تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ( 57 ) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ( 58 ) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ( 59 ) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 63 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 64 ) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ( 65 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَعَنُّتِ قُرَيْشٍ فِي كُفْرِهِمْ وَتَعَمُّدِهِمُ الْعِنَادَ وَالْجَدَلَ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ : يَضْحَكُونَ ، أَيْ : أُعْجِبُوا بِذَلِكَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : يَجْزَعُونَ وَيَضْحَكُونَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يُعْرِضُونَ .
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ حَيْثُ قَالَ : وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - فِيمَا بَلَغَنِي - يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ ، وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَفْحَمَهُ ، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) الْآيَاتِ [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] . ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى التَّمِيمِيُّ حَتَّى جَلَسَ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لَهُ : وَاللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا قَعَدَ ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى : أَمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ ، سَلُوا مُحَمَّدًا : أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ، فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا ، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيحَ [ عِيسَى ] ابْنَ مَرْيَمَ ؟ فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى ، وَرَأَوْا أَنَّهُ قَدِ احْتَجَّ وَخَاصَمَ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَمَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 101 ] أَيْ : عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَمَنْ عُبِدَ مَعَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) الْآيَاتِ [ الْأَنْبِيَاءِ : 26 ] ، وَنَزَلَ 234 فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَأَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَعَجَبِ الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وَخُصُومَتِهِ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) أَيْ : يَصِدُّونَ عَنْ أَمْرِكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ . ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى فَقَالَ : ( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) أَيْ : مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ ، يَقُولُ : ( فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) .
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قَالَ : يَعْنِي قُرَيْشًا ، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : فَمَا ابْنُ مَرْيَمَ ؟ قَالَ : " ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " . فَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا ، كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَبًّا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى - مَوْلَى ابْنِ عُقَيْلٍ الْأَنْصَارِيِّ - قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ عَلِمْتُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ ، فَمَا أَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا ، أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا فَيَسْأَلُوا عَنْهَا . قَالَ : ثُمَّ طَفِقَ يُحَدِّثُنَا ، فَلَمَّا قَامَ تَلَاوَمْنَا أَلَّا نَكُونَ سَأَلْنَاهُ عَنْهَا . فَقُلْتُ : أَنَا لَهَا إِذَا رَاحَ غَدًا . فَلَمَّا رَاحَ الْغَدُ قُلْتُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، ذَكَرْتَ أَمْسِ أَنَّ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَسْأَلْكَ عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ ، فَلَا تَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا ؟ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْهَا وَعَنِ اللَّاتِي قَرَأْتَ قَبْلَهَا . قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقُرَيْشٍ : " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ " ، وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا ، كَانَ آلِهَتُهُمْ كَمَا تَقُولُونَ ؟ ! قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) . قُلْتُ : مَا يَصِدُّونَ ؟ قَالَ : يَضْحَكُونَ ، ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قَالَ : هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ " . فَقَالُوا لَهُ : أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا ، فَقَدْ كَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) . 235
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) : قَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَعْبُدَهُ كَمَا عَبَدَ قَوْمُ عِيسَى عِيسَى . وَنَحْوَ هَذَا قَالَ قَتَادَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) : قَالَ قَتَادَةُ : يَقُولُونَ : آلِهَتُنَا خَيْرٌ مِنْهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : " وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا " ، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَوْلُهُ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ) أَيْ : مِرَاءً ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْآيَةِ ; لِأَنَّهَا لِمَا لَا يَعْقِلُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] . ثُمَّ هِيَ خُطَّابٌ لِقُرَيْشٍ ، وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ حَتَّى يُورِدُوهُ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ مَقَالَتَهُمْ إِنَّمَا كَانَتْ جَدَلًا مِنْهُمْ ، لَيْسُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ ، إِلَّا أُورِثُوا الْجَدَلَ " ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِزِيَادَةٍ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَخْزُومٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - قَالَ حَمَّادٌ : لَا أَدْرِي رَفَعَهُ أَمْ لَا ؟ - قَالَ : مَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا كَانَ أَوَّلَ ضَلَالِهَا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ ، وَمَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا أُعْطُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ )
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّمَا صُبَّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ ، ثُمَّ قَالَ : " لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ " ، ثُمَّ تَلَا ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) 236
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) يَعْنِي : عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) أَيْ : دَلَالَةً وَحُجَّةً وَبُرْهَانًا عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ ) أَيْ : بَدَلَكُمْ ( مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) ، قَالَ السُّدِّيُّ : يَخْلُفُونَكَ فِيهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ : يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَمَا يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ بَدَلَكُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) : تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ : مَا بُعِثَ بِهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْقَامِ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ . وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَيِ الضَّمِيرُ فِي ) وَإِنَّهُ ) ، عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ، فَإِنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِهِ ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ نُزُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) أَيْ : قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، ثُمَّ ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) [ النِّسَاءِ : 159 ] ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى : " وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ " أَيْ : أَمَارَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ السَّاعَةِ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) أَيْ : آيَةٌ لِلسَّاعَةِ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى [ ابْنِ مَرْيَمَ ] ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا ) أَيْ : لَا تَشُكُّوا فِيهَا ، إِنَّهَا وَاقِعَةٌ وَكَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ ، ( وَاتَّبَعُونِ ) أَيْ : فِيمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ ( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ . وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ) أَيْ : عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ) أَيْ : بِالنُّبُوَّةِ ( وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ )
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَعْنِي مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا الدُّنْيَوِيَّةِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ ، ثُمَّ رَدَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ " بَعْضَ " هَاهُنَا بِمَعْنَى " كَلَّ " ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ لَبِيَدٍ الشَّاعِرِ :
237
﴿﴾ تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا ﴿﴾
وَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النُّفُوسِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْسَهُ فَقَطْ ، وَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْهَا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ .
وَقَوْلُهُ : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أَيْ : [ فِيمَا ] أَمَرَكُمْ بِهِ ، ( وَأَطِيعُونِ ) ، فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ ، ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أَيْ : أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ لَهُ ، فُقَرَاءُ إِلَيْهِ ، مُشْتَرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَهُوَ عِبَادَةُ الرَّبِّ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَحْدَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) أَيِ : اخْتَلَفَتِ الْفِرَقُ وَصَارُوا شِيَعًا فِيهِ ، مِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ - وَهُوَ الْحَقُّ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ وُلَدُ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا - وَلِهَذَا قَالَ : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَعَنُّتِ قُرَيْشٍ فِي كُفْرِهِمْ وَتَعَمُّدِهِمُ الْعِنَادَ وَالْجَدَلَ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَالسُّدِّيِّ : يَضْحَكُونَ ، أَيْ : أُعْجِبُوا بِذَلِكَ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : يَجْزَعُونَ وَيَضْحَكُونَ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : يُعْرِضُونَ .
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ حَيْثُ قَالَ : وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - - فِيمَا بَلَغَنِي - يَوْمًا مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، فَجَاءَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ ، وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى أَفْحَمَهُ ، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) الْآيَاتِ [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] . ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى التَّمِيمِيُّ حَتَّى جَلَسَ ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لَهُ : وَاللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لِابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا قَعَدَ ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى : أَمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ ، سَلُوا مُحَمَّدًا : أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ، فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا ، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيحَ [ عِيسَى ] ابْنَ مَرْيَمَ ؟ فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى ، وَرَأَوْا أَنَّهُ قَدِ احْتَجَّ وَخَاصَمَ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " كُلُّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيْطَانَ وَمَنْ أَمَرَهُمْ بِعِبَادَتِهِ " فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 101 ] أَيْ : عِيسَى وَعُزَيْرٌ وَمَنْ عُبِدَ مَعَهُمَا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنَّهُمْ بَنَاتُ اللَّهِ : ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ) الْآيَاتِ [ الْأَنْبِيَاءِ : 26 ] ، وَنَزَلَ 234 فِيمَا يُذْكَرُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَأَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَعَجَبِ الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وَخُصُومَتِهِ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) أَيْ : يَصِدُّونَ عَنْ أَمْرِكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ . ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى فَقَالَ : ( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) أَيْ : مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ ، يَقُولُ : ( فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) .
وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ رِوَايَةِ الْعَوْفِيِّ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) قَالَ : يَعْنِي قُرَيْشًا ، لَمَّا قِيلَ لَهُمْ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ ، فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : فَمَا ابْنُ مَرْيَمَ ؟ قَالَ : " ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ " . فَقَالُوا : وَاللَّهِ مَا يُرِيدُ هَذَا إِلَّا أَنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا ، كَمَا اتَّخَذَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَبًّا ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، عَنْ أَبِي يَحْيَى - مَوْلَى ابْنِ عُقَيْلٍ الْأَنْصَارِيِّ - قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقَدْ عَلِمْتُ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ مَا سَأَلَنِي عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ ، فَمَا أَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ فَلَمْ يَسْأَلُوا عَنْهَا ، أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا فَيَسْأَلُوا عَنْهَا . قَالَ : ثُمَّ طَفِقَ يُحَدِّثُنَا ، فَلَمَّا قَامَ تَلَاوَمْنَا أَلَّا نَكُونَ سَأَلْنَاهُ عَنْهَا . فَقُلْتُ : أَنَا لَهَا إِذَا رَاحَ غَدًا . فَلَمَّا رَاحَ الْغَدُ قُلْتُ : يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، ذَكَرْتَ أَمْسِ أَنَّ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ يَسْأَلْكَ عَنْهَا رَجُلٌ قَطُّ ، فَلَا تَدْرِي أَعَلِمَهَا النَّاسُ أَمْ لَمْ يَفْطِنُوا لَهَا ؟ فَقُلْتُ : أَخْبِرْنِي عَنْهَا وَعَنِ اللَّاتِي قَرَأْتَ قَبْلَهَا . قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِقُرَيْشٍ : " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ " ، وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ، وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا ، فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا ، كَانَ آلِهَتُهُمْ كَمَا تَقُولُونَ ؟ ! قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) . قُلْتُ : مَا يَصِدُّونَ ؟ قَالَ : يَضْحَكُونَ ، ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) قَالَ : هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الدِّمَشْقِيُّ ، حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ " . فَقَالُوا لَهُ : أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ صَالِحًا ، فَقَدْ كَانَ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) . 235
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ) : قَالَتْ قُرَيْشٌ : إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ نَعْبُدَهُ كَمَا عَبَدَ قَوْمُ عِيسَى عِيسَى . وَنَحْوَ هَذَا قَالَ قَتَادَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ) : قَالَ قَتَادَةُ : يَقُولُونَ : آلِهَتُنَا خَيْرٌ مِنْهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ : " وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هَذَا " ، يَعْنُونَ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَوْلُهُ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا ) أَيْ : مِرَاءً ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَى الْآيَةِ ; لِأَنَّهَا لِمَا لَا يَعْقِلُ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 98 ] . ثُمَّ هِيَ خُطَّابٌ لِقُرَيْشٍ ، وَهُمْ إِنَّمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَالْأَنْدَادَ ، وَلَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ الْمَسِيحَ حَتَّى يُورِدُوهُ ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ مَقَالَتَهُمْ إِنَّمَا كَانَتْ جَدَلًا مِنْهُمْ ، لَيْسُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ ، إِلَّا أُورِثُوا الْجَدَلَ " ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) .
وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ حَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ كَذَا قَالَ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بِزِيَادَةٍ فَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَيَّاشٍ الرَّمْلِيُّ ، حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مَخْزُومٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّامِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - قَالَ حَمَّادٌ : لَا أَدْرِي رَفَعَهُ أَمْ لَا ؟ - قَالَ : مَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا كَانَ أَوَّلَ ضَلَالِهَا التَّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ ، وَمَا ضَلَّتْ أُمَّةٌ بَعْدَ نَبِيِّهَا إِلَّا أُعْطُوا الْجَدَلَ ، ثُمَّ قَرَأَ : ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ )
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ ، عَنْ جَعْفَرٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَنَازَعُونَ فِي الْقُرْآنِ ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّمَا صُبَّ عَلَى وَجْهِهِ الْخَلُّ ، ثُمَّ قَالَ : " لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ ، فَإِنَّهُ مَا ضَلَّ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ " ، ثُمَّ تَلَا ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) 236
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ) يَعْنِي : عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مَا هُوَ إِلَّا عَبْدٌ [ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ] أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ ، ( وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ) أَيْ : دَلَالَةً وَحُجَّةً وَبُرْهَانًا عَلَى قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ ) أَيْ : بَدَلَكُمْ ( مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ) ، قَالَ السُّدِّيُّ : يَخْلُفُونَكَ فِيهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ : يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، كَمَا يَخْلُفُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا . وَهَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ الْأَوَّلَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : يُعَمِّرُونَ الْأَرْضَ بَدَلَكُمْ .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) : تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ابْنِ إِسْحَاقَ : أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ : مَا بُعِثَ بِهِ عِيسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْقَامِ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ . وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَا حَكَاهُ قَتَادَةُ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَيِ الضَّمِيرُ فِي ) وَإِنَّهُ ) ، عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ ، بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] ، فَإِنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِهِ ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِذَلِكَ نُزُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ) أَيْ : قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، ثُمَّ ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) [ النِّسَاءِ : 159 ] ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْقِرَاءَةَ الْأُخْرَى : " وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ " أَيْ : أَمَارَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ السَّاعَةِ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ) أَيْ : آيَةٌ لِلسَّاعَةِ خُرُوجُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي الْعَالِيَةِ ، وَأَبِي مَالِكٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَغَيْرِهِمْ .
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى [ ابْنِ مَرْيَمَ ] ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا .
وَقَوْلُهُ : ( فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا ) أَيْ : لَا تَشُكُّوا فِيهَا ، إِنَّهَا وَاقِعَةٌ وَكَائِنَةٌ لَا مَحَالَةَ ، ( وَاتَّبَعُونِ ) أَيْ : فِيمَا أُخْبِرُكُمْ بِهِ ( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ . وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ) أَيْ : عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ ) أَيْ : بِالنُّبُوَّةِ ( وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ )
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : يَعْنِي مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ لَا الدُّنْيَوِيَّةِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ جَيِّدٌ ، ثُمَّ رَدَّ قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ " بَعْضَ " هَاهُنَا بِمَعْنَى " كَلَّ " ، وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ لَبِيَدٍ الشَّاعِرِ :
237
﴿﴾ تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ يَعْتَلِقُ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا ﴿﴾
وَأَوَّلُوهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النُّفُوسِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَإِنَّمَا أَرَادَ نَفْسَهُ فَقَطْ ، وَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْهَا . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مُحْتَمَلٌ .
وَقَوْلُهُ : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) أَيْ : [ فِيمَا ] أَمَرَكُمْ بِهِ ، ( وَأَطِيعُونِ ) ، فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ ، ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أَيْ : أَنَا وَأَنْتُمْ عَبِيدٌ لَهُ ، فُقَرَاءُ إِلَيْهِ ، مُشْتَرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، ( هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ) أَيْ : هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ ، وَهُوَ عِبَادَةُ الرَّبِّ ، عَزَّ وَجَلَّ ، وَحْدَهُ .
وَقَوْلُهُ : ( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ ) أَيِ : اخْتَلَفَتِ الْفِرَقُ وَصَارُوا شِيَعًا فِيهِ ، مِنْهُمْ مَنْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ - وَهُوَ الْحَقُّ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ وُلَدُ اللَّهِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا - وَلِهَذَا قَالَ : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ )
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith