تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1797 · printed p. 492
492 ( خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ( 19 ) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ( 20 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 21 ) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ( 22 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 23 ) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 25 ) ) .
يَذْكُرُ تَعَالَى خَلْقَهُ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ، وَخَلْقَهُ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَهُوَ : طَرَفُ لَهَبِهَا . قَالَهُ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَبِهِ يَقُولُ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَابْنُ زَيْدٍ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) مِنْ لَهَبِ النَّارِ ، مِنْ أَحْسَنِهَا .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ) مِنْ خَالِصِ النَّارِ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ " .
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ .
( رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ) يَعْنِي مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ ، وَمَغْرِبَيِ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ . وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ) [ الْمَعَارِجِ : 40 ] ، وَذَلِكَ بِاخْتِلَافِ مَطَالِعِ الشَّمْسِ وَتَنَقُّلِهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ ، وَبُرُوزِهَا مِنْهُ إِلَى النَّاسِ . وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 9 ] . وَهَذَا الْمُرَادُ مِنْهُ جِنْسُ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ ، وَلَمَّا كَانَ فِي اخْتِلَافِ هَذِهِ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ مَصَالِحُ لِلْخَلْقِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ قَالَ : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) ؟ .
وَقَوْلُهُ : ( مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ أَرْسَلَهُمَا .
وَقَوْلُهُ : ( يَلْتَقِيَانِ ) قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : أَيْ : مَنَعَهُمَا أَنْ يَلْتَقِيَا ، بِمَا جَعَلَ بَيْنَهُمَا مِنَ الْبَرْزَخِ الْحَاجِزِ الْفَاصِلِ بَيْنَهُمَا .
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : ( الْبَحْرَيْنِ ) الْمِلْحُ وَالْحُلْوُ ، فَالْحُلْوُ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ بَيْنَ النَّاسِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ " الْفُرْقَانِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ) [ الْفُرْقَانِ : 53 ] . وَقَدِ اخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ هَاهُنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَحْرَيْنِ : بَحْرَ السَّمَاءِ وَبَحْرَ الْأَرْضِ ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَعَطِيَّةَ وَابْنِ أَبْزَى .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : لِأَنَّ اللُّؤْلُؤَ يَتَوَلَّدُ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ ، وَأَصْدَافِ بَحْرِ الْأَرْضِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ هَكَذَا ، لَيْسَ الْمُرَادُ [ بِذَلِكَ ] مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، فَإِنَّهُ لَا يُسَاعِدُهُ اللَّفْظُ ; فَإِنَّهُ تَعَالَى قَدْ قَالَ : ( بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ ) أَيْ : وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ، وَهُوَ الْحَاجِزُ مِنَ الْأَرْضِ ، لِئَلَّا يَبْغِيَ هَذَا عَلَى هَذَا ، وَهَذَا عَلَى 493 هَذَا ، فَيُفْسِدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ ، وَيُزِيلُهُ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي هِيَ مَقْصُودَةٌ مِنْهُ . وَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يُسَمَّى بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا .
وَقَوْلُهُ : ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ) أَيْ : مِنْ مَجْمُوعِهِمَا ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا كَفَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ ) [ الْأَنْعَامِ : 130 ] وَالرُّسُلُ إِنَّمَا كَانُوا فِي الْإِنْسِ خَاصَّةً دُونَ الْجِنِّ ، وَقَدْ صَحَّ هَذَا الْإِطْلَاقُ . وَاللُّؤْلُؤُ مَعْرُوفٌ ، وَأَمَّا الْمَرْجَانُ فَقِيلَ : هُوَ صِغَارُ اللُّؤْلُؤِ . قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وقَتَادَةُ ، وَأَبُو رَزِينٍ ، وَالضَّحَّاكُ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ .
وَقِيلَ : كِبَارُهُ وَجَيِّدُهُ . حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، وَحَكَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمُجَاهِدٍ أَيْضًا ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ .
وَقِيلَ : هُوَ نَوْعٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ أَحْمَرُ اللَّوْنِ . قَالَ السُّدِّيُّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : الْمَرْجَانُ : الْخَرَزُ الْأَحْمَرُ . قَالَ السُّدِّيُّ وَهُوَ الْبُسَّذُ بِالْفَارِسِيَّةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا ) [ فَاطِرٍ : 12 ] ، فَاللَّحْمُ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْأُجَاجِ وَالْعَذْبِ ، وَالْحَلِيَّةُ ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمِلْحِ دُونَ الْعَذْبِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَا سَقَطَتْ قَطُّ قَطْرَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِي الْبَحْرِ ، فَوَقَعَتْ فِي صَدَفَةٍ إِلَّا صَارَ مِنْهَا لُؤْلُؤَةٌ . وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ ، وَزَادَ : فَإِذَا لَمْ تَقَعْ فِي صَدَفَةٍ نَبَتَتْ بِهَا عَنْبَرَةٌ . وَرُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ ، فَتَحَتِ الْأَصْدَافُ فِي الْبَحْرِ أَفْوَاهَهَا ، فَمَا وَقَعَ فِيهَا - يَعْنِي : مِنْ قَطْرٍ - فَهُوَ اللُّؤْلُؤُ .
إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ، وَلَمَّا كَانَ اتِّخَاذُ هَذِهِ الْحِلْيَةِ نِعْمَةً عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ ، امْتَنَّ بِهَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ ) يَعْنِي : السُّفُنَ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : مَا رَفَعَ قَلْعَهُ مِنَ السُّفُنِ فَهِيَ مُنْشَأَةٌ ، وَمَا لَمْ يَرْفَعْ قَلْعَهُ فَلَيْسَ بِمُنْشَأَةٍ ، وَقَالَ قَتَادَةُ : ( الْمُنْشَآتُ ) يَعْنِي الْمَخْلُوقَاتِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : الْمُنْشِآتُ - بِكَسْرِ الشِّينِ - يَعْنِي الْبَادِئَاتِ .
( كَالْأَعْلَامِ ) أَيْ : كَالْجِبَالِ فِي كِبَرِهَا ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَتَاجِرِ وَالْمَكَاسِبِ الْمَنْقُولَةِ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ ، وَإِقْلِيمٍ إِلَى إِقْلِيمٍ ، مِمَّا فِيهِ مِنْ صَلَاحٍ لِلنَّاسِ فِي جَلْبِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْبَضَائِعِ ; وَلِهَذَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .
494 وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا الْعَرَّارُ بْنُ سُوَيْدٍ ، عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ إِذْ أَقْبَلَتْ سَفِينَةٌ مَرْفُوعٌ شِرَاعُهَا ، فَبَسَطَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَلَهُ الْجَوَارِي الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ) . وَالَّذِي أَنْشَأَهَا تَجْرِي فِي [ بَحْرٍ مِنْ ] بِحَوَرِهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ ، وَلَا مَالَأْتُ عَلَى قَتْلِهِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith