تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1650 · printed p. 146
( وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ( 42 ) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ( 43 ) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ( 44 ) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ( 46 ) )
يَقُولُ لَهُمُ الْمُؤْمِنُ : مَا بَالِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَصْدِيقُ رَسُولِهِ الَّذِي بَعَثَهُ ( وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ) أَيْ : جَهْلٌ بِلَا دَلِيلٍ ( وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ ) أَيْ : هُوَ فِي عِزَّتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ يَغْفِرُ ذَنْبَ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ ، ( لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) يَقُولُ : حَقًّا .
قَالَ السُّدِّيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ : مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لَا جَرَمَ ) حَقًّا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : ( لَا جَرَمَ ) لَا كَذِبَ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( لَا جَرَمَ ) يَقُولُ : بَلَى ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ ( لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ )
قَالَ مُجَاهِدٌ : الْوَثَنُ لَيْسَ بِشَيْءٍ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : يَعْنِي الْوَثَنَ لَا يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : لَا يُجِيبُ دَاعِيَهُ ، لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ .
وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ) [ الْأَحْقَافِ : 5 ، 6 ] ، ( إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ) [ فَاطِرٍ : 14 ] .
146
وَقَوْلُهُ : ( وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ ) أَيْ : فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ ) أَيْ : خَالِدِينَ فِيهَا بِإِسْرَافِهِمْ ، وَهُوَ شِرْكُهُمْ بِاللَّهِ .
( فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ ) أَيْ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ صِدْقَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَنَهَيْتُكُمْ عَنْهُ ، وَنَصَحْتُكُمْ وَوَضَّحْتُ لَكُمْ ، وَتَتَذَكَّرُونَهُ ، وَتَنْدَمُونَ حَيْثُ لَا يَنْفَعُكُمُ النَّدَمُ ، ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ) أَيْ : وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ وَأَسْتَعِينُهُ ، وَأُقَاطِعُكُمْ وَأُبَاعِدُكُمْ ، ( إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) أَيْ : هُوَ بَصِيرٌ بِهِمْ ، فَيَهْدِي مَنْ يَسْتَحِقُّ الْهِدَايَةَ ، وَيُضِلُّ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْإِضْلَالَ ، وَلَهُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ، وَالْحِكْمَةُ التَّامَّةُ ، وَالْقَدَرُ النَّافِذُ .
وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] : ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَبِالْجَنَّةِ ( وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) وَهُوَ : الْغَرَقُ فِي الْيَمِّ ، ثُمَّ النَّقْلَةُ مِنْهُ إِلَى الْجَحِيمِ . فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ صَبَاحًا وَمَسَاءً إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ اجْتَمَعَتْ أَرْوَاحُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ فِي النَّارِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) أَيْ : أَشَدَّهُ أَلَمًا وَأَعْظَمَهُ نَكَالًا . وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ كَبِيرٌ فِي اسْتِدْلَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ فِي الْقُبُورِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) .
وَلَكِنَّ هَاهُنَا سُؤَالٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِهَا عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الْبَرْزَخِ ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا هَاشِمٌ - هُوَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّضْرِ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ - هُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - حَدَّثَنَا سَعِيدٌ - يَعْنِي أَبَاهُ - ۝ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَخْدُمُهَا فَلَا تَصْنَعُ عَائِشَةُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ لَهَا الْيَهُودِيَّةُ : وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ . قَالَتْ : فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيَّ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِلْقَبْرِ عَذَابٌ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ : " لَا وَعَمَّ ذَلِكَ ؟ " قَالَتْ : هَذِهِ الْيَهُودِيَّةُ ، لَا نَصْنَعُ إِلَيْهَا شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ إِلَّا قَالَتْ : وَقَاكِ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ . قَالَ : " كَذَبَتْ يَهُودُ . وَهُمْ عَلَى اللَّهِ أَكْذَبُ ، لَا عَذَابَ دُونَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . ثُمَّ مَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَ ، فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ نِصْفَ النَّهَارِ مُشْتَمِلًا بِثَوْبِهِ ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ ، وَهُوَ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ : " الْقَبْرُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ - أَيُّهَا النَّاسُ - لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا - أَيُّهَا النَّاسُ - اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ، فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ حَقٌّ " .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ .
وَرَوَى أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ - قَالَ : ۝ سَأَلَتْهَا امْرَأَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَأَعْطَتْهَا ، فَقَالَتْ لَهَا : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . فَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ ذَلِكَ ، فَلَمَّا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ لَهُ ، فَقَالَ : " لَا " . قَالَتْ عَائِشَةُ : ثُمَّ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ ذَلِكَ : " وَإِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ " .
147
وَهَذَا أَيْضًا عَلَى شَرْطِهِمَا .
فَيُقَالُ : فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ كَوْنِ الْآيَةِ مَكِّيَّةً ، وَفِيهَا الدَّلِيلُ عَلَى عَذَابِ الْبَرْزَخِ ؟ وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَرْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا فِي الْبَرْزَخِ ، وَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى اتِّصَالِ تَأَلُّمِهَا بِأَجْسَادِهَا فِي الْقُبُورِ ، إِذْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِالرُّوحِ ، فَأَمَّا حُصُولُ ذَلِكَ لِلْجَسَدِ وَتَأَلُّمُهُ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا السُّنَّةُ فِي الْأَحَادِيثِ الْمَرْضِيَّةِ الْآتِي ذِكْرُهَا .
وَقَدْ يُقَالُ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْكُفَّارِ فِي الْبَرْزَخِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَذَّبَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ بِذَنْبٍ ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، ۝ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْيَهُودِ ، وَهِيَ تَقُولُ : أَشَعَرْتِ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ ؟ فَارْتَاعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ : " إِنَّمَا يُفْتَنُ يَهُودُ " قَالَتْ عَائِشَةُ : فَلَبِثْنَا لَيَالِيَ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَشَعَرْتِ أَنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ ؟ " وَقَالَتْ عَائِشَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ يَسْتَعِيذُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ وَحَرْمَلَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ .
وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى عَذَابِ الْأَرْوَاحِ فِي الْبَرْزَخِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتَّصِلَ بِالْأَجْسَادِ فِي قُبُورِهَا ، فَلَمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ بِخُصُوصِيَّتِهِ اسْتَعَاذَ مِنْهُ ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، ۝ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَقَالَتْ : أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ . فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ؟ فَقَالَ : " نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ " . قَالَتْ عَائِشَةُ : فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ .
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِ الْيَهُودِيَّةِ فِي هَذَا الْخَبَرِ ، وَقَرَّرَ عَلَيْهِ . وَفِي الْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ : أَنَّهُ أَنْكَرَ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَهُ الْوَحْيُ ، فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَحَادِيثُ عَذَابِ الْقَبْرِ كَثِيرَةٌ جِدًّا .
وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : ( غُدُوًّا وَعَشِيًّا ) صَبَاحًا وَمَسَاءً ، مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا ، يُقَالُ لَهُمْ : يَا آلَ فِرْعَوْنَ ، هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ ، تَوْبِيخًا وَنِقْمَةً وَصَغَارًا لَهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : هُمْ فِيهَا الْيَوْمَ يُغْدَى بِهِمْ وَيُرَاحُ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ .
148
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَرْوَانَ ، عَنْ هُذَيْلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : إِنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ بِهِمْ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءُوا ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ وِلْدَانِ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَجْوَافِ عَصَافِيرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ، فَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ فِي الْعَرْشِ ، وَإِنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ عَلَيْهَا ، فَذَلِكَ عَرْضُهَا .
وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي قَيْسٍ عَنِ الْهُزَيلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ مِنْ كَلَامِهِ فِي أَرْوَاحِ آلِ فِرْعَوْنَ . وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ .
وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِيهِ : " ۝ ثُمَّ انْطُلِقَ بِي إِلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، رِجَالٌ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَطْنُهُ مِثْلُ الْبَيْتِ الضَّخْمِ ، مُصَفَّدُونَ عَلَى سَابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَآلُ فِرْعَوْنَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا . ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) وَآلُ فِرْعَوْنَ كَالْإِبِلِ الْمُسَوَّمَةِ يَخْبِطُونَ الْحِجَارَةَ وَالشَّجَرَ وَلَا يَعْقِلُونَ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْرَمَ ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنُ مُدْرِكٍ الْحَارِثِيُّ ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ - يَعْنِي ابْنَ يَقْظَانَ - عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " ۝ مَا أَحْسَنَ مُحْسِنٌ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ إِلَّا أَثَابَهُ اللَّهُ " . قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا إِثَابَةُ الْكَافِرِ ؟ فَقَالَ : " إِنْ كَانَ قَدْ وَصَلَ رَحِمًا أَوْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ عَمِلَ حَسَنَةً ، أَثَابَهُ اللَّهُ الْمَالَ وَالْوَلَدَ وَالصِّحَّةَ وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ " . قُلْنَا : فَمَا إِثَابَتُهُ فِي الْآخِرَةِ ؟ قَالَ : " عَذَابًا دُونَ الْعَذَابِ " وَقَرَأَ : ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مَسْنَدِهِ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَخْرَمَ ، ثُمَّ قَالَ : لَا نَعْلَمُ لَهُ إِسْنَادًا غَيْرَ هَذَا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ الْبَلْخِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ - رَحِمَكَ اللَّهُ - رَأَيْنَا طُيُورًا تَخْرُجُ مِنَ الْبَحْرِ ، تَأْخُذُ نَاحِيَةَ الْغَرْبِ بِيضًا ، فَوْجًا فَوْجًا ، لَا يَعْلَمُ عَدَدَهَا إِلَّا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ رَجَعَ مِثْلُهَا سُودًا ، قَالَ : وَفَطِنْتُمْ إِلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : إِنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ فِي حَوَاصِلِهَا أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، فَتَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا وَقَدِ احْتَرَقَتْ رِيَاشُهَا وَصَارَتْ سُودًا ، فَيَنْبُتُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ رِيشٌ أَبْيَضُ ، وَيَتَنَاثَرُ السُّودُ ، ثُمَّ تَغْدُو عَلَى النَّارِ غُدُوًّا وَعَشِيًّا ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى وُكُورِهَا . فَذَلِكَ دَأْبُهُمْ فِي الدُّنْيَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) قَالَ : وَكَانُوا 149 يَقُولُونَ إِنَّهُمْ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ . فَيُقَالُ : هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith