تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ( 17 ) وَلَا يَسْتَثْنُونَ ( 18 ) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ( 20 ) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ( 21 ) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ( 22 ) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ( 23 ) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ( 24 ) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ( 25 ) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ( 26 ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 27 ) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ( 28 ) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ( 29 ) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ( 30 ) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ( 31 ) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ( 32 ) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ( 33 ) )
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ فِيمَا أَهْدَى إِلَيْهِمْ مِنَ الرَّحْمَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ الْجَسِيمَةِ ، وَهُوَ بَعْثُهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ ، فَقَابَلُوهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ وَالْمُحَارَبَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ ) أَيِ : اخْتَبَرْنَاهُمْ ، ( كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) وَهِيَ الْبُسْتَانُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الثِّمَارِ 196 وَالْفَوَاكِهِ ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ) أَيْ : حَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَيَجُذُّنَّ ثَمَرَهَا لَيْلًا لِئَلَّا يَعْلَمَ بِهِمْ فَقِيرٌ وَلَا سَائِلٌ ، لِيَتَوَفَّرَ ثَمَرُهَا عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَصَدَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ ، ( وَلَا يَسْتَثْنُونَ ) أَيْ : فِيمَا حَلَفُوا بِهِ . وَلِهَذَا حَنَّثَهُمُ اللَّهُ فِي أَيْمَانِهِمْ ، فَقَالَ : ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ) أَيْ : أَصَابَتْهَا آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ ، ( فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ كَاللَّيْلِ الْأَسْوَدِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ : مِثْلَ الزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ ، أَيْ هَشِيمًا يَبَسًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الصَّبَّاحِ : أَنْبَأَنَا بِشْرُ بْنُ زَاذَانَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ صُبْحٍ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِيَّاكُمْ وَالْمَعَاصِيَ ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ بِهِ رِزْقًا قَدْ كَانَ هُيِّئَ لَهُ " ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ .
( فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ) أَيْ : لَمَّا كَانَ وَقْتُ الصُّبْحِ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَذْهَبُوا إِلَى الْجُذَاذِ .
( أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ) أَيْ : تُرِيدُونَ الصِرَامَ . قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا .
( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) أَيْ : يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَيْثُ لَا يُسْمِعُونَ أَحَدًا كَلَامَهُمْ . ثُمَّ فَسَّرَ اللَّهُ عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجْوَى مَا كَانُوا يَتَخَافَتُونَ بِهِ ، فَقَالَ : ( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ) أَيْ : يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : لَا تُمَكِّنُوا الْيَوْمَ فَقِيرًا يَدْخُلُهَا عَلَيْكُمْ !
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ ) أَيْ : قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ ) أَيْ : جِدٍّ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : غَيْظٍ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : ( عَلَى حَرْدٍ ) عَلَى الْمَسَاكِينِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( عَلَى حَرْدٍ ) أَيْ : كَانَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ حَرْدًا . فَأَبْعَدَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ هَذَا !
( قَادِرِينَ ) أَيْ : عَلَيْهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ وَيَرُومُونَ .
( فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ) أَيْ : فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا وَأَشْرَفُوا عَلَيْهَا ، وَهِيَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَدِ اسْتَحَالَتْ عَنْ تِلْكَ النَّضَارَةِ ، وَالزَّهْرَةِ ، وَكَثْرَةِ الثِّمَارِ إِلَى أَنْ صَارَتْ سَوْدَاءَ مُدْلَهِمَّةً ، لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَخْطَئُوا الطَّرِيقَ ; وَلِهَذَا قَالُوا : ( إِنَّا لَضَالُّونَ ) أَيْ : قَدْ سَلَكْنَا إِلَيْهَا غَيْرَ الطَّرِيقِ فَتُهْنَا عَنْهَا . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ . ثُمَّ رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهَا هِيَ فَقَالُوا : ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) أَيْ : بَلْ هَذِهِ هِيَ ، وَلَكِنْ نَحْنُ لَا حَظَّ لَنَا وَلَا نَصِيبَ .
( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وقَتَادَةُ : أَيْ : أَعْدَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ : ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) ! قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : ( لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) أَيْ : لَوْلَا تَسْتَثْنُونَ . قَالَ السُّدِّيُّ : وَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ تَسْبِيحًا .
197
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) أَيْ : هَلَّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، ( قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) أَتَوْا بِالطَّاعَةِ حَيْثُ لَا تَنْفَعُ ، وَنَدِمُوا وَاعْتَرَفُوا حَيْثُ لَا يَنْجَعُ ; وَلِهَذَا قَالُوا : ( إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ) أَيْ : يَلُومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى مَا كَانُوا أَصَرُّوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْمَسَاكِينِ مِنْ حَقِّ الْجُذَاذِ ، فَمَا كَانَ جَوَابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِلَّا الِاعْتِرَافَ بِالْخَطِيئَةِ وَالذَّنْبِ ، ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ) أَيِ : اعْتَدَيْنَا وَبَغَيْنَا وَطَغَيْنَا وَجَاوَزْنَا الْحَدَّ حَتَّى أَصَابَنَا مَا أَصَابَنَا ، ( عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ) قِيلَ : رَغِبُوا فِي بَذْلِهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : احْتَسَبُوا ثَوَابَهَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانُوا مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا ضَرَوَانُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ صَنْعَاءَ . وَقِيلَ : كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَ أَبُوهُمْ قَدْ خَلَّفَ لَهُمْ هَذِهِ الْجَنَّةَ ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُمْ يَسِيرُ فِيهَا سِيرَةً حَسَنَةً ، فَكَانَ مَا اسْتَغَلَّهُ مِنْهَا يَرُدُّ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ، وَيَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَاضِلِ . فَلَمَّا مَاتَ وَرِثَهُ بَنُوهُ ، قَالُوا : لَقَدْ كَانَ أَبُونَا أَحْمَقَ إِذْ كَانَ يَصْرِفُ مِنْ هَذِهِ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ ، وَلَوْ أَنَّا مَنَعْنَاهُمْ لَتَوَفَّرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا . فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ عُوقِبُوا بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِأَيْدِيهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَرَأْسَ الْمَالِ ، وَالرِّبْحَ ، وَالصَّدَقَةَ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَيْءٌ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( كَذَلِكَ الْعَذَابُ ) أَيْ : هَكَذَا عَذَابُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَبَخِلَ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَمَنَعَ حَقَّ الْمِسْكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ ، وَبَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : هَذِهِ عُقُوبَةُ الدُّنْيَا كَمَا سَمِعْتُمْ ، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْجِدَادِ بِاللَّيْلِ ، وَالْحَصَادِ بِاللَّيْلِ .
هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ فِيمَا أَهْدَى إِلَيْهِمْ مِنَ الرَّحْمَةِ الْعَظِيمَةِ ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ الْجَسِيمَةِ ، وَهُوَ بَعْثُهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِمْ ، فَقَابَلُوهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ وَالْمُحَارَبَةِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ ) أَيِ : اخْتَبَرْنَاهُمْ ، ( كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) وَهِيَ الْبُسْتَانُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الثِّمَارِ 196 وَالْفَوَاكِهِ ( إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ) أَيْ : حَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَيَجُذُّنَّ ثَمَرَهَا لَيْلًا لِئَلَّا يَعْلَمَ بِهِمْ فَقِيرٌ وَلَا سَائِلٌ ، لِيَتَوَفَّرَ ثَمَرُهَا عَلَيْهِمْ وَلَا يَتَصَدَّقُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ ، ( وَلَا يَسْتَثْنُونَ ) أَيْ : فِيمَا حَلَفُوا بِهِ . وَلِهَذَا حَنَّثَهُمُ اللَّهُ فِي أَيْمَانِهِمْ ، فَقَالَ : ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ) أَيْ : أَصَابَتْهَا آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ ، ( فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَيْ كَاللَّيْلِ الْأَسْوَدِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالسُّدِّيُّ : مِثْلَ الزَّرْعِ إِذَا حُصِدَ ، أَيْ هَشِيمًا يَبَسًا .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذُكِرَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الصَّبَّاحِ : أَنْبَأَنَا بِشْرُ بْنُ زَاذَانَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ صُبْحٍ ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إِيَّاكُمْ وَالْمَعَاصِيَ ، إِنَّ الْعَبْدَ لَيُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُحْرَمُ بِهِ رِزْقًا قَدْ كَانَ هُيِّئَ لَهُ " ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) قَدْ حُرِمُوا خَيْرَ جَنَّتِهِمْ بِذَنْبِهِمْ .
( فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ) أَيْ : لَمَّا كَانَ وَقْتُ الصُّبْحِ نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا لِيَذْهَبُوا إِلَى الْجُذَاذِ .
( أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ) أَيْ : تُرِيدُونَ الصِرَامَ . قَالَ مُجَاهِدٌ : كَانَ حَرْثُهُمْ عِنَبًا .
( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ) أَيْ : يَتَنَاجَوْنَ فِيمَا بَيْنَهُمْ بِحَيْثُ لَا يُسْمِعُونَ أَحَدًا كَلَامَهُمْ . ثُمَّ فَسَّرَ اللَّهُ عَالِمُ السِّرِّ وَالنَّجْوَى مَا كَانُوا يَتَخَافَتُونَ بِهِ ، فَقَالَ : ( فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ) أَيْ : يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : لَا تُمَكِّنُوا الْيَوْمَ فَقِيرًا يَدْخُلُهَا عَلَيْكُمْ !
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ ) أَيْ : قُوَّةٍ وَشِدَّةٍ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ ) أَيْ : جِدٍّ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : غَيْظٍ . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : ( عَلَى حَرْدٍ ) عَلَى الْمَسَاكِينِ . وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( عَلَى حَرْدٍ ) أَيْ : كَانَ اسْمُ قَرْيَتِهِمْ حَرْدًا . فَأَبْعَدَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ هَذَا !
( قَادِرِينَ ) أَيْ : عَلَيْهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ وَيَرُومُونَ .
( فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ) أَيْ : فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا وَأَشْرَفُوا عَلَيْهَا ، وَهِيَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ ، عَزَّ وَجَلَّ ، قَدِ اسْتَحَالَتْ عَنْ تِلْكَ النَّضَارَةِ ، وَالزَّهْرَةِ ، وَكَثْرَةِ الثِّمَارِ إِلَى أَنْ صَارَتْ سَوْدَاءَ مُدْلَهِمَّةً ، لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْهَا ، فَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَخْطَئُوا الطَّرِيقَ ; وَلِهَذَا قَالُوا : ( إِنَّا لَضَالُّونَ ) أَيْ : قَدْ سَلَكْنَا إِلَيْهَا غَيْرَ الطَّرِيقِ فَتُهْنَا عَنْهَا . قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ . ثُمَّ رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ ، وَتَيَقَّنُوا أَنَّهَا هِيَ فَقَالُوا : ( بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ) أَيْ : بَلْ هَذِهِ هِيَ ، وَلَكِنْ نَحْنُ لَا حَظَّ لَنَا وَلَا نَصِيبَ .
( قَالَ أَوْسَطُهُمْ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَالضَّحَّاكُ ، وقَتَادَةُ : أَيْ : أَعْدَلُهُمْ وَخَيْرُهُمْ : ( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) ! قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَالسُّدِّيُّ ، وَابْنُ جُرَيْجٍ : ( لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) أَيْ : لَوْلَا تَسْتَثْنُونَ . قَالَ السُّدِّيُّ : وَكَانَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ تَسْبِيحًا .
197
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : هُوَ قَوْلُ الْقَائِلِ : إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : ( قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ) أَيْ : هَلَّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وَتَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ ، ( قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ) أَتَوْا بِالطَّاعَةِ حَيْثُ لَا تَنْفَعُ ، وَنَدِمُوا وَاعْتَرَفُوا حَيْثُ لَا يَنْجَعُ ; وَلِهَذَا قَالُوا : ( إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ) أَيْ : يَلُومُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى مَا كَانُوا أَصَرُّوا عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ الْمَسَاكِينِ مِنْ حَقِّ الْجُذَاذِ ، فَمَا كَانَ جَوَابُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إِلَّا الِاعْتِرَافَ بِالْخَطِيئَةِ وَالذَّنْبِ ، ( قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ) أَيِ : اعْتَدَيْنَا وَبَغَيْنَا وَطَغَيْنَا وَجَاوَزْنَا الْحَدَّ حَتَّى أَصَابَنَا مَا أَصَابَنَا ، ( عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ) قِيلَ : رَغِبُوا فِي بَذْلِهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : احْتَسَبُوا ثَوَابَهَا فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
ثُمَّ قَدْ ذَكَرَ بَعْضُ السَّلَفِ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : كَانُوا مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا ضَرَوَانُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ صَنْعَاءَ . وَقِيلَ : كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْحَبَشَةِ - وَكَانَ أَبُوهُمْ قَدْ خَلَّفَ لَهُمْ هَذِهِ الْجَنَّةَ ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَقَدْ كَانَ أَبُوهُمْ يَسِيرُ فِيهَا سِيرَةً حَسَنَةً ، فَكَانَ مَا اسْتَغَلَّهُ مِنْهَا يَرُدُّ فِيهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهَا ، وَيَدَّخِرُ لِعِيَالِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ ، وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَاضِلِ . فَلَمَّا مَاتَ وَرِثَهُ بَنُوهُ ، قَالُوا : لَقَدْ كَانَ أَبُونَا أَحْمَقَ إِذْ كَانَ يَصْرِفُ مِنْ هَذِهِ شَيْئًا لِلْفُقَرَاءِ ، وَلَوْ أَنَّا مَنَعْنَاهُمْ لَتَوَفَّرَ ذَلِكَ عَلَيْنَا . فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى ذَلِكَ عُوقِبُوا بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا بِأَيْدِيهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ ، وَرَأْسَ الْمَالِ ، وَالرِّبْحَ ، وَالصَّدَقَةَ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ شَيْءٌ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( كَذَلِكَ الْعَذَابُ ) أَيْ : هَكَذَا عَذَابُ مَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَبَخِلَ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ ، وَمَنَعَ حَقَّ الْمِسْكِينِ وَالْفُقَرَاءِ وَذَوِي الْحَاجَاتِ ، وَبَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا ( وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : هَذِهِ عُقُوبَةُ الدُّنْيَا كَمَا سَمِعْتُمْ ، وَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنِ الْجِدَادِ بِاللَّيْلِ ، وَالْحَصَادِ بِاللَّيْلِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith