تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ( 6 ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( 8 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُنَافِقِينَ - عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ - أَنَّهُمْ ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ) أَيْ : صَدُّوا وَأَعْرَضُوا عَمَّا قِيلَ لَهُمُ اسْتِكْبَارًا عَنْ ذَلِكَ ، وَاحْتِقَارًا لِمَا قِيلَ لَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) ثُمَّ جَازَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِيرَادُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ هُنَالِكَ .
127
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ ( لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ : حَوَّلَ سُفْيَانُ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ ، وَنَظَرَ بِعَيْنِهِ شَزْرًا ، ثُمَّ قَالَ : هُمْ هَذَا .
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ كُلَّهُ نَزَلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كَمَا سَنُورِدُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ .
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ - يَعْنِي مَرْجِعَهُ مِنْ أُحُدٍ - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ - كَمَا حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ - لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يُنْكَرُ ، شَرَفًا لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ قَوْمِهِ ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا ، إِذَا جَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ قَامَ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَأَعَزَّكُمْ بِهِ ، فَانْصُرُوهُ وَعَزِّرُوهُ ، وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا . ثُمَّ جَلَسَ ، حَتَّى إِذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ - يَعْنِي مَرْجِعَهُ بِثُلُثِ الْجَيْشِ - وَرَجَعَ النَّاسُ قَامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ وَقَالُوا : اجْلِسْ ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ ، لَسْتَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ . فَخَرَجَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا ; أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ . فَلَقِيَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا : وَيْلَكَ . مَا لَكَ ؟ قَالَ : قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ ، فَوَثَبَ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْذِبُونَنِي وَيُعَنِّفُونَنِي ، لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا ، أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ . قَالُوا : وَيْلَكَ . ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَبْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي
وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَذَلِكَ أَنَّ غُلَامًا مِنْ قَرَابَتِهِ انْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ عَنْهُ وَأَمْرٍ شَدِيدٍ ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَقْبَلَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى ذَلِكَ الْغُلَامِ فَلَامُوهُ وعَذَمُوهُ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ ، وَقِيلَ لِعَدُوِّ اللَّهِ : لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ ، أَيْ : لَسْتُ فَاعِلًا
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَالَ : ( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) فَارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ آخِرَ النَّهَارِ ، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ : ائْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ )
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ; فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَلْ رَجَعَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ . وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ .
128
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ : فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ مُقِيمٌ هُنَاكَ ، اقْتَتَلَ عَلَى الْمَاءِ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ - وَكَانَ أَجِيرًا - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَسِنَانُ بْنُ وَبْرٍ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ : ازْدَحَمَا عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا ، فَقَالَ سِنَانٌ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ . وَقَالَ الْجَهْجَاهُ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ - وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَنَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ : قَدْ ثَاوَرُونَا فِي بِلَادِنَا . وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : " سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ " . وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . ثُمَّ أَقْبَلُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ : هَذَا مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كَفَفْتُمْ عَنْهُمْ لَتَحَوَّلُوا عَنْكُمْ فِي بِلَادِكُمْ إِلَى غَيْرِهَا . فَسَمِعَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَذَهَبَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ غُلَيْمٌ - وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُرْ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ . فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَكَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ - يَا عُمَرُ - أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ؟ لَا ، وَلَكِنْ نَادِ يَا عُمَرُ فِي الرَّحِيلِ " .
فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، وَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مَا قَالَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ بِمَكَانٍ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ أَوْهَمَ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَالَ الرَّجُلُ .
وَرَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهَجِّرًا فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَرُوحُ فِيهَا ، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِيهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ابْنُ أُبَيٍّ ؟ . زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَيُخْرِجُ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ " . قَالَ : فَأَنْتَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - الْعَزِيزُ وَهُوَ الذَّلِيلُ . ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ارْفُقْ بِهِ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِكَ وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنْ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا .
فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ حَتَّى أَمْسَوْا لَيْلَتَهُ حَتَّى أَصْبَحُوا ، وَصَدَرَ يَوْمَهُ حَتَّى اشْتَدَّ الضُّحَى . ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ لِيَشْغَلَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَلَمْ يَأْمَنِ النَّاسُ أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ فَنَامُوا ، وَنَزَلَتْ سُورَةُ " الْمُنَافِقِينَ "
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَالَلْأَنْصَارِ . وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ " . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ - وَقَدْ فَعَلُوهَا - : وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا 129 إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ جَابِرٌ : وَكَانَ الْأَنْصَارُ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دَعْهُ ; لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ "
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ سُفْيَانَ بِهِ نَحْوَهُ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَلَامَنِي قَوْمِي وَقَالُوا : مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : فَانْطَلَقْتُ ، فَنِمْتُ كَئِيبًا حَزِينًا ، قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكَ وَصَدَّقَكَ " . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) حَتَّى بَلَغَ : ( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ )
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، ثُمَّ قَالَ : " وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ ، التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عِنْدَهَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ، - وَقَالَ ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عَمِّي فِي غَزَاةٍ ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ عَمِّي لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثْتُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا : فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقَهُ ، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ ، وَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ عَمِّي : مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَقَتَكَ . قَالَ : حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) قَالَ : فَبَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ "
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ : أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ 130 بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ . وَقَالَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ . فَقَالُوا : كَذَبَ زَيْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مَا قَالُوا ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) قَالَ : وَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ، فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) قَالَ : كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْكُوفِيِّ ، عَنْ زَيْدٍ بِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ : قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَكُنَّا نَبْتَدِرُ الْمَاءَ ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَنَا يَسْبِقُ الْأَعْرَابِيُّ أَصْحَابَهُ يَمْلَأُ الْحَوْضَ ، وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً ، وَيَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ . قَالَ : فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَعْرَابِيَّ ، فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ ، فَانْتَزَعَ حَجَرًا فَفَاضَ الْمَاءُ ، فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَةً ، فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ ، فَأَخْبَرَهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ - فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، ثُمَّ قَالَ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ - يَعْنِي الْأَعْرَابَ - وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الطَّعَامِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ : إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَائْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعَامِ ، فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ زَيْدٌ : وَأَنَا رِدْفُ عَمِّي ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُ عَمِّي ، فَانْطَلَقَ ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، فَحَلَفَ وَجَحَدَ ، قَالَ : فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَّبَنِي ، فَجَاءَ إِلَيَّ عَمِّي فَقَالَ : مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنَّ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَّبَكَ الْمُسْلِمُونَ . فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الْغَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ وَقَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَكَ أُذُنِي ، وَضَحِكَ فِي وَجْهِي ، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي وَقَالَ : مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ : مَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنْ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي . فَقَالَ : أَبْشِرْ . ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ . فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ " الْمُنَافِقِينَ " .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ 131 الْحَاكِمِ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بِهِ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : " سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ " ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ) حَتَّى بَلَغَ : ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) حَتَّى بَلَغَ : ( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ )
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَغَازِي - وَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةَ بِهَذَا السِّيَاقِ ، وَلَكِنْ جَعَلَا الَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ إِنَّمَا هُوَ أَوْسُ بْنُ أَرْقَمَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ . فَلَعَلَّهُ مُبَلِّغٌ آخَرُ ، أَوْ تَصْحِيفٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ ، حَدَّثَنِي ، عُقَيْلٌ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَعَمْرَو بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ، أَخْبَرَاهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ ، وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مَنَاةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَفَا الْمُشَلَّلِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَسَرَ مَنَاةَ ، فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فِي غَزْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْآخَرُ مَنْ بَهْزٍ وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَنْصَارِ فَاسْتَعْلَى الرَّجُلُ الَّذِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْبَهْزِيِّ ، فَقَالَ الْبَهْزِيُّ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فَنَصَرَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَصَرَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَانَ بَيْنَ أُولَئِكَ الرِّجَالِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالرِّجَالِ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ مِنَ الْقِتَالِ ، ثُمَّ حُجِزَ بَيْنَهُمْ فَانْكَفَأَ كُلُّ مُنَافِقٍ - أَوْ : رَجُلٍ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ - إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَقَالَ : قَدْ كُنْتَ تُرْجَى ، وَتَدْفَعُ ، فَأَصْبَحْتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، قَدْ تَنَاصَرَتْ عَلَيْنَا الْجَلَابِيبُ - وَكَانُوا يَدْعُونَ كُلَّ حَدِيثِ هِجْرَةٍ الْجَلَابِيبَ - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَدُوُّ اللَّهِ : وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ مَالِكُ بْنُ الدَّخْشُمِ - وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ - : أَوَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا . فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ أَفْتَنَ النَّاسَ ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ - يُرِيدُ عُمَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ : " أَوَ قَاتِلُهُ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ ؟ " . قَالَ : عُمَرُ نَعَمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اجْلِسْ " . فَأَقْبَلَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْصَارِ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ أَفْتَنَ النَّاسَ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَوَقَاتِلُهُ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ ؟ " . قَالَ : نَعَمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأَضْرِبَنَّ بِالسَّيْفِ تَحْتَ قُرْطِ أُذُنَيْهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اجْلِسْ " . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " آذِنُوا بِالرَّحِيلِ " . فَهَجَّرَ بِالنَّاسِ ، فَسَارَ 132 يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَالْغَدَ حَتَّى مَتَعَ النَّهَارُ ، ثُمَّ نَزَلَ . ثُمَّ هَجَّرَ بِالنَّاسِ مِثْلَهَا ، فَصَبَّحَ بِالْمَدِينَةِ فِي ثَلَاثٍ سَارَهَا مِنْ قَفَا الْمُشَلَّلِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَدَعَاهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : " أَيْ عُمَرُ ، أَكُنْتَ قَاتِلَهُ لَوْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ ؟ " قَالَ عُمَرُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتَهُ يَوْمَئِذٍ لَأَرْغَمْتَ أُنُوفَ رِجَالٍ لَوْ أَمَرْتُهُمُ الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ امْتَثَلُوهُ فَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي قَدْ وَقَعْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَأَقْتُلُهُمْ صَبْرًا " . وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) الْآيَةَ .
وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ نَفِيسَةٌ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - يَعْنِي لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ - أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ ، فَأَقْتُلُهُ ، فَأَقْتُلُ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ ، فَأَدْخُلُ النَّارَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ ، مَا بَقِيَ مَعَنَا "
وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمَا : أَنَّ النَّاسَ لَمَّا قَفَلُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ قَالَ لَهُ ابْنُهُ : وَرَاءَكَ . فَقَالَ : مَا لَكَ ؟ وَيْلَكَ . فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا تَجُوزُ مِنْ هَا هُنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ الْعَزِيزُ وَأَنْتَ الذَّلِيلُ . فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ إِنَّمَا يَسِيرُ سَاقَةً فَشَكَا إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنَهُ ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى تَأْذَنَ لَهُ . فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَمَا إِذْ أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجُزِ الْآنَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَارُونَ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِأَبِيهِ : وَاللَّهِ لَا تَدْخُلِ الْمَدِينَةَ أَبَدًا حَتَّى تَقُولَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعَزُّ وَأَنَا الْأَذَلُّ . قَالَ : وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَ أَبِي ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا تَأَمَّلْتُ وَجْهَهُ قَطُّ هَيْبَةً لَهُ ، لَئِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ بِرَأْسِهِ لَآتِيَنَّكَ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى قَاتِلَ أَبِي
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُنَافِقِينَ - عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ - أَنَّهُمْ ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ) أَيْ : صَدُّوا وَأَعْرَضُوا عَمَّا قِيلَ لَهُمُ اسْتِكْبَارًا عَنْ ذَلِكَ ، وَاحْتِقَارًا لِمَا قِيلَ لَهُمْ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ) ثُمَّ جَازَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : ( سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِيرَادُ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ هُنَالِكَ .
127
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ قَالَ : قَالَ سُفْيَانُ ( لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ ) قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ : حَوَّلَ سُفْيَانُ وَجْهَهُ عَلَى يَمِينِهِ ، وَنَظَرَ بِعَيْنِهِ شَزْرًا ، ثُمَّ قَالَ : هُمْ هَذَا .
وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّ هَذَا السِّيَاقَ كُلَّهُ نَزَلَ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ كَمَا سَنُورِدُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَبِهِ الثِّقَةُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ .
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ : وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ - يَعْنِي مَرْجِعَهُ مِنْ أُحُدٍ - وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ - كَمَا حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ - لَهُ مَقَامٌ يَقُومُهُ كُلَّ جُمُعَةٍ لَا يُنْكَرُ ، شَرَفًا لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمِنْ قَوْمِهِ ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا ، إِذَا جَلَسَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ قَامَ ، فَقَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ، أَكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ ، وَأَعَزَّكُمْ بِهِ ، فَانْصُرُوهُ وَعَزِّرُوهُ ، وَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا . ثُمَّ جَلَسَ ، حَتَّى إِذَا صَنَعَ يَوْمَ أُحُدٍ مَا صَنَعَ - يَعْنِي مَرْجِعَهُ بِثُلُثِ الْجَيْشِ - وَرَجَعَ النَّاسُ قَامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ ، فَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ بِثِيَابِهِ مِنْ نَوَاحِيهِ وَقَالُوا : اجْلِسْ ، أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ ، لَسْتَ لِذَلِكَ بِأَهْلٍ ، وَقَدْ صَنَعْتَ مَا صَنَعْتَ . فَخَرَجَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَهُوَ يَقُولُ : وَاللَّهِ لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا ; أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ . فَلَقِيَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا : وَيْلَكَ . مَا لَكَ ؟ قَالَ : قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ ، فَوَثَبَ عَلَيَّ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَجْذِبُونَنِي وَيُعَنِّفُونَنِي ، لَكَأَنَّمَا قُلْتُ بَجْرًا ، أَنْ قُمْتُ أُشَدِّدُ أَمْرَهُ . قَالُوا : وَيْلَكَ . ارْجِعْ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَبْتَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي
وَقَالَ قَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَذَلِكَ أَنَّ غُلَامًا مِنْ قَرَابَتِهِ انْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ عَنْهُ وَأَمْرٍ شَدِيدٍ ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا هُوَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ وَيَتَبَرَّأُ مِنْ ذَلِكَ ، وَأَقْبَلَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى ذَلِكَ الْغُلَامِ فَلَامُوهُ وعَذَمُوهُ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ ، وَقِيلَ لِعَدُوِّ اللَّهِ : لَوْ أَتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَجَعَلَ يَلْوِي رَأْسَهُ ، أَيْ : لَسْتُ فَاعِلًا
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا لَمْ يَرْتَحِلْ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَالَ : ( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) فَارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ آخِرَ النَّهَارِ ، وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ : ائْتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ )
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ . وَقَوْلُهُ : إِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فِيهِ نَظَرٌ ، بَلْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ; فَإِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ خَرَجَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَلْ رَجَعَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْجَيْشِ . وَإِنَّمَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ .
128
قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فِي قِصَّةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ : فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ مُقِيمٌ هُنَاكَ ، اقْتَتَلَ عَلَى الْمَاءِ جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ الْغِفَارِيُّ - وَكَانَ أَجِيرًا - لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَسِنَانُ بْنُ وَبْرٍ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قَالَ : ازْدَحَمَا عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلَا ، فَقَالَ سِنَانٌ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ . وَقَالَ الْجَهْجَاهُ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ - وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ، وَنَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - فَلَمَّا سَمِعَهَا قَالَ : قَدْ ثَاوَرُونَا فِي بِلَادِنَا . وَاللَّهِ مَا مَثَلُنَا وَجَلَابِيبُ قُرَيْشٍ هَذِهِ إِلَّا كَمَا قَالَ الْقَائِلُ : " سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ " . وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . ثُمَّ أَقْبَلُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ مِنْ قَوْمِهِ وَقَالَ : هَذَا مَا صَنَعْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ ، أَحْلَلْتُمُوهُمْ بِلَادَكُمْ ، وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالَكُمْ ، أَمَا وَاللَّهِ لَوْ كَفَفْتُمْ عَنْهُمْ لَتَحَوَّلُوا عَنْكُمْ فِي بِلَادِكُمْ إِلَى غَيْرِهَا . فَسَمِعَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ فَذَهَبَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ غُلَيْمٌ - وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مُرْ عَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ . فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " فَكَيْفَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ - يَا عُمَرُ - أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ؟ لَا ، وَلَكِنْ نَادِ يَا عُمَرُ فِي الرَّحِيلِ " .
فَلَمَّا بَلَغَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتَاهُ فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ ، وَحَلَفَ بِاللَّهِ مَا قَالَ مَا قَالَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ - وَكَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ بِمَكَانٍ - فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ أَوْهَمَ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَالَ الرَّجُلُ .
وَرَاحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُهَجِّرًا فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَرُوحُ فِيهَا ، فَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ رُحْتَ فِي سَاعَةٍ مُنْكَرَةٍ مَا كُنْتَ تَرُوحُ فِيهَا . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ابْنُ أُبَيٍّ ؟ . زَعَمَ أَنَّهُ إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَيُخْرِجُ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ " . قَالَ : فَأَنْتَ - يَا رَسُولَ اللَّهِ - الْعَزِيزُ وَهُوَ الذَّلِيلُ . ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ارْفُقْ بِهِ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِكَ وَإِنَّا لَنَنْظِمُ لَهُ الْخَرَزَ لِنُتَوِّجَهُ ، فَإِنَّهُ لَيَرَى أَنْ قَدِ اسْتَلَبْتَهُ مُلْكًا .
فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاسِ حَتَّى أَمْسَوْا لَيْلَتَهُ حَتَّى أَصْبَحُوا ، وَصَدَرَ يَوْمَهُ حَتَّى اشْتَدَّ الضُّحَى . ثُمَّ نَزَلَ بِالنَّاسِ لِيَشْغَلَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنَ الْحَدِيثِ ، فَلَمْ يَأْمَنِ النَّاسُ أَنْ وَجَدُوا مَسَّ الْأَرْضِ فَنَامُوا ، وَنَزَلَتْ سُورَةُ " الْمُنَافِقِينَ "
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ ، أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَالَلْأَنْصَارِ . وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا لَلْمُهَاجِرِينَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ؟ دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ " . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ - وَقَدْ فَعَلُوهَا - : وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا 129 إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ جَابِرٌ : وَكَانَ الْأَنْصَارُ بِالْمَدِينَةِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ كَثُرَ الْمُهَاجِرُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالَ عُمَرُ : دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " دَعْهُ ; لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ "
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنِ الْحُمَيْدِيِّ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، وَغَيْرِهِ ، عَنْ سُفْيَانَ بِهِ نَحْوَهُ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ : فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ ، قَالَ : فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : فَلَامَنِي قَوْمِي وَقَالُوا : مَا أَرَدْتَ إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : فَانْطَلَقْتُ ، فَنِمْتُ كَئِيبًا حَزِينًا ، قَالَ : فَأَرْسَلَ إِلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ عُذْرَكَ وَصَدَّقَكَ " . قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) حَتَّى بَلَغَ : ( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ )
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ، عَنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ ، عَنْ شُعْبَةَ ، ثُمَّ قَالَ : " وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ زَيْدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ ، التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، عِنْدَهَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، قَالَ : سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ ، - وَقَالَ ابْنُ أَبِي بُكَيْرٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ عَمِّي فِي غَزَاةٍ ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي فَذَكَرَهُ عَمِّي لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَدَّثْتُهُ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَأَصْحَابِهِ ، فَحَلَفُوا مَا قَالُوا : فَكَذَّبَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَدَّقَهُ ، فَأَصَابَنِي هَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ ، وَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ ، فَقَالَ عَمِّي : مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَقَتَكَ . قَالَ : حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) قَالَ : فَبَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيَّ ، ثُمَّ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ صَدَّقَكَ "
ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ : أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ 130 بْنَ أَرْقَمَ يَقُولُ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ ، فَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ لِأَصْحَابِهِ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ . وَقَالَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ ، فَاجْتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ . فَقَالُوا : كَذَبَ زَيْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ . فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مَا قَالُوا ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقِي : ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ) قَالَ : وَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ ، فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) قَالَ : كَانُوا رِجَالًا أَجْمَلَ شَيْءٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زُهَيْرٍ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ إِسْرَائِيلَ ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيِّ الْهَمْدَانِيِّ الْكُوفِيِّ ، عَنْ زَيْدٍ بِهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ زَيْدٍ : قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ مَعَنَا أُنَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ ، فَكُنَّا نَبْتَدِرُ الْمَاءَ ، وَكَانَ الْأَعْرَابُ يَسْبِقُونَنَا يَسْبِقُ الْأَعْرَابِيُّ أَصْحَابَهُ يَمْلَأُ الْحَوْضَ ، وَيَجْعَلُ حَوْلَهُ حِجَارَةً ، وَيَجْعَلُ النَّطْعَ عَلَيْهِ حَتَّى يَجِيءَ أَصْحَابُهُ . قَالَ : فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَعْرَابِيَّ ، فَأَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ لِتَشْرَبَ ، فَأَبَى أَنْ يَدَعَهُ ، فَانْتَزَعَ حَجَرًا فَفَاضَ الْمَاءُ ، فَرَفَعَ الْأَعْرَابِيُّ خَشَبَةً ، فَضَرَبَ بِهَا رَأْسَ الْأَنْصَارِيِّ فَشَجَّهُ ، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ ، فَأَخْبَرَهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ - فَغَضِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ، ثُمَّ قَالَ : لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِهِ - يَعْنِي الْأَعْرَابَ - وَكَانُوا يَحْضُرُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ الطَّعَامِ . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ : إِذَا انْفَضُّوا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ فَائْتُوا مُحَمَّدًا بِالطَّعَامِ ، فَلْيَأْكُلْ هُوَ وَمَنْ عِنْدَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيُخْرِجِ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ زَيْدٌ : وَأَنَا رِدْفُ عَمِّي ، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ فَأَخْبَرْتُ عَمِّي ، فَانْطَلَقَ ، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ، فَحَلَفَ وَجَحَدَ ، قَالَ : فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَّبَنِي ، فَجَاءَ إِلَيَّ عَمِّي فَقَالَ : مَا أَرَدْتَ إِلَّا أَنَّ مَقَتَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَذَّبَكَ الْمُسْلِمُونَ . فَوَقَعَ عَلَيَّ مِنَ الْغَمِّ مَا لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ قَطُّ ، فَبَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ وَقَدْ خَفَقْتُ بِرَأْسِي مِنَ الْهَمِّ ، إِذْ أَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَرَكَ أُذُنِي ، وَضَحِكَ فِي وَجْهِي ، فَمَا كَانَ يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا الْخُلْدَ فِي الدُّنْيَا ، ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَحِقَنِي وَقَالَ : مَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ : مَا قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنْ عَرَكَ أُذُنِي وَضَحِكَ فِي وَجْهِي . فَقَالَ : أَبْشِرْ . ثُمَّ لَحِقَنِي عُمَرُ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِي بَكْرٍ . فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحْنَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةَ " الْمُنَافِقِينَ " .
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ ، عَنِ 131 الْحَاكِمِ ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحْبُوبِيِّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى بِهِ ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ : " سُورَةُ الْمُنَافِقِينَ " ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ) حَتَّى بَلَغَ : ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) حَتَّى بَلَغَ : ( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ )
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْمَغَازِي - وَكَذَا ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ أَيْضًا هَذِهِ الْقِصَّةَ بِهَذَا السِّيَاقِ ، وَلَكِنْ جَعَلَا الَّذِي بَلَّغَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَامَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ إِنَّمَا هُوَ أَوْسُ بْنُ أَرْقَمَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ . فَلَعَلَّهُ مُبَلِّغٌ آخَرُ ، أَوْ تَصْحِيفٌ مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَزِيزٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلَامَةُ ، حَدَّثَنِي ، عُقَيْلٌ ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، وَعَمْرَو بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيَّ ، أَخْبَرَاهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَزَا غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ ، وَهِيَ الَّتِي هَدَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا مَنَاةَ الطَّاغِيَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ قَفَا الْمُشَلَّلِ وَبَيْنَ الْبَحْرِ ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَكَسَرَ مَنَاةَ ، فَاقْتَتَلَ رَجُلَانِ فِي غَزْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تِلْكَ ، أَحَدُهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالْآخَرُ مَنْ بَهْزٍ وَهُمْ حُلَفَاءُ الْأَنْصَارِ فَاسْتَعْلَى الرَّجُلُ الَّذِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى الْبَهْزِيِّ ، فَقَالَ الْبَهْزِيُّ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فَنَصَرَهُ رِجَالٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَصَرَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَانَ بَيْنَ أُولَئِكَ الرِّجَالِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالرِّجَالِ مِنَ الْأَنْصَارِ شَيْءٌ مِنَ الْقِتَالِ ، ثُمَّ حُجِزَ بَيْنَهُمْ فَانْكَفَأَ كُلُّ مُنَافِقٍ - أَوْ : رَجُلٍ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ - إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَقَالَ : قَدْ كُنْتَ تُرْجَى ، وَتَدْفَعُ ، فَأَصْبَحْتَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ ، قَدْ تَنَاصَرَتْ عَلَيْنَا الْجَلَابِيبُ - وَكَانُوا يَدْعُونَ كُلَّ حَدِيثِ هِجْرَةٍ الْجَلَابِيبَ - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ عَدُوُّ اللَّهِ : وَاللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . قَالَ مَالِكُ بْنُ الدَّخْشُمِ - وَكَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ - : أَوَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا . فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ أَفْتَنَ النَّاسَ ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ - يُرِيدُ عُمَرُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُمَرَ : " أَوَ قَاتِلُهُ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ ؟ " . قَالَ : عُمَرُ نَعَمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اجْلِسْ " . فَأَقْبَلَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ - وَهُوَ أَحَدُ الْأَنْصَارِ ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ائْذَنْ لِي فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي قَدْ أَفْتَنَ النَّاسَ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَهُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " أَوَقَاتِلُهُ أَنْتَ إِنْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ ؟ " . قَالَ : نَعَمْ ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرْتَنِي بِقَتْلِهِ لَأَضْرِبَنَّ بِالسَّيْفِ تَحْتَ قُرْطِ أُذُنَيْهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " اجْلِسْ " . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " آذِنُوا بِالرَّحِيلِ " . فَهَجَّرَ بِالنَّاسِ ، فَسَارَ 132 يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ وَالْغَدَ حَتَّى مَتَعَ النَّهَارُ ، ثُمَّ نَزَلَ . ثُمَّ هَجَّرَ بِالنَّاسِ مِثْلَهَا ، فَصَبَّحَ بِالْمَدِينَةِ فِي ثَلَاثٍ سَارَهَا مِنْ قَفَا الْمُشَلَّلِ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَدَعَاهُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : " أَيْ عُمَرُ ، أَكُنْتَ قَاتِلَهُ لَوْ أَمَرْتُكَ بِقَتْلِهِ ؟ " قَالَ عُمَرُ : نَعَمْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتَهُ يَوْمَئِذٍ لَأَرْغَمْتَ أُنُوفَ رِجَالٍ لَوْ أَمَرْتُهُمُ الْيَوْمَ بِقَتْلِهِ امْتَثَلُوهُ فَيَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي قَدْ وَقَعْتُ عَلَى أَصْحَابِي فَأَقْتُلُهُمْ صَبْرًا " . وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ) إِلَى قَوْلِهِ : ( لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) الْآيَةَ .
وَهَذَا سِيَاقٌ غَرِيبٌ ، وَفِيهِ أَشْيَاءُ نَفِيسَةٌ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِيهِ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ : حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ - يَعْنِي لَمَّا بَلَغَهُ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أَبِيهِ - أَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيمَا بَلَغَكَ عَنْهُ ، فَإِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَمُرْنِي بِهِ ، فَأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ رَأْسَهُ ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَتِ الْخَزْرَجُ مَا كَانَ لَهَا مِنْ رَجُلٍ أَبَرَّ بِوَالِدِهِ مِنِّي ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ تَأْمُرَ بِهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ ، فَلَا تَدَعُنِي نَفْسِي أَنْظُرُ إِلَى قَاتِلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَمْشِي فِي النَّاسِ ، فَأَقْتُلُهُ ، فَأَقْتُلُ مُؤْمِنًا بِكَافِرٍ ، فَأَدْخُلُ النَّارَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " بَلْ نَتَرَفَّقُ بِهِ وَنُحْسِنُ صُحْبَتَهُ ، مَا بَقِيَ مَعَنَا "
وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ ، وَابْنُ زَيْدٍ ، وَغَيْرُهُمَا : أَنَّ النَّاسَ لَمَّا قَفَلُوا رَاجِعِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ قَالَ لَهُ ابْنُهُ : وَرَاءَكَ . فَقَالَ : مَا لَكَ ؟ وَيْلَكَ . فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا تَجُوزُ مِنْ هَا هُنَا حَتَّى يَأْذَنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُ الْعَزِيزُ وَأَنْتَ الذَّلِيلُ . فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ إِنَّمَا يَسِيرُ سَاقَةً فَشَكَا إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنَهُ ، فَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا حَتَّى تَأْذَنَ لَهُ . فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : أَمَا إِذْ أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجُزِ الْآنَ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فِي مُسْنَدِهِ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو هَارُونَ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِأَبِيهِ : وَاللَّهِ لَا تَدْخُلِ الْمَدِينَةَ أَبَدًا حَتَّى تَقُولَ : رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَعَزُّ وَأَنَا الْأَذَلُّ . قَالَ : وَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَ أَبِي ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا تَأَمَّلْتُ وَجْهَهُ قَطُّ هَيْبَةً لَهُ ، لَئِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ بِرَأْسِهِ لَآتِيَنَّكَ ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَرَى قَاتِلَ أَبِي
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith