تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ( 14 ) ) .
يَذْكُرُ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ مَوْتِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَيْفَ عَمَّى اللَّهُ مَوْتَهُ عَلَى الْجَانِّ الْمُسَخَّرِينَ لَهُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ ، فَإِنَّهُ مَكَثَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ - وَهِيَ مِنْسَأَتُهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ - مُدَّةً طَوِيلَةً نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ ، فَلَمَّا أَكَلَتْهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ ، وَهِيَ الْأَرَضَةُ ، ضَعُفَتْ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ - تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ أَيْضًا أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ، كَمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَ وَيُوهِمُونَ النَّاسَ ذَلِكَ .
502 قَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ غَرِيبٌ ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَانَ سُلَيْمَانُ نَبِيُّ اللَّهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذَا صَلَّى رَأَى شَجَرَةً نَابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ لَهَا : مَا اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ : كَذَا . فَيَقُولُ : لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ . فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهَا : مَا اسْمُكِ ؟ قَالَتْ : الْخَرُّوبُ . قَالَ : لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : لِخَرَابِ هَذَا الْبَيْتِ . فَقَالَ سُلَيْمَانُ : اللَّهُمَّ ، عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتَتِي حَتَّى يَعْلَمَ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ . فَنَحَتَهَا عَصًا ، فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا حَوْلًا مَيِّتًا ، وَالْجِنُّ تَعْمَلُ . فَأَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ ، فَتَبَيَّنَتِ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا [ حَوْلًا ] فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ " .
قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ قَالَ : " فَشَكَرَتِ الْجِنُّ الْأَرَضَةَ ، فَكَانَتْ تَأْتِيهَا بِالْمَاءِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، بِهِ . وَفِي رَفْعِهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ لَهُ غَرَابَاتٌ ، وَفِي بَعْضِ حَدِيثِهِ نَكَارَةٌ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ يَتَحَرَّرُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ ، يُدْخِلُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، فَأَدْخَلُهُ فِي الْمَرَّةِ الَّتِي تُوَفِّي فِيهَا ، وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمٌ يُصْبِحُ فِيهِ إِلَّا نَبَتَتْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَجَرَةٌ ، فَيَأْتِيهَا فَيَسْأَلُهَا ، فَيَقُولُ : مَا اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ : اسْمَيْ كَذَا وَكَذَا . فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غَرَسَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ نَبْتَ دَوَاءٍ قَالَتْ : نَبْتُ دَوَاءٍ لِكَذَا وَكَذَا . فَيَجْعَلُهَا كَذَلِكَ ، حَتَّى نَبَتَتْ شَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا : الْخَرُّوبَةُ ، فَسَأَلَهَا : مَا اسْمُكِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْخَرُّوبَةُ . قَالَ : وَلِأَيِّ شَيْءٍ نَبَتِّ ؟ قَالَتْ : نَبَتُّ لِخَرَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ . قَالَ سُلَيْمَانُ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُخَرِّبُهُ وَأَنَا حَيٌّ ؟ أَنْتِ الَّتِي عَلَى وَجْهِكِ هَلَاكِي وَخَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَنَزَعَهَا وَغَرَسَهَا فِي حَائِطٍ لَهُ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمِحْرَابَ فَقَامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلَى عَصَاهُ ، فَمَاتَ وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْمَلُونَ لَهُ ، يَخَافُونَ أَنْ يَخْرُجَ فَيُعَاقِبُهُمْ . وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَجْتَمِعُ حَوْلَ الْمِحْرَابِ ، وَكَانَ الْمِحْرَابُ لَهُ كُوًى بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ ، فَكَانَ الشَّيْطَانُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَخْلَعَ يَقُولُ : أَلَسْتَ جَلْدًا إِنْ دَخَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ ؟ فَيَدْخُلُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَدَخَلَ شَيْطَانٌ مِنْ أُولَئِكَ فَمَرَّ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْطَانٌ يَنْظُرُ إِلَى سُلَيْمَانَ فِي الْمِحْرَابِ إِلَّا احْتَرَقَ . فَمَرَّ وَلَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَسْمَعْ ، ثُمَّ رَجَعَ فَوَقَعَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يَحْتَرِقْ . وَنَظَرَ إِلَى سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَقَطَ مَيِّتًا . فَخَرَجَ فَأَخْبَرَ النَّاسَ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ مَاتَ . فَفَتَحُوا عَنْهُ 503 فَأَخْرَجُوهُ . وَوَجَدُوا مِنْسَأَتَهُ - وَهِيَ : الْعَصَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ - قَدْ أَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مُنْذُ كَمْ مَاتَ ؟ فَوَضَعُوا الْأَرَضَةَ عَلَى الْعَصَا ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ، ثُمَّ حَسِبُوا عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ ، فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ سَنَةٍ . وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : فَمَكَثُوا يَدْأَبُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ حَوْلًا ، فَأَيْقَنَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْجِنَّ كَانُوا يَكْذِبُونَهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا الْغَيْبَ ، لَعَلِمُوا بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلْبَثُوا فِي الْعَذَابِ يَعْمَلُونَ لَهُ سَنَةً ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) . يَقُولُ : تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْذِبُونَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِلْأَرَضَةِ : لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ أَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ ، وَلَوْ كُنْتِ تَشْرَبِينَ الشَّرَابَ سَقَيْنَاكِ أَطْيَبَ الشَّرَابِ ، وَلَكُنَّا سَنَنْقُلُ إِلَيْكِ الْمَاءَ وَالطِّينَ - قَالَ : فَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهَا ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ - قَالَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الطِّينِ الَّذِي يَكُونُ فِي جَوْفِ الْخَشَبِ ؟ فَهُوَ مَا تَأْتِيهَا بِهِ الشَّيَاطِينُ ، شُكْرًا لَهَا .
وَهَذَا الْأَثَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّمَا هُوَ مِمَّا تُلُقِّيَ مِنْ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهِيَ وَقْفٌ ، لَا يُصَدَّقُ مِنْهَا إِلَّا مَا وَافَقَ الْحَقَّ ، وَلَا يُكَذَّبُ مِنْهَا إِلَّا مَا خَالَفَ الْحَقَّ ، وَالْبَاقِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ) قَالَ : قَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَلِكِ الْمَوْتِ : إِذَا أُمِرْتَ بِي فَأَعْلِمْنِي . فَأَتَاهُ فَقَالَ : يَا سُلَيْمَانُ ، قَدْ أُمِرْتُ بِكَ ، قَدْ بَقِيَتْ لَكَ سُوَيْعَةٌ . فَدَعَا الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِنْ قَوَارِيرَ ، وَلَيْسَ لَهُ بَابٌ ، فَقَامَ يُصَلِّي فَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ ، قَالَ : فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ ، فَقَبَضَ رُوحَهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصَاهُ ، وَلَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ . قَالَ : وَالْجِنُّ يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ . قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ دَابَّةَ الْأَرْضِ . قَالَ : وَالدَّابَّةُ تَأْكُلُ الْعِيدَانَ - يُقَالُ لَهَا : الْقَادِحُ - فَدَخَلَتْ فِيهَا فَأَكَلَتْهَا ، حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ جَوْفَ الْعَصَا ضَعُفَتْ ، وَثَقُلَ عَلَيْهَا فَخَرَّ مَيِّتًا ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ الْجِنُّ انْفَضُّوا وَذَهَبُوا . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ) . قَالَ أَصْبُغُ : بَلَغَنِي عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا قَامَتْ سَنَةً تَأْكُلُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَخِرَّ . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
يَذْكُرُ تَعَالَى كَيْفِيَّةَ مَوْتِ سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَيْفَ عَمَّى اللَّهُ مَوْتَهُ عَلَى الْجَانِّ الْمُسَخَّرِينَ لَهُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ ، فَإِنَّهُ مَكَثَ مُتَوَكِّئًا عَلَى عَصَاهُ - وَهِيَ مِنْسَأَتُهُ - كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ - مُدَّةً طَوِيلَةً نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ ، فَلَمَّا أَكَلَتْهَا دَابَّةُ الْأَرْضِ ، وَهِيَ الْأَرَضَةُ ، ضَعُفَتْ وَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ ، وَعُلِمَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ - تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ أَيْضًا أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ، كَمَا كَانُوا يَتَوَهَّمُونَ وَيُوهِمُونَ النَّاسَ ذَلِكَ .
502 قَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ غَرِيبٌ ، وَفِي صِحَّتِهِ نَظَرٌ ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " كَانَ سُلَيْمَانُ نَبِيُّ اللَّهِ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذَا صَلَّى رَأَى شَجَرَةً نَابِتَةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ لَهَا : مَا اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ : كَذَا . فَيَقُولُ : لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غُرِسَتْ ، وَإِنْ كَانَتْ لِدَوَاءٍ كُتِبَتْ . فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ رَأَى شَجَرَةً بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ لَهَا : مَا اسْمُكِ ؟ قَالَتْ : الْخَرُّوبُ . قَالَ : لِأَيِّ شَيْءٍ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : لِخَرَابِ هَذَا الْبَيْتِ . فَقَالَ سُلَيْمَانُ : اللَّهُمَّ ، عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتَتِي حَتَّى يَعْلَمَ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ . فَنَحَتَهَا عَصًا ، فَتَوَكَّأَ عَلَيْهَا حَوْلًا مَيِّتًا ، وَالْجِنُّ تَعْمَلُ . فَأَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ ، فَتَبَيَّنَتِ الْإِنْسُ أَنَّ الْجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا [ حَوْلًا ] فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ " .
قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ قَالَ : " فَشَكَرَتِ الْجِنُّ الْأَرَضَةَ ، فَكَانَتْ تَأْتِيهَا بِالْمَاءِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، بِهِ . وَفِي رَفْعِهِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ الْخُرَاسَانِيُّ لَهُ غَرَابَاتٌ ، وَفِي بَعْضِ حَدِيثِهِ نَكَارَةٌ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : كَانَ سُلَيْمَانُ يَتَحَرَّرُ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ ، وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ ، يُدْخِلُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ، فَأَدْخَلُهُ فِي الْمَرَّةِ الَّتِي تُوَفِّي فِيهَا ، وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمٌ يُصْبِحُ فِيهِ إِلَّا نَبَتَتْ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ شَجَرَةٌ ، فَيَأْتِيهَا فَيَسْأَلُهَا ، فَيَقُولُ : مَا اسْمُكِ ؟ فَتَقُولُ : اسْمَيْ كَذَا وَكَذَا . فَإِنْ كَانَتْ لِغَرْسٍ غَرَسَهَا ، وَإِنْ كَانَتْ نَبْتَ دَوَاءٍ قَالَتْ : نَبْتُ دَوَاءٍ لِكَذَا وَكَذَا . فَيَجْعَلُهَا كَذَلِكَ ، حَتَّى نَبَتَتْ شَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا : الْخَرُّوبَةُ ، فَسَأَلَهَا : مَا اسْمُكِ ؟ فَقَالَتْ : أَنَا الْخَرُّوبَةُ . قَالَ : وَلِأَيِّ شَيْءٍ نَبَتِّ ؟ قَالَتْ : نَبَتُّ لِخَرَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ . قَالَ سُلَيْمَانُ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُخَرِّبُهُ وَأَنَا حَيٌّ ؟ أَنْتِ الَّتِي عَلَى وَجْهِكِ هَلَاكِي وَخَرَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ . فَنَزَعَهَا وَغَرَسَهَا فِي حَائِطٍ لَهُ ، ثُمَّ دَخَلَ الْمِحْرَابَ فَقَامَ يُصَلِّي مُتَّكِئًا عَلَى عَصَاهُ ، فَمَاتَ وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ يَعْمَلُونَ لَهُ ، يَخَافُونَ أَنْ يَخْرُجَ فَيُعَاقِبُهُمْ . وَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَجْتَمِعُ حَوْلَ الْمِحْرَابِ ، وَكَانَ الْمِحْرَابُ لَهُ كُوًى بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ ، فَكَانَ الشَّيْطَانُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَخْلَعَ يَقُولُ : أَلَسْتَ جَلْدًا إِنْ دَخَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ ؟ فَيَدْخُلُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَدَخَلَ شَيْطَانٌ مِنْ أُولَئِكَ فَمَرَّ ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْطَانٌ يَنْظُرُ إِلَى سُلَيْمَانَ فِي الْمِحْرَابِ إِلَّا احْتَرَقَ . فَمَرَّ وَلَمْ يَسْمَعْ صَوْتَ سُلَيْمَانَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَمْ يَسْمَعْ ، ثُمَّ رَجَعَ فَوَقَعَ فِي الْبَيْتِ وَلَمْ يَحْتَرِقْ . وَنَظَرَ إِلَى سُلَيْمَانَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ سَقَطَ مَيِّتًا . فَخَرَجَ فَأَخْبَرَ النَّاسَ أَنَّ سُلَيْمَانَ قَدْ مَاتَ . فَفَتَحُوا عَنْهُ 503 فَأَخْرَجُوهُ . وَوَجَدُوا مِنْسَأَتَهُ - وَهِيَ : الْعَصَا بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ - قَدْ أَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا مُنْذُ كَمْ مَاتَ ؟ فَوَضَعُوا الْأَرَضَةَ عَلَى الْعَصَا ، فَأَكَلَتْ مِنْهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً ، ثُمَّ حَسِبُوا عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ ، فَوَجَدُوهُ قَدْ مَاتَ مُنْذُ سَنَةٍ . وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ : فَمَكَثُوا يَدْأَبُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ حَوْلًا ، فَأَيْقَنَ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ الْجِنَّ كَانُوا يَكْذِبُونَهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ عَلِمُوا الْغَيْبَ ، لَعَلِمُوا بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ وَلَمْ يَلْبَثُوا فِي الْعَذَابِ يَعْمَلُونَ لَهُ سَنَةً ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) . يَقُولُ : تَبَيَّنَ أَمْرُهُمْ لِلنَّاسِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْذِبُونَهُمْ ، ثُمَّ إِنَّ الشَّيَاطِينَ قَالُوا لِلْأَرَضَةِ : لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ أَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ ، وَلَوْ كُنْتِ تَشْرَبِينَ الشَّرَابَ سَقَيْنَاكِ أَطْيَبَ الشَّرَابِ ، وَلَكُنَّا سَنَنْقُلُ إِلَيْكِ الْمَاءَ وَالطِّينَ - قَالَ : فَهُمْ يَنْقُلُونَ إِلَيْهَا ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ - قَالَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الطِّينِ الَّذِي يَكُونُ فِي جَوْفِ الْخَشَبِ ؟ فَهُوَ مَا تَأْتِيهَا بِهِ الشَّيَاطِينُ ، شُكْرًا لَهَا .
وَهَذَا الْأَثَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - إِنَّمَا هُوَ مِمَّا تُلُقِّيَ مِنْ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهِيَ وَقْفٌ ، لَا يُصَدَّقُ مِنْهَا إِلَّا مَا وَافَقَ الْحَقَّ ، وَلَا يُكَذَّبُ مِنْهَا إِلَّا مَا خَالَفَ الْحَقَّ ، وَالْبَاقِي لَا يُصَدَّقُ وَلَا يُكَذَّبُ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِهِ : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ) قَالَ : قَالَ سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمَلِكِ الْمَوْتِ : إِذَا أُمِرْتَ بِي فَأَعْلِمْنِي . فَأَتَاهُ فَقَالَ : يَا سُلَيْمَانُ ، قَدْ أُمِرْتُ بِكَ ، قَدْ بَقِيَتْ لَكَ سُوَيْعَةٌ . فَدَعَا الشَّيَاطِينَ فَبَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحًا مِنْ قَوَارِيرَ ، وَلَيْسَ لَهُ بَابٌ ، فَقَامَ يُصَلِّي فَاتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ ، قَالَ : فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ ، فَقَبَضَ رُوحَهُ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَصَاهُ ، وَلَمْ يَصْنَعْ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ . قَالَ : وَالْجِنُّ يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ ، يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ . قَالَ : فَبَعَثَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ دَابَّةَ الْأَرْضِ . قَالَ : وَالدَّابَّةُ تَأْكُلُ الْعِيدَانَ - يُقَالُ لَهَا : الْقَادِحُ - فَدَخَلَتْ فِيهَا فَأَكَلَتْهَا ، حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ جَوْفَ الْعَصَا ضَعُفَتْ ، وَثَقُلَ عَلَيْهَا فَخَرَّ مَيِّتًا ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ الْجِنُّ انْفَضُّوا وَذَهَبُوا . قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ( مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ) . قَالَ أَصْبُغُ : بَلَغَنِي عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا قَامَتْ سَنَةً تَأْكُلُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَخِرَّ . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ نَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث