تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 153 ) )
( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ( 154 ) )
لَمَّا فَرَغَ تَعَالَى مِنْ بَيَانِ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّبْرِ ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا ، أَوْ فِي نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا ; كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ : إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ ، فَشَكَرَ ، كَانَ خَيْرًا لَهُ ; وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ " .
وَبَيِّنَ تَعَالَى أَنَّ أَجْوَدَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَصَائِبِ الصَّبْرُ وَالصَّلَاةُ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 45 ] . وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى . وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ ، فَصَبْرٌ عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ، وَصَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ . وَالثَّانِي أَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ . كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الصَّبْرُ فِي بَابَيْنِ ، الصَّبْرُ لِلَّهِ بِمَا أَحَبَّ ، وَإِنْ ثَقُلَ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَبْدَانِ ، وَالصَّبْرُ لِلَّهِ عَمَّا كَرِهَ وَإِنْ نَازَعَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ . فَمَنْ كَانَ هَكَذَا ، فَهُوَ مِنَ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ : إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يُنَادِي مُنَادٍ : أَيْنَ الصَّابِرُونَ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ ؟ قَالَ : فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، فَيَقُولُونَ : إِلَى أَيْنَ يَا بَنِي آدَمَ ؟ فَيَقُولُونَ : إِلَى الْجَنَّةِ . فَيَقُولُونَ : وَقَبْلَ الْحِسَابِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالُوا : وَمَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : الصَّابِرُونَ ، قَالُوا : وَمَا كَانَ صَبْرُكُمْ ؟ قَالُوا : صَبَرْنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَصَبَرْنَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، حَتَّى تَوَفَّانَا اللَّهُ . قَالُوا : أَنْتُمْ كَمَا قُلْتُمُ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .
قُلْتُ : وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ الزُّمَرِ : 10 ] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ مِنْهُ ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلِّدٌ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي بَرْزَخِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : " إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً ، 467 فَقَالَ : مَاذَا تَبْغُونَ ؟ فَقَالُوا : يَا رَبَّنَا ، وَأَيُّ شَيْءٍ نَبْغِي ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ؟ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا ، قَالُوا : نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا ، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ ، حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى ; لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ : إِنِّي كَتَبْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ " .
وَفِي الْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " .
فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَدْ خُصِّصُوا بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ ، تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا .
( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ( 154 ) )
لَمَّا فَرَغَ تَعَالَى مِنْ بَيَانِ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّبْرِ ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا ، أَوْ فِي نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا ; كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : " عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ ، لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ : إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ ، فَشَكَرَ ، كَانَ خَيْرًا لَهُ ; وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ " .
وَبَيِّنَ تَعَالَى أَنَّ أَجْوَدَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَصَائِبِ الصَّبْرُ وَالصَّلَاةُ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : ( وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ) [ الْبَقَرَةِ : 45 ] . وَفِي الْحَدِيثِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى . وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ ، فَصَبْرٌ عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ ، وَصَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ . وَالثَّانِي أَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ . كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : الصَّبْرُ فِي بَابَيْنِ ، الصَّبْرُ لِلَّهِ بِمَا أَحَبَّ ، وَإِنْ ثَقُلَ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَبْدَانِ ، وَالصَّبْرُ لِلَّهِ عَمَّا كَرِهَ وَإِنْ نَازَعَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ . فَمَنْ كَانَ هَكَذَا ، فَهُوَ مِنَ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ : إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يُنَادِي مُنَادٍ : أَيْنَ الصَّابِرُونَ لِيَدْخُلُوا الْجَنَّةَ قَبْلَ الْحِسَابِ ؟ قَالَ : فَيَقُومُ عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ ، فَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ، فَيَقُولُونَ : إِلَى أَيْنَ يَا بَنِي آدَمَ ؟ فَيَقُولُونَ : إِلَى الْجَنَّةِ . فَيَقُولُونَ : وَقَبْلَ الْحِسَابِ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالُوا : وَمَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : الصَّابِرُونَ ، قَالُوا : وَمَا كَانَ صَبْرُكُمْ ؟ قَالُوا : صَبَرْنَا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، وَصَبَرْنَا عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، حَتَّى تَوَفَّانَا اللَّهُ . قَالُوا : أَنْتُمْ كَمَا قُلْتُمُ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ .
قُلْتُ : وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) [ الزُّمَرِ : 10 ] .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : الصَّبْرُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ لِلَّهِ بِمَا أَصَابَ مِنْهُ ، وَاحْتِسَابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ ، وَقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وَهُوَ مُتَجَلِّدٌ لَا يُرَى مِنْهُ إِلَّا الصَّبْرُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ ) يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي بَرْزَخِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : " إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلَاعَةً ، 467 فَقَالَ : مَاذَا تَبْغُونَ ؟ فَقَالُوا : يَا رَبَّنَا ، وَأَيُّ شَيْءٍ نَبْغِي ، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ؟ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَا يُتْرَكُونَ مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا ، قَالُوا : نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا ، فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ ، حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى ; لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ : إِنِّي كَتَبْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ " .
وَفِي الْحَدِيثِ الذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ " .
فَفِيهِ دَلَالَةٌ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَدْ خُصِّصُوا بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ ، تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith