تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1434 · printed p. 323
( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 48 ) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ( 49 ) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 50 ) ( وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( 51 ) ) .
يُبَيِّنُ تَعَالَى كَيْفَ يَخْلُقُ السَّحَابَ الَّتِي يَنْزِلُ مِنْهَا الْمَاءُ فَقَالَ : ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا ) ، إِمَّا مِنَ الْبَحْرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، أَوْ مِمَّا يَشَاءُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ . ( فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) أَيْ : يَمُدُّهُ فَيُكَثِّرُهُ وَيُنَمِّيهِ ، وَيَجْعَلُ مِنَ الْقَلِيلِ كَثِيرًا ، يُنْشِئُ سَحَابَةً فَتُرَى فِي رَأْيِ الْعَيْنِ مِثْلَ التُّرْسِ ، ثُمَّ يَبْسُطُهَا حَتَّى تَمْلَأَ أَرْجَاءَ الْأُفُقِ . وَتَارَةً يَأْتِي السَّحَابُ مِنْ نَحْوِ الْبَحْرِ ثِقَالًا مَمْلُوءَةً مَاءً ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 57 ] ، وَكَذَلِكَ قَالَ هَاهُنَا : ( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا ) . قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَأَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ ، وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ ، وَقَتَادَةُ : يَعْنِي قِطَعًا .
وَقَالَ غَيْرُهُ : مُتَرَاكِمًا ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : أَسْوَدَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَاءِ ، تَرَاهُ مُدْلَهِمًّا ثَقِيلًا قَرِيبًا مِنَ الْأَرْضِ .
وَقَوْلُهُ ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ) أَيْ : فَتَرَى الْمَطَرَ - وَهُوَ الْقَطْرُ - يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ذَلِكَ السَّحَابِ ، ( فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ) أَيْ : لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ يَفْرَحُونَ بِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ وَوُصُولِهِ إِلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ) ، مَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَصَابَهُمْ هَذَا الْمَطَرُ كَانُوا قَنِطِينَ أَزِلِينَ مِنْ نُزُولِ الْمَطَرِ إِلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ ، جَاءَهُمْ عَلَى فَاقَةٍ ، فَوَقَعَ مِنْهُمْ مَوْقِعًا عَظِيمًا .
وَقَدِ اخْتَلَفَ النُّحَاةُ فِي قَوْلِهِ : ( وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ) ، فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : هُوَ 323 تَأْكِيدٌ . وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : [ وَإِنْ كَانُوا ] مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْمَطَرُ ، ( مِنْ قَبْلِهِ ) أَيِ : الْإِنْزَالِ ( لَمُبْلِسِينَ ) .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ التَّأْسِيسِ ، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّهُمْ كَانُوا مُحْتَاجِينَ إِلَيْهِ قَبِلَ نُزُولِهِ ، وَمِنْ قَبْلِهِ - أَيْضًا - قَدْ فَاتَ عِنْدَهُمْ نُزُولُهُ وَقْتًا بَعْدَ وَقْتٍ ، فَتَرَقَّبُوهُ فِي إِبَّانِهِ فَتَأَخَّرَ ، فَمَضَتْ مُدَّةٌ فَتَرَقَّبُوهُ فَتَأَخَّرَ ، ثُمَّ جَاءَهُمْ بَغْتَةً بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَالْقُنُوطِ ، فَبَعْدَ مَا كَانَتْ أَرْضُهُمْ مُقَشْعَرَةً هَامِدَةً أَصْبَحَتْ وَقَدِ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ، وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ ) يَعْنِي الْمَطَرَ ( كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ) .
ثُمَّ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَادِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَفَرُّقِهَا وَتَمَزُّقِهَا ، فَقَالَ : ( إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى ) أَيْ : إِنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لَقَادِرٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَمْوَاتِ ، ( إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ) ، يَقُولُ ( وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا ) يَابِسَةً عَلَى الزَّرْعِ الَّذِي زَرَعُوهُ ، وَنَبَتَ وَشَبَّ وَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ، فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا ، أَيْ : قَدِ اصْفَرَّ وَشَرَعَ فِي الْفَسَادِ ، لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ ، أَيْ : بَعْدَ هَذَا الْحَالِ يَكْفُرُونَ ، أَيْ : يَجْحَدُونَ مَا تَقَدَّمَ [ إِلَيْهِمْ ] مِنَ النِّعَمِ ، كَمَا قَالَ : ( أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) [ الْوَاقِعَةِ : 63 - 67 ] .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ الطَّبَّاعِ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ : الرِّيَاحُ ثَمَانِيَةٌ ، أَرْبَعَةٌ مِنْهَا رَحْمَةٌ ، وَأَرْبَعَةٌ عَذَابٌ ، فَأَمَّا الرَّحْمَةُ فَالنَّاشِرَاتُ وَالْمُبَشِّرَاتُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَالذَّارِيَاتُ . وَأَمَّا الْعَذَابُ فَالْعَقِيمُ وَالصَّرْصَرُ ، وَهُمَا فِي الْبَرِّ ، وَالْعَاصِفُ وَالْقَاصِفُ ، وَهُمَا فِي الْبَحْرِ [ فَإِذَا شَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَرَّكَهُ بِحَرَكَةِ الرَّحْمَةِ فَجَعَلَهُ رَخَاءً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ، وَلَاقِحًا لِلسَّحَابِ تُلَقِّحُهُ بِحَمْلِهِ الْمَاءَ ، كَمَا يُلَقِّحُ الذَّكَرُ الْأُنْثَى بِالْحَمْلِ ، وَإِنْ شَاءَ حَرَّكَهُ بِحَرَكَةِ الْعَذَابِ فَجَعَلَهُ عَقِيمًا ، وَأَوْدَعَهُ عَذَابًا أَلِيمًا ، وَجَعْلَهُ نِقْمَةً عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَيَجْعَلُهُ صَرْصَرًا وَعَاتِيًا وَمُفْسِدًا لِمَا يَمُرُّ عَلَيْهِ ، وَالرِّيَاحُ مُخْتَلِفَةٌ فِي مَهَابِّهَا : صَبًا وَدَبُورٌ ، وَجَنُوبٌ ، وَشِمَالٌ ، وَفِي مَنْفَعَتِهَا وَتَأْثِيرِهَا أَعْظَمَ اخْتِلَافِ ، فَرِيحٌ لَيِّنَةٌ رَطْبَةٌ تُغَذِّي النَّبَاتَ وَأَبْدَانَ الْحَيَوَانِ ، وَأُخْرَى تُجَفِّفُهُ ، وَأُخْرَى تُهْلِكُهُ وَتُعْطِبُهُ ، وَأُخْرَى تُسَيِّرُهُ وَتَصْلُبُهُ ، وَأُخْرَى تُوهِنُهُ وَتُضْعِفُهُ ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمِّي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ دَرَّاجٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ هِلَالٍ الصَّدَفِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " الرِّيحُ مُسَخَّرَةٌ مِنَ الثَّانِيَةِ - يَعْنِي الْأَرْضَ الثَّانِيَةَ - فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ عَادًا ، أَمَرَ خَازِنَ الرِّيحِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا تُهْلِكُ عَادًا ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّيحِ قَدْرَ مُنْخَرِ الثَّوْرِ . قَالَ لَهُ الْجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : لَا إِذًا تَكْفَأُ الْأَرْضَ وَمَا عَلَيْهَا ، 324 وَلَكِنْ أَرْسِلْ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ خَاتَمٍ " ، فَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : ( مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ) [ الذَّرِايَاتِ : 42 ] . هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith