تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
) 45 وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ( 173 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 174 ) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 175 ) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ( 176 ) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ( 177 ) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ( 178 ) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ( 179 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) أَيْ : تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [ الْمُجَادَلَةِ : 21 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) [ غَافِرٍ : 51 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ نُصْرَتِهِمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ ، وَكَيْفَ أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ، وَنَجَّى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ .
( وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) أَيْ : تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ .
وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ) أَيِ : اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ لَكَ ، وَانْتَظِرْ إِلَى وَقْتٍ مُؤَجَّلٍ ، فَإِنَّا سَنَجْعَلُ لَكَ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ وَالظَّفَرَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ : غَيَّى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ . وَمَا بَعْدَهَا أَيْضًا فِي مَعْنَاهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) أَيْ : أَنْظِرْهُمْ وَارْتَقِبْ مَاذَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ عَلَى مُخَالَفَتِكَ وَتَكْذِيبِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ : ( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) . ثُمَّ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - ( أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ) أَيْ : هُمْ إِنَّمَا يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ لِتَكْذِيبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَيُعَجِّلُ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ ، وَمَعَ هَذَا أَيْضًا كَانُوا مِنْ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ وَالْعُقُوبَةَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أَيْ : فَإِذَا نَزَلَ الْعَذَابُ بِمَحِلَّتِهِمْ ، فَبِئْسَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمُهُمْ ، بِإِهْلَاكِهِمْ وَدَمَارِهِمْ .
قَالَ السُّدِّيُّ : ( فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ ) يَعْنِي : بِدَارِهِمْ ، ( فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أَيْ : فَبِئْسَ مَا يُصْبِحُونَ ، أَيْ : بِئْسَ الصَّبَاحُ صَبَاحُهُمْ ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، فَلَمَّا خَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ وَرَأَوُا الْجَيْشَ ، رَجَعُوا [ وَهُمْ ] يَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ " وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوَبةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : لَمَّا صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَقَدْ أَخَذُوا مَسَاحِيَهُمْ وَغَدَوْا إِلَى حُرُوثِهِمْ 46 وَأَرْضِيهِمْ ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ " لَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ . وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ )
تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ .
يَقُولُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ ) أَيْ : تَقَدَّمَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) [ الْمُجَادَلَةِ : 21 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) [ غَافِرٍ : 51 ] ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ نُصْرَتِهِمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِمَّنْ كَذَّبَهُمْ وَخَالَفَهُمْ ، وَكَيْفَ أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ ، وَنَجَّى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ .
( وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) أَيْ : تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ .
وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ) أَيِ : اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ لَكَ ، وَانْتَظِرْ إِلَى وَقْتٍ مُؤَجَّلٍ ، فَإِنَّا سَنَجْعَلُ لَكَ الْعَاقِبَةَ وَالنُّصْرَةَ وَالظَّفَرَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ : غَيَّى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ بَدْرٍ . وَمَا بَعْدَهَا أَيْضًا فِي مَعْنَاهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) أَيْ : أَنْظِرْهُمْ وَارْتَقِبْ مَاذَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ عَلَى مُخَالَفَتِكَ وَتَكْذِيبِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ : ( فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) . ثُمَّ قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ - ( أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ ) أَيْ : هُمْ إِنَّمَا يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ لِتَكْذِيبِهِمْ وَكُفْرِهِمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَيُعَجِّلُ لَهُمُ الْعُقُوبَةَ ، وَمَعَ هَذَا أَيْضًا كَانُوا مِنْ كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ يَسْتَعْجِلُونَ الْعَذَابَ وَالْعُقُوبَةَ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أَيْ : فَإِذَا نَزَلَ الْعَذَابُ بِمَحِلَّتِهِمْ ، فَبِئْسَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمُهُمْ ، بِإِهْلَاكِهِمْ وَدَمَارِهِمْ .
قَالَ السُّدِّيُّ : ( فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ ) يَعْنِي : بِدَارِهِمْ ، ( فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) أَيْ : فَبِئْسَ مَا يُصْبِحُونَ ، أَيْ : بِئْسَ الصَّبَاحُ صَبَاحُهُمْ ; وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ ، عَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، فَلَمَّا خَرَجُوا بِفُؤُوسِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ وَرَأَوُا الْجَيْشَ ، رَجَعُوا [ وَهُمْ ] يَقُولُونَ : مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ " وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ ، عَنْ حُمَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوَبةَ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : لَمَّا صَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ ، وَقَدْ أَخَذُوا مَسَاحِيَهُمْ وَغَدَوْا إِلَى حُرُوثِهِمْ 46 وَأَرْضِيهِمْ ، فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ " لَمْ يُخْرِجُوهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ . وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ )
تَأْكِيدٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمْرِ بِذَلِكَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith