَكْلِ الْإِنْسَانِ ، ثُمَّ كَسَا اللَّهُ تِلْكَ الْعِظَامَ لَحْمًا ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ ، فَإِذَا هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ . ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ صَغِيرًا ضَعِيفَ الْقُوَى وَالْحَرَكَةِ ، ثُمَّ كَلَّمَا طَالَ عُمْرُهُ تَكَامَلَتْ قُوَاهُ وَحَرَكَاتُهُ حَتَّى آلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى أَنْ صَارَ يَبْنِي الْمَدَائِنَ وَالْحُصُونَ ، وَيُسَافِرُ فِي أَقْطَارِ الْأَقَالِيمِ ، وَيَرْكَبُ مَتْنَ الْبُحُورِ ، وَيَدُورُ أَقْطَارَ الْأَرْضِ وَيَتَكَسَّبُ وَيَجْمَعُ الْأَمْوَالَ ، وَلَهُ فِكْرَةٌ وَغَوْرٌ ، وَدَهَاءٌ وَمَكْرٌ ، وَرَأْيٌ وَعِلْمٌ ، وَاتِّسَاعٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلٌّ بِحَسَبِهِ . فَسُبْحَانَ مَنْ أَقْدَرَهُمْ وَسَيَّرَهُمْ وَسَخَّرَهُمْ وَصَرَّفَهُمْ فِي فُنُونِ الْمَعَايِشِ وَالْمَكَاسِبِ ، وَفَاوَتَ بَيْنَهُمْ فِي الْعُلُومِ وَالْفِكْرَةِ ، وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ ، وَالْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ) .
309 وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغُنْدَرٌ ، قَالَا حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ قَسَامَةَ بْنِ زُهَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ ، جَاءَ مِنْهُمُ الْأَبْيَضُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزَنُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طُرُقٍ ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ ، بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا ) أَيْ : خَلَقَ لَكُمْ مِنْ جِنْسِكُمْ إِنَاثًا يَكُنَّ لَكُمْ أَزْوَاجًا ، ( لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ) [ الْأَعْرَافِ : 189 ] يَعْنِي بِذَلِكَ حَوَّاءَ ، خَلَقَهَا اللَّهُ مِنْ آدَمَ مِنْ ضِلْعِهِ الْأَقْصَرِ الْأَيْسَرِ . وَلَوْ أَنَّهُ جَعَلَ بَنِي آدَمَ كُلَّهُمْ ذُكُورًا وَجَعَلَ إِنَاثَهُمْ مَنْ جِنْسٍ آخَرَ [ مِنْ غَيْرِهِمْ ] إِمَّا مِنْ جَانٍّ أَوْ حَيَوَانٍ ، لَمَا حَصَلَ هَذَا الِائْتِلَافُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَزْوَاجِ ، بَلْ كَانَتْ تَحْصُلُ نَفْرَةٌ لَوْ كَانَتِ الْأَزْوَاجُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ . ثُمَّ مِنْ تَمَامِ رَحْمَتِهِ بِبَنِي آدَمَ أَنْ جَعَلَ أَزْوَاجَهُمْ مِنْ جِنْسِهِمْ ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ مَوَدَّةً : وَهِيَ الْمَحَبَّةُ ، وَرَحْمَةً : وَهِيَ الرَّأْفَةُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يُمْسِكُ الْمَرْأَةَ إِمَّا لِمَحَبَّتِهِ لَهَا ، أَوْ لِرَحْمَةٍ بِهَا ، بِأَنْ يَكُونَ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ ، أَوْ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ فِي الْإِنْفَاقِ ، أَوْ لِلْأُلْفَةِ بَيْنَهُمَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith