تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
الصفحة 1575 · ص. المطبوع 10
) 10 وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ( 27 ) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ( 28 ) قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 29 ) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ( 30 ) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ ( 31 ) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ( 32 ) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( 33 ) إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ( 34 ) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ( 36 ) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ( 37 ) )
يَذْكُرُ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ يَتَلَاوَمُونَ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا يَتَخَاصَمُونَ فِي دَرَكَاتِ النَّارِ ، ( فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ ) [ غَافِرٍ : 47 ، 48 ] . وَقَالَ : ( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ . قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ . وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ سَبَأٍ : 31 - 33 ] . قَالُوا لَهُمْ هَاهُنَا : ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) قَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَقُولُونَ : كُنْتُمْ تَقْهَرُونَنَا بِالْقُدْرَةِ مِنْكُمْ عَلَيْنَا ، لِأَنَّا كُنَّا أَذِلَّاءَ وَكُنْتُمْ أَعِزَّاءَ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يَعْنِي : عَنِ الْحَقِّ ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيَاطِينِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَالَتِ الْإِنْسُ لِلْجِنِّ : ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) قَالَ : مِنْ قِبَلِ الْخَيْرِ ، فَتَنْهُونَا عَنْهُ وَتُبْطِئُونَا عَنْهُ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ تَأْتُونَنَا [ عَنِ الْيَمِينِ ] مِنْ قِبَلِ الْحَقِّ ، تُزَيِّنُونَ لَنَا الْبَاطِلَ ، وَتَصُدُّونَا عَنِ الْحَقِّ .
وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) إِي وَاللَّهِ ، يَأْتِيهِ عِنْدَ كُلِّ خَيْرٍ يُرِيدُهُ فَيَصُدُّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : مَعْنَاهُ تَحُولُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَيْرِ ، وَرَدَدْتُمُونَا عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ بِالْخَيْرِ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ .
وَقَالَ يَزِيدُ الرِّشْكُ : مِنْ قِبَلِ " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " . وَقَالَ خُصَيْفٌ : يَعْنُونَ مِنْ قِبَلِ مَيَامِنِهِمْ . وَقَالَ 11 عِكْرِمَةُ ( إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ ) ، قَالَ : مِنْ حَيْثُ نَأْمَنُكُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) تَقُولُ الْقَادَةُ مِنَ الْجِنِّ ، وَالْإِنْسِ لِلْأَتْبَاعِ : مَا الْأَمْرُ كَمَا تَزْعُمُونَ ؟ بَلْ كَانَتْ قُلُوبُكُمْ مُنْكِرَةً لِلْإِيمَانِ ، قَابِلَةً لِلْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ ، ( وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ) أَيْ : مِنْ حُجَّةٍ عَلَى صِحَّةِ مَا دَعَوْنَاكُمْ إِلَيْهِ ، ( بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ ) أَيْ : بَلْ كَانَ فِيكُمْ طُغْيَانٌ وَمُجَاوَزَةٌ لِلْحَقِّ ، فَلِهَذَا اسْتَجَبْتُمْ لَنَا وَتَرَكْتُمُ الْحَقَّ الَّذِي جَاءَتْكُمْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَأَقَامُوا لَكُمُ الْحُجَجَ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءُوكُمْ بِهِ ، فَخَالَفْتُمُوهُمْ .
( فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ) ، يَقُولُ الْكُبَرَاءُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ : حَقَّتْ عَلَيْنَا كَلِمَةُ اللَّهِ : إِنَّا مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الذَّائِقِينَ الْعَذَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، ( فَأَغْوَيْنَاكُمْ ) أَيْ : دَعَوْنَاكُمْ إِلَى الضَّلَالَةِ ، ( إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ ) أَيْ : دَعَوْنَاكُمْ إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ ، فَاسْتَجَبْتُمْ لَنَا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ) أَيِ : الْجَمِيعُ فِي النَّارِ ، كُلٌّ بِحَسَبِهِ ، ( إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ إِنَّهُمْ كَانُوا ) أَيْ : فِي الدَّارِ الدُّنْيَا ( إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) أَيْ : يَسْتَكْبِرُونَ أَنْ يَقُولُوهَا ، كَمَا يَقُولُهَا الْمُؤْمِنُونَ .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبِيدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ ، حَدَّثَنَا عَمِّي ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، عَنِ ابْنِ مُسَافِرٍ - يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَالِدٍ - عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ " أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَمَنْ قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَأَنَزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ - وَذَكَرَ قَوْمًا اسْتَكْبَرُوا - فَقَالَ : ( إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ : يُؤْتَى بِالْيَهُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : اللَّهَ وَعُزَيْرًا . فَيُقَالُ لَهُمْ : خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالنَّصَارَى فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعْبُدُ اللَّهَ وَالْمَسِيحَ . فَيُقَالُ لَهُمْ : خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ . ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمُشْرِكِينَ فَيُقَالُ لَهُمْ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، فَيَسْتَكْبِرُونَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " ، فَيَسْتَكْبِرُونَ . ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " فَيَسْتَكْبِرُونَ . فَيُقَالُ لَهُمْ : خُذُوا ذَاتَ الشِّمَالِ - قَالَ أَبُو نَضْرَةَ : فَيَنْطَلِقُونَ أَسْرَعَ مِنَ الطَّيْرِ - قَالَ أَبُو الْعَلَاءِ : ثُمَّ يُؤْتَى بِالْمُسْلِمِينَ فَيُقَالُ لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُدُ اللَّهَ . فَيُقَالُ لَهُمْ : هَلْ تَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ ؟ فَيَقُولُونَ : نَعَمْ . فَيُقَالُ لَهُمْ : فَكَيْفَ تَعْرِفُونَهُ وَلَمْ تَرَوْهُ ؟ قَالُوا : نَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ . قَالَ : فَيَتَعَرَّفُ لَهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَيُنْجِي اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ .
12 ( وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ ) أَيْ : أَنْحَنُ نَتْرُكُ عِبَادَةَ آلِهَتِنَا وَآلِهَةِ آبَائِنَا عَنْ قَوْلِ [ هَذَا ] الشَّاعِرِ الْمَجْنُونِ ، يَعْنُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ ! قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ ، وَرَدًّا عَلَيْهِمْ : ( بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ ) يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ بِالْحَقِّ فِي جَمِيعِ شِرْعَةِ اللَّهِ لَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ وَالطَّلَبِ ، ( وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ ) أَيْ : صَدَّقَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ مِنَ الصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ ، وَالْمَنَاهِجِ السَّدِيدَةِ ، وَأَخْبَرَ عَنِ اللَّهِ فِي شَرْعِهِ [ وَقَدَرِهِ ] وَأَمْرِهِ كَمَا أَخْبَرُوا ، ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) الْآيَةَ [ فُصِّلَتْ : 43 ] .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث