تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء السابع
page 1805 · printed p. 514
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ( 1 ) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ( 2 ) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ( 3 ) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ( 5 ) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ( 6 ) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ( 7 ) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) ) .
الْوَاقِعَةُ : مِنْ أَسْمَاءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَحَقُّقِ كَوْنِهَا وَوُجُودِهَا ، كَمَا قَالَ : ( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ) [ الْحَاقَّةِ : 15 ]
وَقَوْلُهُ : ( لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ ) أَيْ : لَيْسَ لِوُقُوعِهَا إِذَا أَرَادَ اللَّهُ كَوْنَهَا صَارِفٌ يَصْرِفُهَا ، وَلَا دَافِعٌ يَدْفَعُهَا ، كَمَا قَالَ : ( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ) [ الشُّورَى : 47 ] ، وَقَالَ : ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) [ الْمَعَارِجِ : 1 ، 2 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) [ الْأَنْعَامِ : 73 ] .
وَمَعْنَى ) كَاذِبَةٍ ) - كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ - : لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ . وَقَالَ قَتَادَةُ : لَيْسَ فِيهَا مَثْنَوِيَّةٌ وَلَا 514 ارْتِدَادٌ وَلَا رَجْعَةٌ .
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : وَالْكَاذِبَةُ : مَصْدَرٌ كَالْعَاقِبَةِ وَالْعَافِيَةِ .
وَقَوْلُهُ : ( خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) أَيْ : تَحْفُضُ أَقْوَامًا إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِلَى الْجَحِيمِ ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا أَعِزَّاءَ . وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى أَعْلَى عِلِّيِّينَ ، إِلَى النَّعِيمِ الْمُقِيمِ ، وَإِنْ كَانُوا فِي الدُّنْيَا وُضَعَاءَ . وَهَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمَا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُصْعَبٍ الْمَعْنَى ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرُّؤَاسِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) تَخْفِضُ أُنَاسًا وَتَرْفَعُ آخَرِينَ .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سُرَاقَةَ ، ابْنِ خَالَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : ( خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) [ قَالَ ] : السَّاعَةُ خَفَضَتْ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ ، وَرَفَعَتْ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ إِلَى الْجَنَّةِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ : تَخْفِضُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ ، وَتَرْفَعُ رِجَالًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مَخْفُوضِينَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : خَفَضَتِ الْمُتَكَبِّرِينَ ، وَرَفَعَتِ الْمُتَوَاضِعِينَ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ) أَسْمَعَتِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : خَفَضَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَدْنَى ، وَرَفَعَتْ فَأَسْمَعَتِ الْأَقْصَى . وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ .
وَقَوْلُهُ : ( إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ) أَيْ : حُرِّكَتْ تَحْرِيكًا فَاهْتَزَّتْ وَاضْطَرَبَتْ بِطُولِهَا وَعَرْضِهَا . وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ) أَيْ : زُلْزِلَتْ زِلْزَالًا [ شَدِيدًا ] .
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : تُرَجُّ بِمَا فِيهَا كَرَجِّ الْغِرْبَالِ بِمَا فِيهِ .
وَهَذِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ) [ الزَّلْزَلَةِ : 1 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) [ الْحَجِّ : 1 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا ) أَيْ : فُتِّتَتْ فَتًّا . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ : صَارَتِ الْجِبَالُ كَمَا قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( كَثِيبًا مَهِيلًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 14 ] .
وَقَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ) ، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( هَبَاءً مُنْبَثًّا ) 515 كَرَهَجِ الْغُبَارِ يَسْطَعُ ثُمَّ يَذْهَبُ ، فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ .
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا ) : الْهَبَاءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النَّارِ ، إِذَا اضْطَرَمَتْ يَطِيرُ مِنْهُ الشَّرَرُ ، فَإِذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ : الْمُنْبَثُّ : الَّذِي ذَرَّتْهُ الرِّيحُ وَبَثَّتْهُ . وَقَالَ قَتَادَةُ : ( هَبَاءً مُنْبَثًّا ) كَيَبِيسِ الشَّجَرِ الَّذِي تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ كَأَخَوَاتِهَا الدَّالَةِ عَلَى زَوَالِ الْجِبَالِ عَنْ أَمَاكِنِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَذَهَابِهَا وَتَسْيِيرِهَا وَنَسْفِهَا - أَيْ قَلْعِهَا - وَصَيْرُورَتِهَا كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ) أَيْ : يَنْقَسِمُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ : قَوْمٌ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْمَنِ ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ . قَالَ السُّدِّيُّ : وَهُمْ جُمْهُورُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَآخَرُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ ، وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ شِقِّ آدَمَ الْأَيْسَرِ ، وَيُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشَمَائِلِهِمْ ، وَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ، وَهُمْ عَامَّةُ أَهْلِ النَّارِ - عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ صَنِيعِهِمْ - وَطَائِفَةٌ سَابِقُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُمْ أَخَصُّ وَأَحْظَى وَأَقْرَبُ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ الَّذِينَ هُمْ سَادَتُهُمْ ، فِيهِمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ ، وَهُمْ أَقَلُّ عَدَدًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) وَهَكَذَا قَسَّمَهُمْ إِلَى هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَقْتَ احْتِضَارِهِمْ ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ) الْآيَةَ [ فَاطِرٍ : 32 ] ، وَذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي الظَّالِمِ لِنَفْسِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ) قَالَ : هِيَ الَّتِي فِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثَّلَاثَةُ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي آخِرِ السُّورَةِ وَفِي سُورَةِ الْمَلَائِكَةِ .
وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ) قَالَ : أَصْنَافًا ثَلَاثَةً .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ) [ قَالَ ] : يَعْنِي : فِرَقًا ثَلَاثَةً . وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : أَفْوَاجًا ثَلَاثَةً . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ الْعَتَكِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سُرَاقَةَ ابْنُ خَالَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً ) اثْنَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وَوَاحِدٌ فِي النَّارِ .
516 وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : ۝ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ) [ التَّكْوِيرِ : 7 ] قَالَ : الضُّرَبَاءُ ، كُلُّ رَجُلٍ مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَعْمَلُونَ عَمَلَهُ ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ( وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) قَالَ : هُمُ الضُّرَبَاءُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ الْغَنَوِيُّ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ; ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ ) ، ( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ ) فَقَبَضَ بِيَدِهِ قَبْضَتَيْنِ فَقَالَ : " هَذِهِ لِلْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي ، وَهَذِهِ لِلنَّارِ وَلَا أُبَالِي " .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا حَسَنٌ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ۝ " أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ " قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : " الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ " .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو حَرْزَةَ يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) : هُمُ الْأَنْبِيَاءُ ، عَلَيْهِمُ السَّلَامُ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : هُمْ أَهْلُ عِلِّيِّينَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) ، قَالَ : يُوشَعُ بْنُ نُونٍ ، سَبَقَ إِلَى مُوسَى ، وَمُؤْمِنُ آلِ " يس " ، سَبَقَ إِلَى عِيسَى ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، سَبَقَ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ الْفَلَّاسُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَدَائِنِيِّ الْبَزَّازِ ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ الضَّحَّاكِ الْمَدَائِنِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، عَنْ خَارِجَةَ ، عَنْ قُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) الَّذِينَ صَلَّوْا لِلْقِبْلَتَيْنِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ خَارِجَةَ ، بِهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ وقَتَادَةُ : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ) أَيْ : مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ .
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ) ثُمَّ قَالَ : أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَأَوَّلُهُمْ خُرُوجًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
517 وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّابِقِينَ هُمُ الْمُبَادِرُونَ إِلَى فِعْلِ الْخَيِّرَاتِ كَمَا أُمِرُوا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 133 ] ، وَقَالَ : ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ الْحَدِيدِ : 22 ] ، فَمَنْ سَابَقَ إِلَى هَذِهِ الدُّنْيَا وَسَبَقَ إِلَى الْخَيْرِ ، كَانَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْكَرَامَةِ ، فَإِنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ ، وَكَمَا تَدِينُ تُدَانُ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا الْقَزَّازُ الرَّازِيُّ ، حَدَّثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : يَا رَبِّ ، جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ الدُّنْيَا فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَزَوَّجُونَ ، فَاجْعَلْ لَنَا الْآخِرَةَ . فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ . فَرَاجَعُوا ثَلَاثًا ، فَقَالَ : لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ : كُنْ ، فَكَانَ . ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : ( وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْأَثَرَ الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ فِي كِتَابِهِ : " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ " ، وَلَفْظُهُ : ۝ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : " لَنْ أَجْعَلَ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْتُ بِيَدِي ، كَمَنْ قُلْتُ لَهُ : كُنْ فَكَانَ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith