تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
الصفحة 1854 · ص. المطبوع 125
125 تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمُنَافِقُونَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ( 1 ) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 2 ) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ( 3 ) وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 4 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُنَافِقِينَ : إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَفَوَّهُونَ بِالْإِسْلَامِ إِذَا جَاءُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَّا فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ ، بَلْ عَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) أَيْ : إِذَا حَضَرُوا عِنْدَكَ وَاجَهُوكَ بِذَلِكَ ، وَأَظْهَرُوا لَكَ ذَلِكَ ، وَلَيْسُوا كَمَا يَقُولُونَ : وَلِهَذَا اعْتَرَضَ بِجُمْلَةٍ مُخْبِرَةٍ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقَالَ اللَّهُ : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ )
ثُمَّ قَالَ : ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) أَيْ : فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُطَابِقًا لِلْخَارِجِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ صِحَّةَ مَا يَقُولُونَ وَلَا صِدْقَهُ ; وَلِهَذَا كَذَّبَهُمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِهِمْ .
وَقَوْلُهُ : ( اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيِ : اتَّقَوُا النَّاسَ بِالْأَيْمَانِ الْكَاذِبَةِ ، والْحَلْفَاتِ الْآثِمَةِ ، لِيُصَدَّقُوا فِيمَا يَقُولُونَ ، فَاغْتَرَّ بِهِمْ مَنْ لَا يَعْرِفُ جَلِيَّةَ أَمْرِهِمْ ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا اقْتَدَى بِهِمْ فِيمَا يَفْعَلُونَ وَصَدَّقَهُمْ فِيمَا يَقُولُونَ ، وَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْبَاطِنِ لَا يَأْلُونَ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ خَبَلًا فَحَصَلَ بِهَذَا الْقَدْرِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) وَلِهَذَا كَانَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ يَقْرَؤُهَا : " اتَّخَذُوا إِيمَانَهُمْ جُنَّةً " أَيْ : تَصْدِيقَهُمُ الظَّاهِرَ جُنَّةً ، أَيْ : تَقِيَّةً يَتَّقُونَ بِهِ الْقَتْلَ . وَالْجُمْهُورُ يَقْرَؤُهَا : ( أَيْمَانَهُمْ ) جَمْعُ يَمِينٍ .
وَقَوْلُهُ ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا قُدِّرَ عَلَيْهِمُ 126 النِّفَاقُ لِرُجُوعِهِمْ عَنِ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرَانِ ، وَاسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ( فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) أَيْ : فَلَا يَصِلُ إِلَى قُلُوبِهِمْ هُدًى ، وَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهَا خَيْرٌ ، فَلَا تَعِي وَلَا تَهْتَدِي .
( وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ) أَيْ : كَانُوا أَشْكَالًا حَسَنَةً وَذَوِي فَصَاحَةٍ وَأَلْسِنَةٍ ، إِذَا سَمِعَهُمُ السَّامِعُ يُصْغِي إِلَى قَوْلِهِمْ لِبَلَاغَتِهِمْ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ ، وَالْخَوَرِ ، وَالْهَلَعِ ، وَالْجَزَعِ ، وَالْجُبْنِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : كُلَّمَا وَقَعَ أَمْرٌ ، أَوْ كَائِنَةٌ ، أَوْ خَوْفٌ يَعْتَقِدُونَ لِجُبْنِهِمْ أَنَّهُ نَازِلٌ بِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ) [ الْأَحْزَابِ : 19 ] فَهُمْ جَهَامَاتٌ وَصُوَرٌ بِلَا مَعَانِي . وَلِهَذَا قَالَ : ( هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) أَيْ : كَيْفَ يُصرَفُونَ عَنِ الْهُدَى إِلَى الضَّلَالِ .
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ بَكْرِ بْنِ أَبِي الْفُرَاتِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، . عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " إِنَّ لِلْمُنَافِقِينَ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا : تَحِيَّتُهُمْ لَعْنَةٌ ، وَطَعَامُهُمْ نُهْبَةٌ ، وَغَنِيمَتُهُمْ غُلُولٌ ، وَلَا يَقَرَبُونَ الْمَسَاجِدَ إِلَّا هَجْرًا ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا دَبْرًا ، مُسْتَكْبِرِينَ لَا يَأْلَفُونَ وَلَا يُؤْلَفُونَ ، خُشُبٌ بِاللَّيْلِ ، صُخُبٌ بِالنَّهَارِ " . وَقَالَ يَزِيدُ مَرَّةً : سُخُبٌ بِالنَّهَارِ
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث