تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1772 · printed p. 425
( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) )
425 يَقُولُ تَعَالَى مُسَلِّيًا نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَكَمَا قَالَ لَكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ ، قَالَ الْمُكَذِّبُونَ الْأَوَّلُونَ لِرُسُلِهِمْ : ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) ! .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( أَتَوَاصَوْا بِهِ ) أَيْ : أَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ ؟ " ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) أَيْ : لَكِنْ هُمْ قَوْمٌ طُغَاةٌ ، تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ، فَقَالَ مُتَأَخِّرُهُمْ كَمَا قَالَ مُتَقَدِّمُهُمْ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ) أَيْ : فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يَا مُحَمَّدُ ، ( فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ ) يَعْنِي : فَمَا نَلُومُكَ عَلَى ذَلِكَ .
( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ) أَيْ : إِنَّمَا تَنْتَفِعُ بِهَا الْقُلُوبُ الْمُؤْمِنَةُ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) أَيْ : إِنَّمَا خَلَقْتُهُمْ لِآمُرَهُمْ بِعِبَادَتِي ، لَا لِاحْتِيَاجِي إِلَيْهِمْ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) أَيْ : إِلَّا لِيُقِرُّوا بِعِبَادَتِي طَوْعًا أَوْ كَرْهًا وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : إِلَّا لِيَعْرِفُونِ . وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : ( إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) أَيْ : إِلَّا لِلْعِبَادَةِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : مِنَ الْعِبَادَةِ مَا يَنْفَعُ وَمِنْهَا مَا لَا يَنْفَعُ ، ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ) [ لُقْمَانَ : 25 ] هَذَا مِنْهُمْ عِبَادَةٌ ، وَلَيْسَ يَنْفَعُهُمْ مَعَ الشِّرْكِ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ .
وَقَوْلُهُ : ( مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو سَعِيدٍ قَالَا حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ۝ أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِنِّي لَأَنَا الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ " .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْعِبَادَ لِيَعْبُدُوهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَمَنْ أَطَاعَهُ جَازَاهُ أَتَمَّ الْجَزَاءِ ، وَمِنْ عَصَاهُ عَذَّبَهُ أَشَدَّ الْعَذَابِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِمْ ، بَلْ هُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ ، فَهُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ - يَعْنِي ابْنَ زَائِدَةَ بْنِ نَشِيطٍ - عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي خَالِدٍ - هُوَ الْوَالِبِيُّ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ قَالَ اللَّهُ : " يَابْنَ 426 آدَمَ ، تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى ، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ ، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ " .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ زَائِدَةَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَسَنٌ غَرِيبٌ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ وَكِيعٍ وَأَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَلَّامٍ أَبِي شُرَحْبِيلَ ، سَمِعْتُ حَبَّةَ وَسَوَاءً ابْنَيْ خَالِدٍ يَقُولَانِ : ۝ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَعْمَلُ عَمَلًا أَوْ يَبْنِي بِنَاءً - وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ : يُصْلِحُ شَيْئًا - فَأَعَنَّاهُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا فَرَغَ دَعَا لَنَا وَقَالَ : " لَا تَيْأَسَا مِنَ الرِّزْقِ مَا تَهَزَّزَتْ رُءُوسُكُمَا ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ تَلِدُهُ أُمُّهُ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرَةٌ ، ثُمَّ يُعْطِيهِ اللَّهُ وَيَرْزُقُهُ " . وَ [ قَدْ وَرَدَ ] فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ابْنَ آدَمَ ، خَلَقْتُكَ لِعِبَادَتِي فَلَا تَلْعَبْ ، وَتَكَفَّلْتُ بِرِزْقِكَ فَلَا تَتْعَبْ فَاطْلُبْنِي تَجِدْنِي ; فَإِنْ وَجَدْتَنِي وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَإِنْ فُتُّكَ فَاتَكَ كُلُّ شَيْءٍ ، وَأَنَا أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ " .
وَقَوْلُهُ : ( فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا ) أَيْ : نَصِيبًا مِنَ الْعَذَابِ ، ( مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ ) أَيْ : فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ وَاقِعٌ [ بِهِمْ ] لَا مَحَالَةَ .
( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) يَعْنِي : يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
آخِرُ تَفْسِيرِ سُورَةِ الذَّارِيَاتِ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith