تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السادس
page 1544 · printed p. 553
( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ( 36 ) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ( 37 ) ) .
لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى حَالَ السُّعَدَاءِ ، شَرَعَ فِي بَيَانِ مَآلِ الْأَشْقِيَاءِ ، فَقَالَ : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ) [ طه : 74 ] . وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا ، فَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ " . قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 77 ] . فَهُمْ فِي حَالِهِمْ ذَلِكَ يَرَوْنَ مَوْتَهُمْ رَاحَةً لَهُمْ ، وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 74 ، 75 ] ، وَقَالَ ( كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 97 ] ( فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ) [ النَّبَأِ : 30 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ) أَيْ : هَذَا جَزَاءُ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِرَبِّهِ وَكَذَّبَ بِالْحَقِّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ) أَيْ : يُنَادُونَ فِيهَا ، يَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ بِأَصْوَاتِهِمْ : ( رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ) أَيْ : يَسْأَلُونَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا ، لِيَعْمَلُوا غَيْرَ عَمَلِهِمْ 553 الْأَوَّلِ ، وَقَدْ عَلِمَ الرَّبُّ ، جَلَّ جَلَالُهُ ، أَنَّهُ لَوْ رَدَّهُمْ إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا ، لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . فَلِهَذَا لَا يُجِيبُهُمْ إِلَى سُؤَالِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِمْ : ( فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ) [ غَافِرٍ : 11 ، 12 ] ، أَيْ : لَا يُجِيبُكُمْ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَذَلِكَ ، وَلَوْ رُدِدْتُمْ لَعُدْتُمْ إِلَى مَا نَهَيْتُمْ عَنْهُ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) أَيْ : أَوَمَا عِشْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْمَارًا لَوْ كُنْتُمْ مِمَّنْ يَنْتَفِعُ بِالْحَقِّ لَانْتَفَعْتُمْ بِهِ فِي مُدَّةِ عُمْرِكُمْ ؟
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَارِ الْعُمُرِ الْمُرَادِ هَاهُنَا فَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ أَنَّهُ قَالَ : مِقْدَارُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً .
وَقَالَ قَتَادَةُ : اعْلَمُوا أَنَّ طُولَ الْعُمُرِ حُجَّةٌ ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نُعَيَّرَ بِطُولِ الْعُمُرِ ، قَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) ، وَإِنَّ فِيهِمْ لِابْنِ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَذَا قَالَ أَبُو غَالِبٍ الشَّيْبَانِيُّ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ فِي قَوْلِهِ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) قَالَ : عِشْرِينَ سَنَةً .
وَقَالَ هُشَيْمٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ زَاذَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) قَالَ : أَرْبَعِينَ سَنَةً .
وَقَالَ هُشَيْمٌ [ أَيْضًا ] ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِذَا بَلَغَ أَحَدُكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً ، فَلْيَأْخُذْ حِذْرَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى ابْنِ آدَمَ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) أَرْبَعُونَ سَنَةً .
هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ لِابْنِ آدَمَ فِي قَوْلِهِ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) سِتُّونَ سَنَةً .
فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهِيَ الصَّحِيحَةُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَيْضًا ، لِمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحَدِيثِ - كَمَا سَنُورِدُهُ - لَا كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَمْ يَصِحَّ; لِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ .
وَقَدْ رَوَى أَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ : الْعُمُرُ الَّذِي عَيَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) سِتُّونَ سَنَةً .
554 وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا دُحَيْمٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَخْزُومِيُّ ، عَنِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ ; أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَطَاءٍ - هُوَ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ : أَيْنَ أَبْنَاءِ السِّتِّينَ ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ ، بِهِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَظَرٌ; لِحَالِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ " لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ ، لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيِّ فِي " كِتَابِ الرِّقَاقِ " مِنْ صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ عُمْرَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً " . ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ : تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ وَابْنُ عَجْلَانُ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ .
فَأَمَّا أَبُو حَازِمٍ فَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ الْفَزَارِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَّارٍ ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيُّ الْإِسْكَنْدَرِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ " [ مَنْ عَمَّرَهُ ] اللَّهُ سِتِّينَ سَنَةً ، فَقَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ فِي الرِّقَاقِ جَمِيعًا عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهِ .
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً " . يَعْنِي : ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ) .
وَأَمَّا مُتَابِعَةُ " ابْنِ عَجْلَانَ " فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو السَّفَرِ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ قَرْعَةَ بِسَامِرَّاءَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُقْرِيُّ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ 555 عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مَنْ أَتَتْ عَلَيْهِ سِتُّونَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِ فِي الْعُمْرِ " . وَكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ هُوَ الْمُقْرِئُ ، بِهِ . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ خَلَفٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْفَرَجِ أَبُو عُتْبَةَ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقَيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا الْمُطَرِّفُ بْنُ مَازِنٍ الْكِنَانِيُّ ، حَدَّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغِفَارِيَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، إِلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ سَنَةً وَالسَّبْعِينَ " .
فَقَدْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا الطَّرِيقُ الَّتِي ارْتَضَاهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ شَيْخُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ لَكَفَتْ . وَقَوْلُ ابْنُ جَرِيرٍ : ( إِنَّ فِي رِجَالِهِ بَعْضُ مَنْ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِي أَمْرِهِ ) ، لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ مَعَ تَصْحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْعُمُرَ الطَّبِيعِيَّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً ، فَالْإِنْسَانُ لَا يَزَالُ فِي ازْدِيَادٍ إِلَى كَمَالِ السِّتِّينَ ، ثُمَّ يَشْرَعُ بَعْدَ هَذَا فِي النَّقْصِ وَالْهَرَمِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ إِذَا بَلَغَ الْفَتَى سِتِّينَ عَامًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَقَدْ ذَهَبَ الْمَسَرَّةُ وَالْفَتَاءُ ﴿﴾
وَلَمَّا كَانَ هَذَا هُوَ الْعُمُرُ الَّذِي يَعْذُرُ اللَّهُ إِلَى عِبَادِهِ بِهِ ، وَيُزِيحُ بِهِ عَنْهُمُ الْعِلَلَ ، كَانَ هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَارِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، كَمَا وَرَدَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ جَمِيعًا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
وَهَذَا عَجَبٌ مِنَ التِّرْمِذِيِّ ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَطَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَيْثُ قَالَ :
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ كَامِلٍ أَبِي الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ " .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي " كِتَابِ الزُّهْدِ " أَيْضًا ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَبِيعَةَ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ 556 رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْهُ . هَذَا نَصَّهُ بِحُرُوفِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى : حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ - مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ - عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " مُعْتَرَكُ الْمَنَايَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ " .
وَبِهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " أَقَلُّ أُمَّتِي أَبْنَاءُ سَبْعِينَ " . إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ : قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ :
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَانِئٍ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ رِبْعِيٍّ ۝ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَنْبِئْنَا بِأَعْمَارِ أُمَّتِكَ . قَالَ : " مَا بَيْنَ الْخَمْسِينَ إِلَى السِّتِّينَ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَأَبْنَاءُ السَّبْعِينَ ؟ قَالَ : " قَلَّ مَنْ يَبْلُغُهَا مِنْ أُمَّتِي ، رَحِمَ اللَّهُ أَبْنَاءَ السَّبْعِينَ ، وَرَحِمَ اللَّهُ أَبْنَاءَ الثَّمَانِينَ " .
ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ : لَا يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَطَرٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً . وَقِيلَ : سِتِّينَ . وَقِيلَ : خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً . وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ) : رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ ، وَقَتَادَةَ ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا : يَعْنِي الشَّيْبَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : يَعْنِي بِهِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ : ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ) [ النَّجْمِ : 56 ] . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنْ قَتَادَةَ ، فِيمَا رَوَاهُ شَيْبَانُ ، عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِالْعُمُرِ وَالرُّسُلِ .
وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 77 ، 78 ] ، أَيْ : لَقَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْحَقَّ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ ، فَأَبَيْتُمْ وَخَالَفْتُمْ ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 15 ] ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ) [ الْمُلْكِ : 8 ، 9 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) أَيْ : فَذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِكُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ فِي مُدَّةِ أَعْمَارِكُمْ ، فَمَا لَكَمَ الْيَوْمَ نَاصِرٌ يُنْقِذُكُمْ مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْأَغْلَالِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith