تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
الصفحة 1514 · ص. المطبوع 499
( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ( 12 ) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ( 13 ) )
499 لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ ، عَطَفَ بِذِكْرِ مَا أَعْطَى ابْنَهُ سُلَيْمَانَ ، مِنْ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لَهُ تَحْمِلُ بِسَاطَهُ ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ .
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : كَانَ يَغْدُو عَلَى بِسَاطِهِ مِنْ دِمَشْقَ فَيَنْزِلُ بِإِصْطَخَرَ يَتَغَذَّى بِهَا ، وَيَذْهَبُ رَائِحًا مِنْ إِصْطَخَرَ فَيَبِيتُ بِكَابُلَ ، وَبَيْنَ دِمَشْقَ وَإِصْطَخَرَ شَهْرٌ كَامِلٌ لِلْمُسْرِعِ ، وَبَيْنَ إِصْطَخَرَ وَكَابُلَ شَهْرٌ كَامِلٌ لِلْمُسْرِعِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَمَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ : الْقِطْرُ : النُّحَاسُ . قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ ، فَكُلُّ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ مِمَّا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى لِسُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَالَ السُّدِّيُّ : وَإِنَّمَا أُسِيلَتْ لَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ) أَيْ : وَسَخَّرْنَا لَهُ الْجِنَّ يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، أَيْ : بِقَدَرِهِ ، وَتَسْخِيرِهِ لَهُمْ بِمَشِيئَتِهِ مَا يَشَاءُ مِنَ الْبِنَايَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ) أَيْ : وَمَنْ يَعْدِلْ وَيَخْرُجُ مِنْهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ ( نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ ) وَهُوَ الْحَرِيقُ .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ هَاهُنَا حَدِيثًا غَرِيبًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ ، وَصِنْفٌ يَحِلُّونَ وَيَظْعُنُونَ " . رَفْعُهُ غَرِيبٌ جِدًّا .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمَ أَنَّهُ قَالَ : الْجِنُّ ثَلَاثَةٌ : صِنْفٌ لَهُمُ الثَّوَابُ وَعَلَيْهِمُ الْعِقَابُ ، وَصِنْفٌ طَيَّارُونَ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ .
قَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ : وَلَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَنَّ الْإِنْسَ ثَلَاثَةٌ : صِنْفٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ بِظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَصِنْفٌ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا . وَصِنْفٌ فِي صُوَرِ النَّاسِ عَلَى قُلُوبِ الشَّيَاطِينِ .
500 وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْزُوقٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ - يَعْنِي ابْنَ الْفَضْلِ - عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : الْجِنُّ وَلَدُ إِبْلِيسَ ، وَالْإِنْسُ وَلَدُ آدَمَ ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ ، وَهُمْ شُرَكَاؤُهُمْ فِي الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنًا فَهُوَ وَلِيُّ اللَّهِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَافِرًا فَهُوَ شَيْطَانٌ .
وَقَوْلُهُ : ( يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ ) : أَمَّا الْمَحَارِيبُ فَهِيَ الْبِنَاءُ الْحَسَنُ ، وَهُوَ أَشْرَفُ شَيْءٍ فِي الْمَسْكَنِ وَصَدْرُهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْمَحَارِيبُ بُنْيَانٌ دُونَ الْقُصُورِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : هِيَ الْمَسَاجِدُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ الْمَسَاجِدُ وَالْقُصُورُ ، وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هِيَ الْمَسَاكِنُ . وَأَمَّا التَّمَاثِيلُ فَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ ، وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ : التَّمَاثِيلُ : الصُّوَرُ . قَالَ مُجَاهِدٌ : وَكَانَتْ مِنْ نُحَاسٍ . وَقَالَ قَتَادَةُ : مِنْ طِينٍ وَزُجَاجٍ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ ) الْجَوَابُ : جَمْعُ جَابِيَةٍ ، وَهِيَ الْحَوْضُ الَّذِي يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ :
﴿﴾ تَرُوحُ عَلَى آلِ الْمَحَلَّقِ جَفْنَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ الْعِرَاقِيِّ تَفْهَقُ ﴿﴾
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( كَالْجَوَابِ ) أَيْ : كَالْجَوْبَةِ مِنَ الْأَرْضِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنْهُ : كَالْحِيَاضِ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ .
وَالْقُدُورُ الرَّاسِيَاتُ : أَيِ الثَّابِتَاتُ ، فِي أَمَاكِنِهَا لَا تَتَحَوَّلُ وَلَا تَتَحَرَّكُ عَنْ أَمَاكِنِهَا لِعِظَمِهَا . كَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : أَثَافِيُّهَا مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ) أَيْ : وَقُلْنَا لَهُمُ اعْمَلُوا شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ .
وَشُكْرًا : مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ الْفِعْلِ ، أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَبِالنِّيَّةِ ، كَمَا قَالَ :
﴿﴾ أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً : ﴿﴾ ﴿﴾ يَدِي ، وَلِسَانِي ، وَالضَّمِيرَ الْمُحَجَّبَا ﴿﴾
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ : الصَّلَاةُ شُكْرٌ ، وَالصِّيَامُ شُكْرٌ ، وَكُلُّ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ لِلَّهِ شُكْرٌ . وَأَفْضَلُ الشُّكْرِ الْحَمْدُ . رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَرَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : الشُّكْرُ تَقْوَى اللَّهِ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ .
501 وَهَذَا يُقَالُ لِمَنْ هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالْفِعْلِ ، وَقَدْ كَانَ آلُ دَاوُدَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، كَذَلِكَ قَائِمِينَ بِشُكْرِ اللَّهِ قَوْلًا وَعَمَلًا .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، حَدَّثَنَا جَعْفَرٌ - يَعْنِي : ابْنَ سُلَيْمَانَ - عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ : كَانَ دَاوُدُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَدْ جَزَّأَ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَنِسَائِهِ الصَّلَاةَ ، فَكَانَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِمْ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا وَإِنْسَانٌ مِنْ آلِ دَاوُدَ قَائِمٌ يُصَلِّي ، فَغَمَرَتْهُمْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ " إِنْ أَحَبَّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا . وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى " .
وَقَدْ رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ سُنَيْدِ بْنِ دَاوُدَ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ لِسُلَيْمَانَ : يَا بُنَيَّ ، لَا تُكْثِرِ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ ، فَإِنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ تَتْرُكُ الرَّجُلَ فَقِيرًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ دَاوُدَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، هَاهُنَا أَثَرًا غَرِيبًا مُطَوَّلًا جِدًّا ، وَقَالَ أَيْضًا :
حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ فَيْضُ بْنُ إِسْحَاقَ الرَّقِّيُّ قَالَ : قَالَ فَضِيلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ) . فَقَالَ دَاوُدُ : يَا رَبِّ ، كَيْفَ أَشْكُرُكَ ، وَالشُّكْرُ نِعْمَةٌ مِنْكَ ؟ قَالَ : " الْآنَ شَكَرْتَنِي حِينَ عَلِمْتَ أَنَّ النِّعْمَةَ مِنِّي " .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) إِخْبَارٌ عَنِ الْوَاقِعِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث