تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
427 تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُّورِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
قَالَ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطَّوْرِ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا - أَوْ قِرَاءَةً - مِنْهُ .
أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : " طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ " ، فَطُفْتُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 ) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 ) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) )
يُقْسِمُ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ : أَنَّ عَذَابَهُ وَاقِعٌ بِأَعْدَائِهِ ، وَأَنَّهُ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهُمْ . فَالطُّورُ هُوَ : الْجَبَلُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَشْجَارٌ ، مِثْلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ، وَأُرْسِلَ مِنْهُ عِيسَى ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ لَا يُسَمَّى طُورًا ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : جَبَلٌ .
( وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) قِيلَ : هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ . وَقِيلَ : الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ جِهَارًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) . ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ - بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ - : " ثُمَّ رُفِعَ بِي إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ " يَعْنِي : يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ وَيَطُوفُونَ ، كَمَا 428 يَطُوفُ أَهْلُ الْأَرْضِ بِكَعْبَتِهِمْ كَذَلِكَ ذَاكَ الْبَيْتُ ، هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ; وَلِهَذَا وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ; لِأَنَّهُ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ ، وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ أَهْلُهَا ، وَيُصَلُّونَ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يُقَالُ لَهُ : بَيْتُ الْعِزَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ : " الْمَعْمُورُ " ; بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ ، وَفِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ : " الْحَيَوَانُ " يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ ، فَيَنْغَمِسُ فِيهِ انْغِمَاسَةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَخِرُّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكَا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ ، فَيُصَلُّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَيُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ ، يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَوْقِفًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، تَفَرَّدَ بِهِ رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ هَذَا ، وَهُوَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سَعْدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمُ : الْجَوْزَجَانِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ .
قَالَ الْحَاكِمُ : لَا أَصِلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا سَعِيدٍ ، وَلَا الزُّهْرِيِّ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْعُرَةَ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَعَلِيٍّ : مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ؟ قَالَ : بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : " الضُّرَاحُ " وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِهَا ، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكٍ وَعِنْدَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْكُوَّاءِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : سَأَلَ ابْنُ الْكُوَّاءِ عَلِيًّا عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، قَالَ : مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : " الضُّرَاحُ " ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا . وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ بِمِثْلِهِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ بَيْتٌ حِذَاءَ الْعَرْشِ ، تُعَمِّرُهُ الْمَلَائِكَةُ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ 429 أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ " .
وَزَعَمَ الضَّحَّاكُ أَنَّهُ يُعَمِّرُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ : الْجِنُّ ، مِنْ قَبِيلَةِ إِبْلِيسَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) : قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ : ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) يَعْنِي : السَّمَاءَ ، قَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ تَلَا ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 32 ] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ الْعَرْشُ يَعْنِي : أَنَّهُ سَقْفٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ ، وَهُوَ يُرَادُ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) : قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ الْمَاءُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، الَّذِي يُنْزِلُ [ اللَّهُ ] مِنْهُ الْمَطَرَ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الْأَجْسَادَ فِي قُبُورِهَا يَوْمَ مَعَادِهَا . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ هَذَا الْبَحْرُ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( الْمَسْجُورِ ) ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يُوقَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا كَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) [ التَّكْوِيرِ : 6 ] أَيْ : أُضْرِمَتْ فَتَصِيرُ نَارًا تَتَأَجَّجُ ، مُحِيطَةً بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ بَدْرٍ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ لِأَنَّهُ لَا يُشْرَبُ مِنْهُ مَاءٌ ، وَلَا يُسْقَى بِهِ زَرْعٌ ، وَكَذَلِكَ الْبِحَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) يَعْنِي : الْمُرْسَلَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( [ وَالْبَحْرِ ] الْمَسْجُورِ ) الْمَمْلُوءُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوقَدًا الْيَوْمَ فَهُوَ مَمْلُوءٌ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الْفَارِغُ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ ذِي الرُّمَّةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قَالَ : الْفَارِغُ ; خَرَجَتْ أُمَّةٌ تَسْتَسْقِي فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ : " إِنَّ الْحَوْضَ مَسْجُورٌ " ، تَعْنِي : فَارِغًا . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي مَسَانِيدِ الشُّعَرَاءِ .
430 وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ : الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ ; لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا . قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مُرَابِطٌ قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً لِحَرَسِي لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ غَيْرِي ، فَأَتَيْتُ الْمِينَاءَ فَصَعِدْتُ ، فَجَعَلَ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ الْبَحْرَ يُشْرِفُ يُحَاذِي رُءُوسَ الْجِبَالِ ، فُعِلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَنَا مُسْتَيْقِظٌ ، فَلَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) : هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ، أَيِ : الْوَاقِعُ بِالْكَافِرِينَ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ يَعِسُّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي ، فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ : ( وَالطُّورِ ) حَتَّى بَلَغَ ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) قَالَ : قَسَمٌ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - حَقٌّ . فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ ، فَمَكَثَ مَلِيًّا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنْزِلِهِ ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " فَضَائِلِ الْقُرْآنِ " : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) ، فَرَبَا لَهَا رَبْوَةً عِيدَ مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا .
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ : تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ تَشَقُّقُهَا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَدُورُ دَوْرًا . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : اسْتِدَارَتُهَا وَتَحْرِيكُهَا لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَمَوْجُ بَعْضِهَا فِي 431 بَعْضٍ . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ التَّحَرُّكُ فِي اسْتِدَارَةٍ . قَالَ : وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى بَيْتَ الْأَعْشَى :
﴿﴾ كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ مَوْرُ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ ﴿﴾
( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ) أَيْ : تَذْهَبُ فَتَصِيرُ هَبَاءً مُنْبَثًّا ، وَتُنْسَفُ نَسْفًا .
( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) أَيْ : وَيْلٌ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنَكَالِهِ بِهِمْ ، وَعِقَابِهِ لَهُمْ .
( الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ) أَيْ : هُمْ فِي الدُّنْيَا يَخُوضُونَ فِي الْبَاطِلِ ، وَيَتَّخِذُونَ دِينَهُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا .
( يَوْمَ يُدَعُّونَ ) أَيْ : يُدْفَعُونَ وَيُسَاقُونَ ، ( إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) : وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : يُدْفَعُونَ فِيهَا دَفْعًا .
( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) أَيْ : تَقُولُ لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا .
( أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا ) أَيِ : ادْخُلُوهَا دُخُولَ مَنْ تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ( فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ) أَيْ : سَوَاءٌ صَبَرْتُمْ عَلَى عَذَابِهَا وَنَكَالِهَا أَمْ لَمْ تَصْبِرُوا ، لَا مَحِيدَ لَكُمْ عَنْهَا وَلَا خَلَاصَ لَكُمْ مِنْهَا ، ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَيْ : وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا ، بَلْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ .
قَالَ مَالِكٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطَّوْرِ ، فَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوْتًا - أَوْ قِرَاءَةً - مِنْهُ .
أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ :
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنِّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ : " طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ " ، فَطُفْتُ ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( وَالطُّورِ ( 1 ) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ( 2 ) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ ( 3 ) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ( 4 ) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ( 5 ) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ( 6 ) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ( 7 ) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ( 8 ) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ( 9 ) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ( 10 ) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) )
يُقْسِمُ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَةِ عَلَى قُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ : أَنَّ عَذَابَهُ وَاقِعٌ بِأَعْدَائِهِ ، وَأَنَّهُ لَا دَافِعَ لَهُ عَنْهُمْ . فَالطُّورُ هُوَ : الْجَبَلُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ أَشْجَارٌ ، مِثْلَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسَى ، وَأُرْسِلَ مِنْهُ عِيسَى ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ لَا يُسَمَّى طُورًا ، إِنَّمَا يُقَالُ لَهُ : جَبَلٌ .
( وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ) قِيلَ : هُوَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ . وَقِيلَ : الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ الْمَكْتُوبَةُ الَّتِي تُقْرَأُ عَلَى النَّاسِ جِهَارًا ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ) . ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ - بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ - : " ثُمَّ رُفِعَ بِي إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ " يَعْنِي : يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ وَيَطُوفُونَ ، كَمَا 428 يَطُوفُ أَهْلُ الْأَرْضِ بِكَعْبَتِهِمْ كَذَلِكَ ذَاكَ الْبَيْتُ ، هُوَ كَعْبَةُ أَهْلِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ; وَلِهَذَا وَجَدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ; لِأَنَّهُ بَانِي الْكَعْبَةِ الْأَرْضِيَّةِ ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ ، وَفِي كُلِّ سَمَاءٍ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ أَهْلُهَا ، وَيُصَلُّونَ إِلَيْهِ ، وَالَّذِي فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا يُقَالُ لَهُ : بَيْتُ الْعِزَّةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ : " الْمَعْمُورُ " ; بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ ، وَفِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ نَهْرٌ يُقَالُ لَهُ : " الْحَيَوَانُ " يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلَّ يَوْمٍ ، فَيَنْغَمِسُ فِيهِ انْغِمَاسَةً ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَخِرُّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ ، يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ مَلَكَا يُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ ، فَيُصَلُّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ أَبَدًا ، وَيُوَلِّي عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ ، يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَوْقِفًا يُسَبِّحُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، تَفَرَّدَ بِهِ رَوْحُ بْنُ جَنَاحٍ هَذَا ، وَهُوَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو سَعْدٍ الدِّمَشْقِيُّ ، وَقَدْ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمُ : الْجَوْزَجَانِيُّ ، وَالْعُقَيْلِيُّ ، وَالْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ .
قَالَ الْحَاكِمُ : لَا أَصِلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَا سَعِيدٍ ، وَلَا الزُّهْرِيِّ
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْعُرَةَ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَعَلِيٍّ : مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ؟ قَالَ : بَيْتٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : " الضُّرَاحُ " وَهُوَ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ فَوْقِهَا ، حُرْمَتُهُ فِي السَّمَاءِ كَحُرْمَةِ الْبَيْتِ فِي الْأَرْضِ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا
وَكَذَا رَوَاهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سِمَاكٍ وَعِنْدَهُمَا أَنَّ ابْنَ الْكُوَّاءِ هُوَ السَّائِلُ عَنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ طَلْقِ بْنِ غَنَّامٍ ، عَنْ زَائِدَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : سَأَلَ ابْنُ الْكُوَّاءِ عَلِيًّا عَنِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، قَالَ : مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ يُقَالُ لَهُ : " الضُّرَاحُ " ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ أَبَدًا . وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنْ عَلِيٍّ بِمِثْلِهِ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ بَيْتٌ حِذَاءَ الْعَرْشِ ، تُعَمِّرُهُ الْمَلَائِكَةُ ، يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ 429 أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ ، وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ : " هَلْ تَدْرُونَ مَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ فِي السَّمَاءِ بِحِيَالِ الْكَعْبَةِ لَوْ خَرَّ لَخَرَّ عَلَيْهَا يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ ، إِذَا خَرَجُوا مِنْهُ لَمْ يَعُودُوا آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ " .
وَزَعَمَ الضَّحَّاكُ أَنَّهُ يُعَمِّرُهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمْ : الْجِنُّ ، مِنْ قَبِيلَةِ إِبْلِيسَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) : قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَشُعْبَةُ ، وَأَبُو الْأَحْوَصِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ، عَنْ عَلِيٍّ : ( وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ ) يَعْنِي : السَّمَاءَ ، قَالَ سُفْيَانُ : ثُمَّ تَلَا ( وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 32 ] . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ الْعَرْشُ يَعْنِي : أَنَّهُ سَقْفٌ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَلَهُ اتِّجَاهٌ ، وَهُوَ يُرَادُ مَعَ غَيْرِهِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ .
وَقَوْلُهُ : ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) : قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : هُوَ الْمَاءُ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ ، الَّذِي يُنْزِلُ [ اللَّهُ ] مِنْهُ الْمَطَرَ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الْأَجْسَادَ فِي قُبُورِهَا يَوْمَ مَعَادِهَا . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : هُوَ هَذَا الْبَحْرُ . وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : ( الْمَسْجُورِ ) ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمُرَادُ أَنَّهُ يُوقَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَارًا كَقَوْلِهِ : ( وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ) [ التَّكْوِيرِ : 6 ] أَيْ : أُضْرِمَتْ فَتَصِيرُ نَارًا تَتَأَجَّجُ ، مُحِيطَةً بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ . رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ بَدْرٍ : إِنَّمَا سُمِّيَ الْبَحْرَ الْمَسْجُورَ لِأَنَّهُ لَا يُشْرَبُ مِنْهُ مَاءٌ ، وَلَا يُسْقَى بِهِ زَرْعٌ ، وَكَذَلِكَ الْبِحَارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . كَذَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) يَعْنِي : الْمُرْسَلَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( [ وَالْبَحْرِ ] الْمَسْجُورِ ) الْمَمْلُوءُ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَوَجَّهَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوقَدًا الْيَوْمَ فَهُوَ مَمْلُوءٌ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ الْفَارِغُ ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ ذِي الرُّمَّةِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ ) قَالَ : الْفَارِغُ ; خَرَجَتْ أُمَّةٌ تَسْتَسْقِي فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ : " إِنَّ الْحَوْضَ مَسْجُورٌ " ، تَعْنِي : فَارِغًا . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي مَسَانِيدِ الشُّعَرَاءِ .
430 وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالْمَسْجُورِ : الْمَمْنُوعُ الْمَكْفُوفُ عَنِ الْأَرْضِ ; لِئَلَّا يَغْمُرَهَا فَيُغْرِقَ أَهْلَهَا . قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَبِهِ يَقُولُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ :
حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ كَانَ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ : لَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَيْسَ مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ فِيهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ ، عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ هَارُونَ - عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ مُرَابِطٌ قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً لِحَرَسِي لَمْ يَخْرُجْ أَحَدٌ مِنَ الْحَرَسِ غَيْرِي ، فَأَتَيْتُ الْمِينَاءَ فَصَعِدْتُ ، فَجَعَلَ يُخَيَّلُ إِلَيَّ أَنَّ الْبَحْرَ يُشْرِفُ يُحَاذِي رُءُوسَ الْجِبَالِ ، فُعِلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَأَنَا مُسْتَيْقِظٌ ، فَلَقِيتُ أَبَا صَالِحٍ فَقَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " مَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يُشْرِفُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، يَسْتَأْذِنُ اللَّهَ أَنْ يَنْفَضِخَ عَلَيْهِمْ ، فَيَكُفُّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ " . فِيهِ رَجُلٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ ) : هَذَا هُوَ الْمُقْسَمُ عَلَيْهِ ، أَيِ : الْوَاقِعُ بِالْكَافِرِينَ ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) أَيْ : لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ .
قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ دَاوُدَ ، عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ زَيْدٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ : خَرَجَ عُمَرُ يَعِسُّ الْمَدِينَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَمَرَّ بِدَارِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَوَافَقَهُ قَائِمًا يُصَلِّي ، فَوَقَفَ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ فَقَرَأَ : ( وَالطُّورِ ) حَتَّى بَلَغَ ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) قَالَ : قَسَمٌ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ - حَقٌّ . فَنَزَلَ عَنْ حِمَارِهِ وَاسْتَنَدَ إِلَى حَائِطٍ ، فَمَكَثَ مَلِيًّا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنْزِلِهِ ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَعُودُهُ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ مَا مَرَضُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " فَضَائِلِ الْقُرْآنِ " : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ : ( إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ) ، فَرَبَا لَهَا رَبْوَةً عِيدَ مِنْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا .
وَقَوْلُهُ : ( يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا ) : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وقَتَادَةُ : تَتَحَرَّكُ تَحْرِيكًا . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هُوَ تَشَقُّقُهَا ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ : تَدُورُ دَوْرًا . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : اسْتِدَارَتُهَا وَتَحْرِيكُهَا لِأَمْرِ اللَّهِ ، وَمَوْجُ بَعْضِهَا فِي 431 بَعْضٍ . وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّهُ التَّحَرُّكُ فِي اسْتِدَارَةٍ . قَالَ : وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى بَيْتَ الْأَعْشَى :
﴿﴾ كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ مَوْرُ السَّحَابَةِ لَا رَيْثٌ وَلَا عَجَلُ ﴿﴾
( وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا ) أَيْ : تَذْهَبُ فَتَصِيرُ هَبَاءً مُنْبَثًّا ، وَتُنْسَفُ نَسْفًا .
( فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) أَيْ : وَيْلٌ لَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَنَكَالِهِ بِهِمْ ، وَعِقَابِهِ لَهُمْ .
( الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ) أَيْ : هُمْ فِي الدُّنْيَا يَخُوضُونَ فِي الْبَاطِلِ ، وَيَتَّخِذُونَ دِينَهُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا .
( يَوْمَ يُدَعُّونَ ) أَيْ : يُدْفَعُونَ وَيُسَاقُونَ ، ( إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ) : وَقَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَالثَّوْرِيُّ : يُدْفَعُونَ فِيهَا دَفْعًا .
( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ) أَيْ : تَقُولُ لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا .
( أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا ) أَيِ : ادْخُلُوهَا دُخُولَ مَنْ تَغْمُرُهُ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ( فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ ) أَيْ : سَوَاءٌ صَبَرْتُمْ عَلَى عَذَابِهَا وَنَكَالِهَا أَمْ لَمْ تَصْبِرُوا ، لَا مَحِيدَ لَكُمْ عَنْهَا وَلَا خَلَاصَ لَكُمْ مِنْهَا ، ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) أَيْ : وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا ، بَلْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith