تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 ) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ( 63 ) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ( 65 ) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ( 66 ) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ( 68 ) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ( 70 ) )
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنْ مَآكِلَ وَمُشَارِبَ وَمَنَاكَحَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَاذِّ - خَيْرٌ ضِيَافَةً وَعَطَاءً ( أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) ؟ أَيِ : الَّتِي فِي جَهَنَّمَ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ شَجَرَةً وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهَا شَجَرَةٌ تَمْتَدُّ فُرُوعُهَا إِلَى جَمِيعِ مَحَالِّ جَهَنَّمَ كَمَا أَنَّ شَجَرَةَ طُوبَى مَا مِنْ دَارٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا وَفِيهَا مِنْهَا غُصْنٌ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ جِنْسَ شَجَرٍ ، يُقَالُ لَهُ : الزَّقُّومُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] ، يَعْنِي الزَّيْتُونَةَ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ . لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 51 ، 52 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) ، قَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ، فَافْتَتَنَ بِهَا أَهْلُ الضَّلَالَةِ ، 20 وَقَالُوا : صَاحِبُكُمْ يُنْبِئُكُمْ أَنَّ فِي النَّارِ شَجَرَةً ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ ، فَأُنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) غُذَّتْ مِنَ النَّارِ ، وَمِنْهَا خُلِقَتْ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) قَالَ أَبُو جَهْلٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - : إِنَّمَا الزَّقُّومُ التَّمْرُ وَالزُّبْدُ أَتَزَقَّمُهُ .
قُلْتُ : وَمَعْنَى الْآيَةِ : إِنَّمَا أَخْبَرْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ اخْتِبَارًا تَخْتَبِرُ بِهِ النَّاسَ ، مَنْ يُصَدِّقُ مِنْهُمْ مِمَّنْ يُكَذِّبُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 60 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) أَيْ : أَصْلُ مَنْبَتِهَا فِي قَرَارِ النَّارِ ، ( طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ) تَبْشِيعٌ [ لَهَا ] وَتَكْرِيهٌ لِذِكْرِهَا .
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : شُعُورُ الشَّيَاطِينِ قَائِمَةٌ إِلَى السَّمَاءِ .
وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ قَبِيحَةُ الْمَنْظَرِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْحَيَّاتِ ، رُءُوسُهَا بَشِعَةُ الْمَنْظَرِ .
وَقِيلَ : جِنْسٌ مِنَ النَّبَاتِ ، طَلْعُهُ فِي غَايَةِ الْفَحَاشَةِ .
وَفِي هَذَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ نَظَرٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأُولَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) ، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَا أَبْشَعَ مِنْهَا ، وَلَا أَقْبَحَ مِنْ مَنْظَرِهَا ، مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَالطَّبْعِ ، فَإِنَّهُمْ لَيَضْطَرُّونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا ، لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ إِلَّا إِيَّاهَا ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] : ( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ . لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) [ الْغَاشِيَةِ : 6 ، 7 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ : " اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي بِحَارِ الدُّنْيَا ، لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ ؟ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي شُرْبَ الْحَمِيمِ عَلَى الزَّقُّومِ .
21
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : ( شَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) مَزْجًا مِنْ حَمِيمٍ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَعْنِي يَمْزُجُ لَهُمُ الْحَمِيمَ بِصَدِيدٍ وَغَسَّاقٍ ، مِمَّا يَسِيلُ مِنْ فُرُوجِهِمْ وَعُيُونِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ بُسْرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " يُقَرَّبُ - يَعْنِي إِلَى أَهْلِ النَّارِ - مَاءٌ فَيَتَكَرَّهُهُ ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ فِيهِ . فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَعْفَرٍ وَهَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : إِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ ، فَأَكَلُوا مِنْهَا فَاخْتَلَسَتْ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ [ فِيهَا ] . فَلَوْ أَنَّ مَارًّا يَمُرُّ بِهِمْ يَعْرِفُهُمْ لَعَرَفَ وُجُوهَهُمْ فِيهَا ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ - وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ - فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ اشْتَوَى مِنْ حَرِّهِ لُحُومُ وُجُوهِهِمُ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُودُ ، وَيُصْهَرُ مَا فِي بُطُونِهِمْ ، فَيَمْشُونَ تَسِيلُ أَمْعَاؤُهُمْ وَتَتَسَاقَطُ جُلُودُهُمْ ، ثُمَّ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ ، فَيَسْقُطُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ ، يَدْعُونَ بِالثُّبُورِ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ) أَيْ : ثُمَّ إِنَّ مَرَدَّهُمْ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ لَإِلَى نَارٍ تَتَأَجَّجُ ، وَجَحِيمٍ تَتَوَقَّدُ ، وَسَعِيرٍ تَتَوَهَّجُ ، فَتَارَةً فِي هَذَا وَتَارَةً فِي هَذَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) [ الرَّحْمَنِ : 44 ] . هَكَذَا تَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ . ثُمَّ قَرَأَ : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) [ الْفُرْقَانِ : 24 ] .
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَيَسَرَةَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ هَؤُلَاءِ وَيَقِيلَ هَؤُلَاءِ . قَالَ سُفْيَانُ : أَرَاهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) ، ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ " .
قُلْتُ : عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ " ثُمَّ " عَاطِفَةً لِخَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ) أَيْ : إِنَّمَا جَازَيْنَاهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ فَاتَّبَعُوهُمْ فِيهَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) قَالَ 22 مُجَاهِدٌ : شَبِيهَةٌ بِالْهَرْوَلَةِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : يُسَفَّهُونَ .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ نَعِيمِ الْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا مِنْ مَآكِلَ وَمُشَارِبَ وَمَنَاكَحَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَاذِّ - خَيْرٌ ضِيَافَةً وَعَطَاءً ( أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) ؟ أَيِ : الَّتِي فِي جَهَنَّمَ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ شَجَرَةً وَاحِدَةً مُعَيَّنَةً ، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ مِنْ أَنَّهَا شَجَرَةٌ تَمْتَدُّ فُرُوعُهَا إِلَى جَمِيعِ مَحَالِّ جَهَنَّمَ كَمَا أَنَّ شَجَرَةَ طُوبَى مَا مِنْ دَارٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا وَفِيهَا مِنْهَا غُصْنٌ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ جِنْسَ شَجَرٍ ، يُقَالُ لَهُ : الزَّقُّومُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] ، يَعْنِي الزَّيْتُونَةَ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ . لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ ) [ الْوَاقِعَةِ : 51 ، 52 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) ، قَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ، فَافْتَتَنَ بِهَا أَهْلُ الضَّلَالَةِ ، 20 وَقَالُوا : صَاحِبُكُمْ يُنْبِئُكُمْ أَنَّ فِي النَّارِ شَجَرَةً ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ ، فَأُنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - : ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) غُذَّتْ مِنَ النَّارِ ، وَمِنْهَا خُلِقَتْ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ ) قَالَ أَبُو جَهْلٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - : إِنَّمَا الزَّقُّومُ التَّمْرُ وَالزُّبْدُ أَتَزَقَّمُهُ .
قُلْتُ : وَمَعْنَى الْآيَةِ : إِنَّمَا أَخْبَرْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ اخْتِبَارًا تَخْتَبِرُ بِهِ النَّاسَ ، مَنْ يُصَدِّقُ مِنْهُمْ مِمَّنْ يُكَذِّبُ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) [ الْإِسْرَاءِ : 60 ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) أَيْ : أَصْلُ مَنْبَتِهَا فِي قَرَارِ النَّارِ ، ( طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ) تَبْشِيعٌ [ لَهَا ] وَتَكْرِيهٌ لِذِكْرِهَا .
قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : شُعُورُ الشَّيَاطِينِ قَائِمَةٌ إِلَى السَّمَاءِ .
وَإِنَّمَا شَبَّهَهَا بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ ; لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي النُّفُوسِ أَنَّ الشَّيَاطِينَ قَبِيحَةُ الْمَنْظَرِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْحَيَّاتِ ، رُءُوسُهَا بَشِعَةُ الْمَنْظَرِ .
وَقِيلَ : جِنْسٌ مِنَ النَّبَاتِ ، طَلْعُهُ فِي غَايَةِ الْفَحَاشَةِ .
وَفِي هَذَيْنَ الِاحْتِمَالَيْنِ نَظَرٌ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى وَأُولَى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ ) ، ذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الَّتِي لَا أَبْشَعَ مِنْهَا ، وَلَا أَقْبَحَ مِنْ مَنْظَرِهَا ، مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ سُوءِ الطَّعْمِ وَالرِّيحِ وَالطَّبْعِ ، فَإِنَّهُمْ لَيَضْطَرُّونَ إِلَى الْأَكْلِ مِنْهَا ، لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ إِلَّا إِيَّاهَا ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] : ( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ . لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) [ الْغَاشِيَةِ : 6 ، 7 ] .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ، وَقَالَ : " اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ، فَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ فِي بِحَارِ الدُّنْيَا ، لَأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ ؟ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي شُرْبَ الْحَمِيمِ عَلَى الزَّقُّومِ .
21
وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ : ( شَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ ) مَزْجًا مِنْ حَمِيمٍ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يَعْنِي يَمْزُجُ لَهُمُ الْحَمِيمَ بِصَدِيدٍ وَغَسَّاقٍ ، مِمَّا يَسِيلُ مِنْ فُرُوجِهِمْ وَعُيُونِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ بُسْرٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : " يُقَرَّبُ - يَعْنِي إِلَى أَهْلِ النَّارِ - مَاءٌ فَيَتَكَرَّهُهُ ، فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ فِيهِ . فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ جَعْفَرٍ وَهَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : إِذَا جَاعَ أَهْلُ النَّارِ اسْتَغَاثُوا بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ ، فَأَكَلُوا مِنْهَا فَاخْتَلَسَتْ جُلُودَ وُجُوهِهِمْ [ فِيهَا ] . فَلَوْ أَنَّ مَارًّا يَمُرُّ بِهِمْ يَعْرِفُهُمْ لَعَرَفَ وُجُوهَهُمْ فِيهَا ، ثُمَّ يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْعَطَشُ فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ - وَهُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى حَرُّهُ - فَإِذَا أَدْنَوْهُ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ اشْتَوَى مِنْ حَرِّهِ لُحُومُ وُجُوهِهِمُ الَّتِي قَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا الْجُلُودُ ، وَيُصْهَرُ مَا فِي بُطُونِهِمْ ، فَيَمْشُونَ تَسِيلُ أَمْعَاؤُهُمْ وَتَتَسَاقَطُ جُلُودُهُمْ ، ثُمَّ يُضْرَبُونَ بِمَقَامِعَ مِنْ حَدِيدٍ ، فَيَسْقُطُ كُلُّ عُضْوٍ عَلَى حِيَالِهِ ، يَدْعُونَ بِالثُّبُورِ .
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ) أَيْ : ثُمَّ إِنَّ مَرَدَّهُمْ بَعْدَ هَذَا الْفَصْلِ لَإِلَى نَارٍ تَتَأَجَّجُ ، وَجَحِيمٍ تَتَوَقَّدُ ، وَسَعِيرٍ تَتَوَهَّجُ ، فَتَارَةً فِي هَذَا وَتَارَةً فِي هَذَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) [ الرَّحْمَنِ : 44 ] . هَكَذَا تَلَا قَتَادَةُ هَذِهِ الْآيَةَ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ حَسَنٌ قَوِيٌّ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : " ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ " وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ . ثُمَّ قَرَأَ : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) [ الْفُرْقَانِ : 24 ] .
وَرَوَى الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مَيَسَرَةَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : لَا يَنْتَصِفُ النَّهَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقِيلَ هَؤُلَاءِ وَيَقِيلَ هَؤُلَاءِ . قَالَ سُفْيَانُ : أَرَاهُ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ) ، ثُمَّ إِنَّ مَقِيلَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ " .
قُلْتُ : عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ تَكُونُ " ثُمَّ " عَاطِفَةً لِخَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ) أَيْ : إِنَّمَا جَازَيْنَاهُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ وَجَدُوا آبَاءَهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ فَاتَّبَعُوهُمْ فِيهَا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ ، مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ ) قَالَ 22 مُجَاهِدٌ : شَبِيهَةٌ بِالْهَرْوَلَةِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : يُسَفَّهُونَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث