تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 38 ) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ( 39 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 40 ) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ( 41 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 42 ) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( 43 ) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ( 44 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 45 ) ) .
يَقُولُ [ تَعَالَى ] : ( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا ، كَقَوْلِهِ : ( وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ) [ الْحَاقَّةِ : 16 ] ، وَقَوْلِهِ : ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ) [ الْفُرْقَانِ : 25 ] ، وَقَوْلِهِ : ( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ) [ الِانْشِقَاقِ : 1 ، 2 ] .
وَقَوْلِهِ : ( فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) أَيْ : تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدُّرْدِيُّ وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا ، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِشُّ عَلَيْهِمْ " .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الطَّشُّ : الْمَطَرُ الضَّعِيفُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) ، قَالَ : هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ . وَقَالَ أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَغَيَّرَ لَوْنُهَا . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : كَالْبِرْذَوْنِ الْوَرِدِ ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ .
وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : تَكُونُ أَلْوَانًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ . تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( كَالدِّهَانِ ) : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : كَلَوْنِ دُهْنِ الْوَرْدِ فِي الصُّفْرَةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذِي أَلْوَانٍ . وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ : 499 فِي صَفَاءِ الدُّهْنِ . وَقَالَ [ أَبُو صَالِحٍ ] ابْنُ جُرَيْجٍ : تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ ، وَذَلِكَ حِينَ يُصِيبُهَا حَرُّ جَهَنَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ) ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ : ( هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) [ الْمُرْسَلَاتِ : 35 ، 36 ] ، فَهَذَا فِي حَالٍ ، وَثَمَّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ الْحِجْرِ : 92 ، 93 ] ; وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ : ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ) ، قَالَ : قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يَسْأَلُهُمْ : هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ ، يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ .
وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ . وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا وَيُلْقَوْنَ فِيهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) أَيْ : بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ : يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ .
قُلْتُ : وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ) أَيْ : تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ ، وَيُفْتَلُ ظَهْرُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ - يَعْنِي جَدَّهُ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ، فَقُلْتُ : حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : " نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً ، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي ؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي - أَوْ قَالَ : يُوحَى - وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ " فَقَالَتْ : وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ ؟ قَالَ : " يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ شَفْرَةِ السَّيْفِ ، وَيَسْتَحِرُّ حَتَّى يَكُونَ 500 مِثْلَ الْجَمْرَةِ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ ، فَيَهْوِي فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا " . قُلْتُ : مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ ؟ قَالَتْ : ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [ جِدًّا ] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا ، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) أَيْ : هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا ، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا .
وَقَوْلُهُ : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) أَيْ : تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) [ غَافِرٍ : 71 ، 72 ] .
وَقَوْلُهُ : ( آنٍ ) أَيْ : حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قَدِ انْتَهَى غَلْيُهُ ، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ أَنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فَيُحَرَّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ ، حَتَّى يَذُوبَ اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ . وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) . وَالْحَمِيمُ الْآنِي : يَعْنِي الْحَارَّ . وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى : ( حَمِيمٍ آنٍ ) أَيْ : حَاضِرٌ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا ، وَالْحَاضِرُ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) [ الْغَاشِيَةِ : 5 ] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ . وَكَقَوْلِهِ : ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) [ الْأَحْزَابِ : 53 ] يَعْنِي : اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ . فَقَوْلُهُ : ( حَمِيمٍ آنٍ ) أَيْ : حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا . وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .
يَقُولُ [ تَعَالَى ] : ( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ مَا شَاكَلَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْوَارِدَةِ فِي مَعْنَاهَا ، كَقَوْلِهِ : ( وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ ) [ الْحَاقَّةِ : 16 ] ، وَقَوْلِهِ : ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا ) [ الْفُرْقَانِ : 25 ] ، وَقَوْلِهِ : ( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ) [ الِانْشِقَاقِ : 1 ، 2 ] .
وَقَوْلِهِ : ( فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) أَيْ : تَذُوبُ كَمَا يَذُوبُ الدُّرْدِيُّ وَالْفِضَّةُ فِي السَّبْكِ ، وَتَتَلَوَّنُ كَمَا تَتَلَوَّنُ الْأَصْبَاغُ الَّتِي يُدْهَنُ بِهَا ، فَتَارَةً حَمْرَاءَ وَصَفْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَخَضْرَاءَ ، وَذَلِكَ مِنْ شِدَّةِ الْأَمْرِ وَهَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْعَظِيمِ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ أَبُو غَالِبٍ الْبَاهِلِيُّ ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " يُبْعَثُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَطِشُّ عَلَيْهِمْ " .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : الطَّشُّ : الْمَطَرُ الضَّعِيفُ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) ، قَالَ : هُوَ الْأَدِيمُ الْأَحْمَرُ . وَقَالَ أَبُو كُدَيْنَةَ ، عَنْ قَابُوسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) : كَالْفَرَسِ الْوَرِدِ . وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : تَغَيَّرَ لَوْنُهَا . وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ : كَالْبِرْذَوْنِ الْوَرِدِ ، ثُمَّ كَانَتْ بَعْدُ كَالدِّهَانِ .
وَحَكَى الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ : أَنَّ الْفَرَسَ الْوَرِدَ تَكُونُ فِي الرَّبِيعِ صَفْرَاءَ ، وَفِي الشِّتَاءِ حَمْرَاءَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ اغْبَرَّ لَوْنُهَا .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ : تَكُونُ أَلْوَانًا . وَقَالَ السُّدِّيُّ . تَكُونُ كَلَوْنِ الْبَغْلَةِ الْوَرِدَةِ ، وَتَكُونُ كَالْمُهْلِ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( كَالدِّهَانِ ) : كَأَلْوَانِ الدِّهَانِ . وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ : كَلَوْنِ دُهْنِ الْوَرْدِ فِي الصُّفْرَةِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : هِيَ الْيَوْمَ خَضْرَاءُ ، وَيَوْمَئِذٍ لَوْنُهَا إِلَى الْحُمْرَةِ يَوْمَ ذِي أَلْوَانٍ . وَقَالَ أَبُو الْجَوْزَاءِ : 499 فِي صَفَاءِ الدُّهْنِ . وَقَالَ [ أَبُو صَالِحٍ ] ابْنُ جُرَيْجٍ : تَصِيرُ السَّمَاءُ كَالدُّهْنِ الذَّائِبِ ، وَذَلِكَ حِينَ يُصِيبُهَا حَرُّ جَهَنَّمَ .
وَقَوْلُهُ : ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ) ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ : ( هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) [ الْمُرْسَلَاتِ : 35 ، 36 ] ، فَهَذَا فِي حَالٍ ، وَثَمَّ حَالٌ يُسْأَلُ الْخَلَائِقُ فِيهَا عَنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [ الْحِجْرِ : 92 ، 93 ] ; وَلِهَذِهِ قَالَ قَتَادَةُ : ( فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ ) ، قَالَ : قَدْ كَانَتْ مَسْأَلَةٌ ، ثُمَّ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِ الْقَوْمِ ، وَتَكَلَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يَسْأَلُهُمْ : هَلْ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ يَقُولُ : لِمَ عَمِلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لَا يَسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْمُجْرِمِ ، يُعْرَفُونَ بِسِيمَاهُمْ .
وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ . وَكَأَنَّ هَذَا بَعْدَ مَا يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ ، فَذَلِكَ الْوَقْتُ لَا يُسْأَلُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، بَلْ يُقَادُونَ إِلَيْهَا وَيُلْقَوْنَ فِيهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ ) أَيْ : بِعَلَامَاتٍ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ : يَعْرِفُونَهُمْ بِاسْوِدَادِ الْوُجُوهِ وَزُرْقَةِ الْعُيُونِ .
قُلْتُ : وَهَذَا كَمَا يُعْرَفُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْغُرَّةِ وَالتَّحْجِيلِ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ .
وَقَوْلُهُ : ( فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ ) أَيْ : تَجْمَعُ الزَّبَانِيَةُ نَاصِيَتَهُ مَعَ قَدَمَيْهِ ، وَيُلْقُونَهُ فِي النَّارِ كَذَلِكَ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يُؤْخَذُ بِنَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ ، فَيُكْسَرُ كَمَا يُكْسَرُ الْحَطَبُ فِي التَّنُّورِ .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَتِهِ وَقَدَمَيْهِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : يُجْمَعُ بَيْنَ نَاصِيَةِ الْكَافِرِ وَقَدَمَيْهِ ، فَتُرْبَطُ نَاصِيَتُهُ بِقَدَمِهِ ، وَيُفْتَلُ ظَهْرُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو تَوْبَةَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ ، عَنْ أَخِيهِ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَلَّامٍ - يَعْنِي جَدَّهُ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ قَالَ : أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهَا حِجَابٌ ، فَقُلْتُ : حَدَّثَكِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ سَاعَةٌ لَا يَمْلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، لَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذَا وَأَنَا وَهُوَ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ ، قَالَ : " نَعَمْ حِينَ يُوضَعُ الصِّرَاطُ ، وَلَا أَمَلِكُ لِأَحَدٍ فِيهَا شَفَاعَةً ، حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ يُسْلَكُ بِي ؟ وَيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، حَتَّى أَنْظُرَ مَاذَا يُفْعَلُ بِي - أَوْ قَالَ : يُوحَى - وَعِنْدَ الْجِسْرِ حِينَ يَسْتَحِدُّ وَيَسْتَحِرُّ " فَقَالَتْ : وَمَا يَسْتَحِدُّ وَمَا يَسْتَحِرُّ ؟ قَالَ : " يَسْتَحِدُّ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ شَفْرَةِ السَّيْفِ ، وَيَسْتَحِرُّ حَتَّى يَكُونَ 500 مِثْلَ الْجَمْرَةِ ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُجِيزُهُ لَا يَضُرُّهُ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيَتَعَلَّقُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَوْسَطَهُ خَرَّ مِنْ قَدِمِهِ فَيَهْوِي بِيَدِهِ إِلَى قَدَمَيْهِ ، فَتَضْرِبُهُ الزَّبَانِيَةُ بِخُطَّافٍ فِي نَاصِيَتِهِ وَقَدَمِهِ ، فَتَقْذِفُهُ فِي جَهَنَّمَ ، فَيَهْوِي فِيهَا مِقْدَارَ خَمْسِينَ عَامًا " . قُلْتُ : مَا ثِقَلُ الرَّجُلِ ؟ قَالَتْ : ثِقَلُ عَشْرِ خَلِفَاتٍ سِمَانٍ ، فَيَوْمَئِذٍ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [ جِدًّا ] ، وَفِيهِ أَلْفَاظٌ مُنْكَرٌ رَفْعُهَا ، وَفِي الْإِسْنَادِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ ، وَمِثْلُهُ لَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ : ( هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ) أَيْ : هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِوُجُودِهَا هَا هِيَ حَاضِرَةٌ تُشَاهِدُونَهَا عِيَانًا ، يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ تَقْرِيعًا وَتَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَتَحْقِيرًا .
وَقَوْلُهُ : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) أَيْ : تَارَةً يُعَذَّبُونَ فِي الْجَحِيمِ ، وَتَارَةً يُسْقَوْنَ مِنَ الْحَمِيمِ ، وَهُوَ الشَّرَابُ الَّذِي هُوَ كَالنُّحَاسِ الْمُذَابِ ، يُقَطِّعُ الْأَمْعَاءَ وَالْأَحْشَاءَ ، وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) [ غَافِرٍ : 71 ، 72 ] .
وَقَوْلُهُ : ( آنٍ ) أَيْ : حَارٌّ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فِي الْحَرَارَةِ ، لَا يُسْتَطَاعُ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ) قَدِ انْتَهَى غَلْيُهُ ، وَاشْتَدَّ حَرُّهُ . وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَالثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : قَدْ أَنَى طَبْخُهُ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ : يُؤْخَذُ الْعَبْدُ فَيُحَرَّكُ بِنَاصِيَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحَمِيمِ ، حَتَّى يَذُوبَ اللَّحْمُ وَيَبْقَى الْعَظْمُ وَالْعَيْنَانِ فِي الرَّأْسِ . وَهِيَ كَالَّتِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : ( فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ) . وَالْحَمِيمُ الْآنِي : يَعْنِي الْحَارَّ . وَعَنِ الْقُرَظِيِّ رِوَايَةٌ أُخْرَى : ( حَمِيمٍ آنٍ ) أَيْ : حَاضِرٌ . وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ أَيْضًا ، وَالْحَاضِرُ لَا يُنَافِي مَا رُوِيَ عَنِ الْقُرَظِيِّ أَوَّلًا أَنَّهُ الْحَارُّ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) [ الْغَاشِيَةِ : 5 ] أَيْ حَارَّةٍ شَدِيدَةِ الْحَرِّ لَا تُسْتَطَاعُ . وَكَقَوْلِهِ : ( غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ) [ الْأَحْزَابِ : 53 ] يَعْنِي : اسْتِوَاءَهُ وَنُضْجَهُ . فَقَوْلُهُ : ( حَمِيمٍ آنٍ ) أَيْ : حَمِيمٌ حَارٌّ جِدًّا . وَلَمَّا كَانَ مُعَاقَبَةُ الْعُصَاةِ الْمُجْرِمِينَ وَتَنْعِيمُ الْمُتَّقِينَ مِنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَعَدْلِهِ وَلُطْفِهِ بِخُلُقِهِ ، وَكَانَ إِنْذَارُهُ لَهُمْ عَذَابَهُ وَبَأْسَهُ مِمَّا يَزْجُرُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْمَعَاصِي وَغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ مُمْتَنًّا بِذَلِكَ عَلَى بَرِيَّتِهِ : ( فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith