تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثامن
page 1896 · printed p. 231
231 تَفْسِيرُ سُورَةِ نُوحٍ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ( 1 ) قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 2 ) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ( 3 ) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 4 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى قَوْمِهِ آمِرًا لَهُ أَنْ يُنْذِرَهُمْ بَأْسَ اللَّهِ قَبْلَ حُلُولِهِ بِهِمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا رَفْعَ عَنْهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) أَيْ : بَيِّنُ النِّذَارَةِ ، ظَاهِرُ الْأَمْرِ وَاضِحُهُ .
( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ) أَيِ : اتْرُكُوا مَحَارِمَهُ وَاجْتَنِبُوا مَآثِمَهُ ) وَأَطِيعُونِ ) فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ .
( يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) أَيْ : إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ وَصَدَّقْتُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .
وَ " مِنْ " هَاهُنَا قِيلَ : إِنَّهَا زَائِدَةٌ . وَلَكِنَّ الْقَوْلَ بِزِيَادَتِهَا فِي الْإِثْبَاتِ قَلِيلٌ . وَمِنْهُ قَوْلُ بَعْضِ الْعَرَبِ : " قَدْ كَانَ مِنْ مَطَرٍ " . وَقِيلَ : إِنَّهَا بِمَعْنَى " عَنْ " ، تَقْدِيرُهُ : يَصْفَحُ لَكُمْ عَنْ ذُنُوبِكُمْ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقِيلَ : إِنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ ، أَيْ يَغْفِرُ لَكُمُ الذُّنُوبَ الْعِظَامَ الَّتِي وَعَدَكُمْ عَلَى ارْتِكَابِكُمْ إِيَّاهَا الِانْتِقَامَ .
( وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) أَيْ : يَمُدُّ فِي أَعْمَارِكُمْ وَيَدْرَأُ عَنْكُمُ الْعَذَابَ الَّذِي إِنْ لَمْ تَنْزَجِرُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، أَوْقَعَهُ بِكُمْ .
وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ الطَّاعَةَ وَالْبِرَّ وَصِلَةَ الرَّحِمِ ، يُزَادُ بِهَا فِي الْعُمْرِ حَقِيقَةً ; كَمَا وَرَدَ بِهِ الْحَدِيثُ : ۝ " صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ " .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أَيْ : بَادِرُوا بِالطَّاعَةِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ ، فَإِنَّهُ إِذَا أَمَرَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى بِكَوْنِ ذَلِكَ لَا يُرَدُّ وَلَا يُمَانَعُ ، فَإِنَّهُ الْعَظِيمُ الَّذِي قَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ ، الْعَزِيزُ الَّذِي دَانَتْ لِعِزَّتِهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith