تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1595 · printed p. 48

48
49
50
51 تَفْسِيرُ سُورَةِ ص [ وَهِيَ ] مَكِّيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ( 1 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ( 2 ) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ( 3 ) )
أَمَّا الْكَلَامُ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ) أَيْ : وَالْقُرْآنِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى مَا فِيهِ ذِكْرٌ لِلْعِبَادِ وَنَفْعٌ لَهُمْ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ .
قَالَ الضَّحَّاكُ فِي قَوْلِهِ : ( ذِي الذِّكْرِ ) كَقَوْلِهِ : ( لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ) ] الْأَنْبِيَاءِ : 10 [ أَيْ : تَذْكِيرُكُمْ . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَأَبُو حُصَيْنٍ وَأَبُو صَالِحٍ وَالسُّدِّيُّ ) ذِي الذِّكْرِ ) ذِي الشَّرَفِ أَيْ : ذِي الشَّأْنِ وَالْمَكَانَةِ .
وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنَّهُ كِتَابٌ شَرِيفٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ هَذَا الْقَسْمِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ قَوْلُهُ : ( إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ) ] ص : 14 [ . وَقِيلَ قَوْلُهُ : ( إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) ] ص : 64 [ حَكَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ وَهَذَا الثَّانِي فِيهِ بُعْدٌ كَبِيرٌ ، وَضَعَّفَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : جَوَابُهُ : ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقِيلَ : جَوَابُهُ مَا تَضَمَّنَهُ سِيَاقُ السُّورَةِ بِكَمَالِهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ : جَوَابُهُ " ص " بِمَعْنَى : صِدْقٌ حَقٌّ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ .
وَقَوْلُهُ : ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ ) أَيْ : إِنَّ فِي هَذَا الْقُرْآنِ لَذِكْرًا لِمَنْ يَتَذَكَّرُ ، وَعِبْرَةً لِمَنْ يَعْتَبِرُ . وَإِنَّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ الْكَافِرُونَ ؛ لِأَنَّهُمْ ) فِي عِزَّةٍ ) أَيِ : اسْتِكْبَارٍ عَنْهُ وَحَمِيَّةٍ ) وَشِقَاقٍ ) أَيْ : مُخَالَفَةٍ لَهُ وَمُعَانَدَةٍ وَمُفَارَقَةٍ .
ثُمَّ خَوَّفَهُمْ مَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ الْمُكَذِّبَةَ قَبْلَهُمْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ وَتَكْذِيبِهِمُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ مِنَ 52 السَّمَاءِ فَقَالَ : ( كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ ) أَيْ : مِنْ أُمَّةٍ مُكَذِّبَةٍ ، ( فَنَادَوْا ) أَيْ : حِينَ جَاءَهُمُ الْعَذَابُ اسْتَغَاثُوا وَجَأَرُوا إِلَى اللَّهِ . وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُجْدٍ عَنْهُمْ شَيْئًا . كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ ) ] الْأَنْبِيَاءِ : 12 [ أَيْ : يَهْرَبُونَ ، ( لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ ) ] الْأَنْبِيَاءِ : 13 [
قَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ التَّمِيمِيِّ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ( فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) قَالَ : لَيْسَ بِحِينِ نِدَاءٍ ، وَلَا نَزْوٍ وَلَا فِرَارٍ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَيْسَ بِحِينِ مِغَاثٍ .
وَقَالَ شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : نَادَوُا النِّدَاءَ حِينَ لَا يَنْفَعُهُمْ وَأَنْشَدَ :
﴿﴾ تَذَكَّرَ لَيْلَى لَاتَ حِينَ تَذَكُّرٍ ﴿﴾ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) يَقُولُ : نَادَوْا بِالتَّوْحِيدِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ ، وَاسْتَنَاصُوا لِلتَّوْبَةِ حِينَ تَوَلَّتِ الدُّنْيَا عَنْهُمْ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ أَرَادُوا التَّوْبَةَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) لَيْسَ بِحِينِ فِرَارٍ وَلَا إِجَابَةٍ .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ عِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالضَّحَّاكِ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ .
وَعَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : ( وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) وَلَا نِدَاءَ فِي غَيْرِ حِينِ النِّدَاءِ .
وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَهِيَ " لَاتَ " هِيَ " لَا " الَّتِي لِلنَّفْيِ ، زِيدَتْ مَعَهَا " التَّاءُ " كَمَا تُزَادُ فِي " ثُمَّ " فَيَقُولُونَ : " ثُمَّتْ " ، وَ " رُبَّ " فَيَقُولُونَ : " رُبَّتْ " . وَهِيَ مَفْصُولَةٌ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا . وَمِنْهُمْ مَنْ حَكَى عَنِ الْمُصْحَفِ الْإِمَامِ فِيمَا ذَكَرَهُ [ ابْنُ جَرِيرٍ ] أَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِحِينَ : " وَلَا تَحِينَ مَنَاصٍ " . وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ . ثُمَّ قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِنَصْبِ " حِينَ " تَقْدِيرُهُ : وَلَيْسَ الْحِينُ حِينَ مَنَاصٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ النَّصْبَ بِهَا ، وَأَنْشَدَ :
﴿﴾ تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلَى لَاتَ حِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَضْحَى الشَّيْبُ قَدْ قَطَعَ الْقَرِينَا ﴿﴾
وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ الْجَرَّ بِهَا ، وَأَنْشَدَ :
﴿﴾ طَلَبُوا صُلْحَنَا وَلَاتَ أَوَانٍ ﴿﴾ ﴿﴾ فَأَجَبْنَا أَنْ لَيْسَ حِينَ بَقَاءِ ﴿﴾
53
وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا :
﴿﴾ وَلَاتَ سَاعَةِ مَنْدَمٍ ﴿﴾
بِخَفْضِ السَّاعَةِ ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ : النَّوْصُ : التَّأَخُّرُ ، وَالْبَوْصُ : التَّقَدُّمُ . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ ) أَيْ : لَيْسَ الْحِينُ حِينَ فِرَارٍ وَلَا ذَهَابٍ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith