تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثاني
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ( 30 ) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ( 31 ) )
نَهَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ ، أَيْ : بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا ، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ : إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا - قَالَ : هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) ] قَالَ : إِنَّهَا [ كَلِمَةٌ ] مَحْكَمَةٌ ، مَا نُسِخَتْ ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) قَالَ الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ ، فَكَيْفَ لِلنَّاسِ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ : ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ) [ النُّورِ : 61 ] الْآيَةَ ، [ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) قُرِئَ : تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ . كَمَا قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) [ الْأَنْعَامِ : 151 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ) [ الدُّخَانِ : 56 ] .
269
وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [ رَحِمَهُ اللَّهُ ] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصًّا ، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ ، وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا ، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ فِي الْمُحَقَّرَاتِ ، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا ، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) بَيْعًا أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ ثُمَّ ] قَالَ :
وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ وَالْخِيَارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ مُسْلِمًا " . هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ .
وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ : " إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " .
وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ [ بْنُ حَنْبَلٍ ] وَأَصْحَابُهُمَا ، وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، [ كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) أَيْ : بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) أَيْ : فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ [ عَزَّ 270 وَجَلَّ ] ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْهُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَهَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ الْبَلْخِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خِفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ] ) قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ ، يَجَأُ بِهَا بَطْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَهُوَ مُتَرَدٍّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْحٌ ، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَرَ بِهَا يَدَهُ ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " .
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ) أَيْ : وَمَنْ يَتَعَاطَى مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ مُتَعَدِّيًا 271 فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ ، أَيْ : عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ( فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ] ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ ، فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) . أَيْ : إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَنَسٍ [ يَرْفَعُهُ ] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا ، عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ ، يَقُولُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) " .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَرْثَعٍ الضَّبِّيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ؟ " قُلْتُ : هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ . قَالَ : " لَكِنْ أَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فَيُحْسِنُ طُهُورَهُ ، ثُمَّ يَأْتِي الْجُمُعَةَ فَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ ، إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ ، مَا اجْتُنِبَتِ الْمَقْتَلَةُ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى الْعُتْوَارِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ " - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ أَكَبَّ ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي ، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ، فَقَالَ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ : ادْخُلْ بِسَلَامٍ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ .
272
تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ :
وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ عَوْفٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ، أَوَّلُهَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَاتِ ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ " .
فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي ، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ - يَعْنِي عُمَيْرَ بْنَ قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : " أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ مَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ وَيَحْتَسِبُ صَوْمَهُ ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَيُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ يَحْتَسِبُهَا ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا " . ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ : " تِسْعٌ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، ثُمَّ قَالَ : لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ مِنْ ذَهَبٍ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ .
273
قُلْتُ : وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ : عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ : قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : " لَا أُقْسِمُ ، لَا أُقْسِمُ " . ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ : " أَبْشِرُوا ، أَبْشِرُوا ، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ : ادْخُلْ " . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ : " بِسَلَامٍ " . قَالَ الْمُطَّلِبُ : سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو : أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهُنَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ : " عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَإِشْرَاكٌ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا " .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ : قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّجَدَاتِ ، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ : مَا هِيَ ؟ قُلْتُ : أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ . قُلْتُ : وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ - بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَةُ - قَالَ : هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا ، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ . قَالَ زِيَادٌ : وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ : فَرَقِي . قَالَ : أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قُلْتُ : عِنْدِي أُمِّي . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ فِي ظِلِّ أَرَاكٍ يَوْمَ 274 عَرَفَةَ ، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ ؟ قَالَ : هِيَ تِسْعٌ . قُلْتُ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ - قَالَ : قُلْتُ : قَبْلَ الْقَتْلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَرُغْمًا - وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَإِلْحَادٌ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ ، قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا .
هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ [ النَّهْدِيِّ ] قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ، وَهُوَ تَحْتَ ظِلِّ أَرَاكَةٍ ، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " هُنَّ سَبْعٌ " . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ - قَالَ : قُلْتُ : قَبْلَ الدَّمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَرُغْمًا - وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَإِلْحَادٌ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا " .
وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ - وَفِيهِ ضَعْفٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ بُحَيْرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ : أَنَّ أَبَا رُهْمٍ السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ، فَلَهُ الْجَنَّةُ - أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ " فَسَأَلَهُ رَجُلٌ : مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ بَقِيَّةَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، قَالَ : وَكَانَ فِي الْكِتَابِ : " إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : إِشْرَاكٌ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ ، وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ " .
275
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ; قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ - فَقَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " . وَقَالَ : " أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ " قَالَ : " قَوْلُ الزُّورِ - أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ " . قَالَ شُعْبَةُ : أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ " " شَهَادَةُ الزُّورِ " .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ، بِنَحْوِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ " ، قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : " أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ " . فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ - وَفِي رِوَايَةٍ : أَكْبَرُ - قَالَ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ " قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " . قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ " ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ] ) إِلَى قَوْلِهِ : ( إِلَّا مَنْ تَابَ ) [ الْفَرْقَانِ : 68 ] .
حَدِيثٌ ] آخَرُ [ فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ : أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بِالْحِجْرِ بِمَكَّةَ وَسُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشَّيْخُ مِثْلِي يَكْذِبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ : " هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ ، مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ " غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعُمَرَ بْنَ 276 الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، جَلَسُوا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَلِكًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا ، أَوْ يُزَانِيَ أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ، أَوْ يَقْتُلَهُ فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ أَرَادَهُ مِنْهُ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا مُجِيبًا : " مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَإِنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا ، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمَّارُ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا . وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَفِيهِ ذِكْرُ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، أَوْ قَتْلُ النَّفْسِ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ : زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ ، كِلَاهُمَا عَنْ ، بِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ : " قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ ] الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدَّبِ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ] فِي تَفْسِيرِهِ [ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ] بِهِ [ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ . وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ .
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ . فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ .
قُلْتُ : هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ 277 إِسْحَاقَ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ، فَسَّحَّ اللَّهُ فِي أَجْلِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ : " مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ " : قَالُوا : وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : " يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " .
وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ " . قَالُوا : وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ ! قَالَ : " يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : صَحِيحٌ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ " .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيمٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ، وَالسَّبَّتَانِ وَالسَّبَّةُ " .
هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ " .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْرٍ عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِي ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ; قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا 278 نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَنَشٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ : حَنَشٌ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ ، وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - يَعْنِي الْعَدَوِيَّ - قَالَ : قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ : مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ - يَعْنِي بِغَيْرِ عُذْرِ - وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالنُّهْبَةُ .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ : وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا ، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِالْكُلِّيَّةِ ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : " الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " وَقَالَ : " مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ " وَقَالَ : " مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ " .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .
279
وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ وَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ .
وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ وَبْرَةَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ; قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدَارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : ] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ " أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ التَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ ؟ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ " .
وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ - مَسْجِدِ الْكُوفَةِ - وَعَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، الْكَبَائِرُ سَبْعٌ فَأَصَاخَ النَّاسُ ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ 280 قَالَ : لِمَ لَا تَسْأَلُونِي عَنْهَا ؟ قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ . فَقُلْتُ لِأَبِي : يَا أَبَتِ ، التَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا ؟ قَالَ : يَا بُنَيَّ ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - يَعْنِي شَيْبَانَ - عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : " أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ : أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْرِقُوا " . قَالَ : فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي ، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِيِ هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ " . وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ قَوْلُهُ ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : " قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ; أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ ، فَقَالُوا : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَالْغُلُولُ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ( الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 77 ] ؟ ! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَهُوَ حَسَنٌ .
ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ :
قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا : نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : مَتَى قَدِمْتَ ؟ 281 فَقَالَ : مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ : أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ ؟ قَالَ : فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ . فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا : إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : اجْمَعْهُمْ لِي . قَالَ : فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : أَظُنُّهُ قَالَ : فِي بَهْوٍ - فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ : نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا . قَالَ : وَلَوْ قَالَ : نَعَمْ لَخَصَمَهُ . قَالَ : فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ ؟ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ . قَالَ : فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ . أَتُكَلِّفُونَهُ أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ؟ ! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ لَنَا سَيِّئَاتٌ . قَالَ : وَتَلَا ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) ثُمَّ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ - أَوْ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ - بِمَا قَدِمْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ .
إِسْنَادٌ حَسَنٌ وَمَتْنٌ حَسَنٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ فَتَكْفِي شُهْرَتُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، وَالسِّحْرُ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ .
وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا . وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] )
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ ، وَمَنْعُ طُرُوقِ الْفَحْلِ إِلَّا بِجُعْلٍ .
282
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ " وَفِيهِمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ " ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا : " مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ وَفَضْلَ الْكَلَأِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا أُخِذَ عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي قَوْلَهُ : ( عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ [ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ ] ) الْآيَةَ [ الْمُمْتَحِنَةِ : 12 ] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ : أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ : لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ . ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ ، فَمَا لَنَا وَلَهَا ، ثُمَّ تَلَا ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) .
أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ :
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا : هِيَ سَبْعٌ ، فَقَالَ : هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ . قَالَ سُلَيْمَانُ : فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ ؟ مَا هُنَّ ؟ قَالَ : هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ؟ قَالَ : هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
283
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : كَمِ الْكَبَائِرُ ؟ سَبْعٌ ؟ قَالَ : هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ ، بِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) قَالَ : الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ : كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ . وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفَةَ [ فِيهِ ] قَالَ : هِيَ النَّظْرَةُ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ .
أَقْوَالُ التَّابِعِينَ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَأَلَتْ عُبَيْدَةَ عَنِ الْكَبَائِرِ ، فَقَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا ، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَالْبُهْتَانُ . قَالَ : وَيَقُولُونَ : أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ . قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ : فَالسِّحْرُ ؟ قَالَ : إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ ) [ الْحَجِّ : 31 ] و ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) [ النِّسَاءِ : 10 ] ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) [ الْبَقَرَةِ : 275 ] وَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) [ النُّورِ : 23 ] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [ فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ] ) [ الْأَنْفَالِ : 15 ] ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) [ مُحَمَّدٍ : 25 ] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 93 ] .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، بِنَحْوِهِ .
284
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ - قَالَ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ : قَتْلُ النَّفْسِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ : كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، مِنَ الْكَبَائِرِ .
قُلْتُ : وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) مِنَ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ مَعَهُ عَمَلٌ ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) الْآيَةَ : إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ ، وَسَدِّدُوا ، وَأَبْشِرُوا " .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " . فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، عَنْ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ : " أَتَرَوْنَهَا لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ ؟ لَا وَلَكِنَّهَا لِلْخَاطِئِينَ الْ مُتَلَوِّثِينَ " .
وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ : هِيَ مَا عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ .
285
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ ، فِي كِتَابِهِ " الشَّرْحُ الْكَبِيرُ " الشَّهِيرِ ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ : ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] عَنْهُمْ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ :
أَحَدُهَا : أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ . وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ ، وَهُوَ وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْكَبَائِرِ .
وَالثَّالِثُ : قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَغَيْرِهِ : كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ .
وَالرَّابِعُ : ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ : كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ ، وَالرِّوَايَةِ ، وَالْيَمِينِ .
هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ .
ثُمَّ قَالَ : وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ : قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَالزِّنَا ، وَاللِّوَاطُ ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ ، وَالسَّرِقَةُ ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا ، وَالْقَذْفُ . وَزَادَ فِي " الشَّامِلِ " عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ : شَهَادَةَ الزُّورِ . وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ : أَكْلَ الرِّبَا ، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا ، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا ، بِلَا عُذْرٍ ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا حَقٍّ ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْدًا ، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَيُقَالُ : الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ . وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ : الظِّهَارُ ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ .
ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ .
قُلْتُ : وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً ، وَإِذَا قِيلَ : إِنَّ الْكَبِيرَةَ [ هى ] مَا تَوَعَّدَ 286 الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُ ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، وَإِذَا قِيلَ : كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [ تَعَالَى ] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ [ تَعَالَى ] أَعْلَمُ .
نَهَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ أَنْ يَأْكُلُوا أَمْوَالَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا بِالْبَاطِلِ ، أَيْ : بِأَنْوَاعِ الْمَكَاسِبِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ ، كَأَنْوَاعِ الرِّبَا وَالْقِمَارِ ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ صُنُوفِ الْحِيَلِ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي غَالِبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّا يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّ مُتَعَاطِيَهَا إِنَّمَا يُرِيدُ الْحِيلَةَ عَلَى الرِّبَا ، حَتَّى قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي مِنَ الرَّجُلِ الثَّوْبَ فَيَقُولُ : إِنْ رَضِيتُهُ أَخَذْتُهُ وَإِلَّا رَدَدْتُهُ وَرَدَدْتُ مَعَهُ دِرْهَمًا - قَالَ : هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ )
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ دَاوُدَ الْأَوَدِيِّ عَنْ عَامِرٍ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ [ ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) ] قَالَ : إِنَّهَا [ كَلِمَةٌ ] مَحْكَمَةٌ ، مَا نُسِخَتْ ، وَلَا تُنْسَخُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ : ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ) قَالَ الْمُسْلِمُونَ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ ، وَالطَّعَامُ هُوَ أَفْضَلُ الْأَمْوَالِ ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنَّا أَنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أَحَدٍ ، فَكَيْفَ لِلنَّاسِ ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ : ( لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ) [ النُّورِ : 61 ] الْآيَةَ ، [ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ ] .
وَقَوْلُهُ : ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) قُرِئَ : تِجَارَةٌ بِالرَّفْعِ وَبِالنَّصْبِ ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ، كَأَنَّهُ يَقُولُ : لَا تَتَعَاطَوُا الْأَسْبَابَ الْمُحَرَّمَةَ فِي اكْتِسَابِ الْأَمْوَالِ ، لَكِنَّ الْمَتَاجِرَ الْمَشْرُوعَةَ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَرَاضٍ مِنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَافْعَلُوهَا وَتَسَبَّبُوا بِهَا فِي تَحْصِيلِ الْأَمْوَالِ . كَمَا قَالَ [ اللَّهُ ] تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) [ الْأَنْعَامِ : 151 ] ، وَكَقَوْلِهِ ( لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى ) [ الدُّخَانِ : 56 ] .
269
وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ [ رَحِمَهُ اللَّهُ ] عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْبَيْعُ إِلَّا بِالْقَبُولِ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي نَصًّا ، بِخِلَافِ الْمُعَاطَاةِ فَإِنَّهَا قَدْ لَا تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَلَا بُدَّ ، وَخَالَفَ الْجُمْهُورَ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ ، فَرَأَوْا أَنَّ الْأَقْوَالَ كَمَا تَدُلُّ عَلَى التَّرَاضِي ، وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ تَدُلُّ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ قَطْعًا ، فَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ فِي الْمُحَقَّرَاتِ ، وَفِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا ، وَهُوَ احْتِيَاطُ نَظَرٍ مِنْ مُحَقِّقِي الْمَذْهَبِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : ( إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ) بَيْعًا أَوْ عَطَاءً يُعْطِيهِ أَحَدٌ أَحَدًا . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ [ ثُمَّ ] قَالَ :
وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيِّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ وَالْخِيَارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَغُشَّ مُسْلِمًا " . هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ .
وَمِنْ تَمَامِ التَّرَاضِي إِثْبَاتُ خِيَارِ الْمَجْلِسِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ : " إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " .
وَذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَحْمَدُ [ بْنُ حَنْبَلٍ ] وَأَصْحَابُهُمَا ، وَجُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . وَمِنْ ذَلِكَ مَشْرُوعِيَّةُ خِيَارِ الشَّرْطِ بَعْدَ الْعَقْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، [ كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ] بِحَسَبَ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ مَالُ الْبَيْعِ ، وَلَوْ إِلَى سَنَةٍ فِي الْقَرْيَةِ وَنَحْوِهَا ، كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ . وَصَحَّحُوا بَيْعَ الْمُعَاطَاةِ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَصِحُّ بَيْعُ الْمُعَاطَاةِ فِي الْمُحَقَّرَاتِ فِيمَا يَعُدُّهُ النَّاسُ بَيْعًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ طَائِفَةٍ مِنَ الْأَصْحَابِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) أَيْ : بِارْتِكَابِ مَحَارِمِ اللَّهِ وَتَعَاطِي مَعَاصِيهِ وَأَكْلِ أَمْوَالِكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) أَيْ : فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ : احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ ، قَالَ : فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : " يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ! " قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ [ عَزَّ 270 وَجَلَّ ] ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ . فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، بِهِ . وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ ، كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي أَنَسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيِّ ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْهُ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ . وَهَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ .
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَامِدٍ الْبَلْخِيُّ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ الْبَلْخِيُّ ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ ، فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، خِفْتُ أَنْ يَقْتُلَنِي الْبَرْدُ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ] ) قَالَ : فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ أَوْرَدَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ ، يَجَأُ بِهَا بَطْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ ، يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا ، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ ، فَهُوَ مُتَرَدٍّ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا " .
وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ بِهِ جُرْحٌ ، فَأَخَذَ سِكِّينًا نَحَرَ بِهَا يَدَهُ ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ " .
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ) أَيْ : وَمَنْ يَتَعَاطَى مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ مُتَعَدِّيًا 271 فِيهِ ظَالِمًا فِي تَعَاطِيهِ ، أَيْ : عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ مُتَجَاسِرًا عَلَى انْتِهَاكِهِ ( فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ] ) وَهَذَا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ ، فَلْيَحْذَرْ مِنْهُ كُلُّ عَاقِلٍ لَبِيبٍ مِمَّنْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ .
وَقَوْلُهُ : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) . أَيْ : إِذَا اجْتَنَبْتُمْ كَبَائِرَ الْآثَامِ الَّتِي نُهِيتُمْ عَنْهَا كَفَّرْنَا عَنْكُمْ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَأَدْخَلْنَاكُمُ الْجَنَّةَ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) .
وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ بْنُ هِشَامٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ أَيُّوبَ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، عَنْ أَنَسٍ [ يَرْفَعُهُ ] : " الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا ، عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ أَنْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ ، يَقُولُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) " .
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ :
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ قَرْثَعٍ الضَّبِّيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ : قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَتَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ؟ " قُلْتُ : هُوَ الْيَوْمَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ أَبَاكُمْ . قَالَ : " لَكِنْ أَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، لَا يَتَطَهَّرُ الرَّجُلُ فَيُحْسِنُ طُهُورَهُ ، ثُمَّ يَأْتِي الْجُمُعَةَ فَيُنْصِتُ حَتَّى يَقْضِيَ الْإِمَامُ صَلَاتَهُ ، إِلَّا كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ ، مَا اجْتُنِبَتِ الْمَقْتَلَةُ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوَهُ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى [ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ] حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ ، أَخْبَرَنِي صُهَيْبٌ مَوْلَى الْعُتْوَارِيِّ ، أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ يَقُولَانِ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ : " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ " - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - ثُمَّ أَكَبَّ ، فَأَكَبَّ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَبْكِي ، لَا نَدْرِي عَلَى مَاذَا حَلَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَفِي وَجْهِهِ الْبِشْرُ فَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ، فَقَالَ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ ، وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ : ادْخُلْ بِسَلَامٍ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، بِهِ . ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ .
272
تَفْسِيرُ هَذِهِ السَّبْعِ :
وَذَلِكَ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي الْغَيْثِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ " قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْهُ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا فَهْدُ بْنُ عَوْفٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ، أَوَّلُهَا الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، ثُمَّ قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ إِلَى أَنْ يَكْبُرَ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَاتِ ، وَالِانْقِلَابُ إِلَى الْأَعْرَابِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ " .
فَالنَّصُّ عَلَى هَذِهِ السَّبْعِ بِأَنَّهُنَّ كَبَائِرُ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُنَّ ، إِلَّا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِمَفْهُومِ اللَّقَبِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ بِالْمَنْطُوقِ عَلَى عَدَمِ الْمَفْهُومِ ، كَمَا سَنُورِدُهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمَّنَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ غَيْرَ هَذِهِ السَّبْعِ ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ حَيْثُ قَالَ :
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي ، إِمْلَاءً حَدَّثَنَا أَبُو قِلَابَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سِنَانٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ - يَعْنِي عُمَيْرَ بْنَ قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ حَدَّثَهُ - وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : " أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ الْمُصَلُّونَ مَنْ يُقِيمُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْهِ ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ وَيَحْتَسِبُ صَوْمَهُ ، يَرَى أَنَّهُ عَلَيْهِ حَقٌّ ، وَيُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ يَحْتَسِبُهَا ، وَيَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا " . ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ : " تِسْعٌ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ نَفْسِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَاسْتِحْلَالُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، ثُمَّ قَالَ : لَا يَمُوتُ رَجُلٌ لَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْكَبَائِرَ ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ ، إِلَّا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَارٍ أَبْوَابُهَا مَصَارِيعٌ مِنْ ذَهَبٍ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ مُطَوَّلًا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ هَانِئٍ ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِهِ مَبْسُوطًا ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ : رِجَالُهُ كُلُّهُمْ يُحْتَجُّ بِهِمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ إِلَّا عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ .
273
قُلْتُ : وَهُوَ حِجَازِيٌّ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ الثِّقَاتِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ .
وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيِّ ، عَنْ سَلْمِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، فَذَكَرَهُ . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْإِسْنَادِ : عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ سِنَانٍ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ : قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ الْوَلِيدِ ، عَنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ : " لَا أُقْسِمُ ، لَا أُقْسِمُ " . ثُمَّ نَزَلَ فَقَالَ : " أَبْشِرُوا ، أَبْشِرُوا ، مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ : ادْخُلْ " . قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ : لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ : " بِسَلَامٍ " . قَالَ الْمُطَّلِبُ : سَمِعْتُ مَنْ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو : أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُهُنَّ ؟ قَالَ : نَعَمْ : " عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَإِشْرَاكٌ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا " .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي مَعْنَاهُ : قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي التَّفْسِيرِ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ مَيَّاسٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّجَدَاتِ ، فَأَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ ، فَلَقِيتُ ابْنَ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهُ : إِنِّي أَصَبْتُ ذُنُوبًا لَا أَرَاهَا إِلَّا مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ : مَا هِيَ ؟ قُلْتُ : أَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ . قُلْتُ : وَأَصَبْتُ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْكَبَائِرِ قَالَ - بِشَيْءٍ لَمْ يُسَمِّهِ طَيْسَلَةُ - قَالَ : هِيَ تِسْعٌ وَسَأَعُدُّهُنَّ عَلَيْكَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقِّهَا وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ظُلْمًا ، وَإِلْحَادٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالَّذِي يَسْتَسْحِرُ وَبُكَاءُ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْعُقُوقِ . قَالَ زِيَادٌ : وَقَالَ طَيْسَلَةُ لَمَّا رَأَى ابْنَ عُمَرَ : فَرَقِي . قَالَ : أَتُخَافُ النَّارَ أَنْ تَدْخُلَهَا ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : وَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الْجَنَّةَ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . قَالَ : أَحَيٌّ وَالِدَاكَ ؟ قُلْتُ : عِنْدِي أُمِّي . قَالَ : فَوَاللَّهِ لَئِنْ أَنْتَ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْمُوجِبَاتِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ سَلَامٍ ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ عُتْبَةَ ، عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ النَّهْدِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ فِي ظِلِّ أَرَاكٍ يَوْمَ 274 عَرَفَةَ ، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ قُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَبَائِرِ ؟ قَالَ : هِيَ تِسْعٌ . قُلْتُ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ - قَالَ : قُلْتُ : قَبْلَ الْقَتْلِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَرُغْمًا - وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ ، وَإِلْحَادٌ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ ، قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا .
هَكَذَا رَوَاهُ مِنْ هَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ مَوْقُوفًا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، عَنْ طَيْسَلَةَ بْنِ عَلِيٍّ [ النَّهْدِيِّ ] قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ ، وَهُوَ تَحْتَ ظِلِّ أَرَاكَةٍ ، وَهُوَ يَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَبَائِرِ ، فَقَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " هُنَّ سَبْعٌ " . قَالَ : قُلْتُ : وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ - قَالَ : قُلْتُ : قَبْلَ الدَّمِ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَرُغْمًا - وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَإِلْحَادٌ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا " .
وَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ الْيَمَانِيِّ - وَفِيهِ ضَعْفٌ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ ، عَنْ بُحَيْرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ : أَنَّ أَبَا رُهْمٍ السَّمَعِيَّ حَدَّثَهُمْ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ ، وَآتَى الزَّكَاةَ ، وَصَامَ رَمَضَانَ ، وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ، فَلَهُ الْجَنَّةُ - أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ " فَسَأَلَهُ رَجُلٌ : مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ " .
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنْ بَقِيَّةَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ ، مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ الْيَمَانِيِّ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالدِّيَاتُ ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، قَالَ : وَكَانَ فِي الْكِتَابِ : " إِنَّ أَكْبَرَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : إِشْرَاكٌ بِاللَّهِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَالْفِرَارُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ ، وَتَعَلُّمُ السِّحْرِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ " .
275
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ ذِكْرُ شَهَادَةِ الزُّورِ; قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَبَائِرَ - أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ - فَقَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " . وَقَالَ : " أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ " قَالَ : " قَوْلُ الزُّورِ - أَوْ شَهَادَةُ الزُّورِ " . قَالَ شُعْبَةُ : أَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ " " شَهَادَةُ الزُّورِ " .
أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ بِهِ . وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ غَرِيبَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ، بِنَحْوِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ ؟ " ، قُلْنَا : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ " وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ : " أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ " . فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا : لَيْتَهُ سَكَتَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ ذِكْرُ قَتْلِ الْوَلَدِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟ - وَفِي رِوَايَةٍ : أَكْبَرُ - قَالَ : " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ " قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ " . قُلْتُ : ثُمَّ أَيُّ ؟ قَالَ : " أَنْ تُزَانِي حَلِيلَةَ جَارِكَ " ثُمَّ قَرَأَ : ( وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ] ) إِلَى قَوْلِهِ : ( إِلَّا مَنْ تَابَ ) [ الْفَرْقَانِ : 68 ] .
حَدِيثٌ ] آخَرُ [ فِيهِ ذِكْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَىِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ : أَنَّ رَجُلًا حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرَةَ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ بِالْحِجْرِ بِمَكَّةَ وَسُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ إِنَّ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ الشَّيْخُ مِثْلِي يَكْذِبُ فِي هَذَا الْمُقَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَهَبَ فَسَأَلَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ فَقَالَ : " هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ ، وَأُمُّ الْفَوَاحِشِ ، مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَوَقَعَ عَلَى أُمِّهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ " غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ .
طَرِيقٌ أُخْرَى : رَوَاهَا الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ صَالِحٍ ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنِ أَبِيهِ : أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصَّدِيقَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعُمَرَ بْنَ 276 الْخَطَّابِ وَأُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ ، جَلَسُوا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرُوا أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مَا يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ ، فَأَرْسَلُونِي إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أَعْظَمَ الْكَبَائِرِ شُرْبُ الْخَمْرِ ، فَأَتَيْتُهُمْ فَأَخْبَرْتُهُمْ ، فَأَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَوَثَبُوا إِلَيْهِ حَتَّى أَتَوْهُ فِي دَارِهِ ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَلِكًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلًا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ خَمْرًا أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا ، أَوْ يُزَانِيَ أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ، أَوْ يَقْتُلَهُ فَاخْتَارَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ أَرَادَهُ مِنْهُ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَنَا مُجِيبًا : " مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُ خَمْرًا إِلَّا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَلَا يَمُوتُ أَحَدٌ فِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ فَإِنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً " .
هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ جِدًّا ، وَدَاوُدُ بْنُ صَالِحٍ هُوَ التَّمَّارُ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى الْأَنْصَارِ ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا . وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَلَمْ أَرَ أَحَدًا جَرَحَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَفِيهِ ذِكْرُ الْيَمِينِ الْغَمُوسِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ فِرَاسٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، أَوْ قَتْلُ النَّفْسِ - شُعْبَةُ الشَّاكُّ - وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ " . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ : زَادَ الْبُخَارِيُّ وَشَيْبَانُ ، كِلَاهُمَا عَنْ ، بِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ : " قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ الْبَعُوضَةِ ، إِلَّا كَانَتْ وَكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ ] الْإِمَامُ [ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدَّبِ ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، بِهِ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ] فِي تَفْسِيرِهِ [ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ ] بِهِ [ ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْأَنْصَارِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ ثَعْلَبَةَ ، وَلَا يُعْرَفُ اسْمُهُ . وَقَدْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ .
قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ : وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ . فَزَادَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَامَةَ .
قُلْتُ : هَكَذَا وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ 277 إِسْحَاقَ كَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُنَا ، فَسَّحَّ اللَّهُ فِي أَجْلِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، فِي التَّسَبُّبِ إِلَى شَتْمِ الْوَالِدَيْنِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوَدِيُّ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانُ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَفَعَهُ سُفْيَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَوَقَفَهُ مِسْعَرٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - قَالَ : " مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ يَشْتُمَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ " : قَالُوا : وَكَيْفَ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ قَالَ : " يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " .
وَقَدْ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَمِّهِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ " . قَالُوا : وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ ؟ ! قَالَ : " يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ وَيَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، بِهِ مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : صَحِيحٌ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ " .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيمٌ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ عِرْضُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ، وَالسَّبَّتَانِ وَالسَّبَّةُ " .
هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ الْأَدَبِ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُسَافِرٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ اسْتِطَالَةُ الْمَرْءِ فِي عِرْضِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَمِنَ الْكَبَائِرِ السَّبَّتَانِ بِالسَّبَّةِ " .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ زَيْرٍ عَنِ الْعَلَاءِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِي ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ; قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا 278 نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ حَنَشٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَحْيَى بْنِ خَلَفٍ ، عَنِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، بِهِ ثُمَّ قَالَ : حَنَشٌ هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الرَّحَبِيُّ ، وَهُوَ حُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - يَعْنِي الْعَدَوِيَّ - قَالَ : قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ عُمَرَ : مِنَ الْكَبَائِرِ جَمْعٌ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ - يَعْنِي بِغَيْرِ عُذْرِ - وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالنُّهْبَةُ .
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ : وَالْغَرَضُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَعِيدُ فِيمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا أَوْ تَأْخِيرًا ، وَكَذَا الْمَغْرِبُ وَالْعَشَاءُ هُمَا مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَجْمَعَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَإِذَا تَعَاطَاهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ مُرْتَكِبًا كَبِيرَةً ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ بِالْكُلِّيَّةِ ؟ وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ " وَفِي السُّنَنِ عَنْهُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّهُ قَالَ : " الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ " وَقَالَ : " مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ " وَقَالَ : " مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وَتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ " .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ الْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مُتَّكِئًا فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ : مَا الْكَبَائِرُ ؟ فَقَالَ : " الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، وَهَذَا أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ " .
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْحَاقَ الْعَطَّارِ ، عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ بِشْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : " الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .
279
وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ ، عَنْ وَبْرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ .
وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ وَأَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ وَبْرَةَ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، بِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ . وَهُوَ صَحِيحٌ إِلَيْهِ بِلَا شَكَّ .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ; قَالَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ بُنْدَارٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ بَكْرُ بْنُ عَبْدَانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : ] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ " أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ سُوءُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " . حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا .
حَدِيثٌ آخَرُ : فِيهِ التَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، قَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ، قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ رِشْدِينَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانَيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ، أَلَا تَسْأَلُونِي عَنْهُنَّ ؟ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ " .
وَفِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ ، وَرَفْعُهُ غَلَطٌ فَاحِشٌ وَالصَّوَابُ مَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : إِنِّي لَفِي هَذَا الْمَسْجِدِ - مَسْجِدِ الْكُوفَةِ - وَعَلِيٌّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، الْكَبَائِرُ سَبْعٌ فَأَصَاخَ النَّاسُ ، فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ 280 قَالَ : لِمَ لَا تَسْأَلُونِي عَنْهَا ؟ قَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هِيَ ؟ قَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ . فَقُلْتُ لِأَبِي : يَا أَبَتِ ، التَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، كَيْفَ لَحِقَ هَاهُنَا ؟ قَالَ : يَا بُنَيَّ ، وَمَا أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُهَاجِرَ الرَّجُلُ ، حَتَّى إِذَا وَقَعَ سَهْمُهُ فِي الْفَيْءِ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ خَلَعَ ذَلِكَ مِنْ عُنُقِهِ فَرَجَعَ أَعْرَابِيًّا كَمَا كَانَ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هَاشِمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ - يَعْنِي شَيْبَانَ - عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : " أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ : أَلَّا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَلَا تَزْنُوا ، وَلَا تَسْرِقُوا " . قَالَ : فَمَا أَنَا بِأَشَحَّ عَلَيْهِنَّ مِنِّي ، إِذْ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ رَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ ، مِنْ حَدِيثِ مَنْصُورٍ ، بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِيِ هِنْدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " الْإِضْرَارُ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ " . وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ قَوْلُهُ ] قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : وَهُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ .
حَدِيثٌ آخَرُ فِي ذَلِكَ : " قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيبٍ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ; أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرُوا الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُتَّكِئٌ ، فَقَالُوا : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَفِرَارٌ مِنَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَقَوْلُ الزُّورِ ، وَالْغُلُولُ ، وَالسِّحْرُ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَيْنَ تَجْعَلُونَ ( الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ) [ آلِ عِمْرَانَ : 77 ] ؟ ! إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ ، وَهُوَ حَسَنٌ .
ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ :
قَدْ تَقَدَّمَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، فِي ضِمْنِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّ نَاسًا سَأَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو بِمِصْرَ فَقَالُوا : نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَلْقَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَدِمَ وَقَدِمُوا مَعَهُ ، فَلَقِيَهُ عُمَرُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : مَتَى قَدِمْتَ ؟ 281 فَقَالَ : مُنْذُ كَذَا وَكَذَا قَالَ : أَبِإِذْنٍ قَدِمْتَ ؟ قَالَ : فَلَا أَدْرِي كَيْفَ رَدَّ عَلَيْهِ . فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ نَاسًا لَقَوْنِي بِمِصْرَ فَقَالُوا : إِنَّا نَرَى أَشْيَاءَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَمَرَ أَنْ يُعْمَلَ بِهَا فَلَا يُعْمَلُ بِهَا فَأَحَبُّوا أَنْ يَلْقَوْكَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : اجْمَعْهُمْ لِي . قَالَ : فَجَمَعْتُهُمْ لَهُ - قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : أَظُنُّهُ قَالَ : فِي بَهْوٍ - فَأَخَذَ أَدْنَاهُمْ رَجُلًا فَقَالَ : نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ وَبِحَقِّ الْإِسْلَامِ عَلَيْكَ ، أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي نَفْسِكَ ؟ قَالَ اللَّهُمَّ لَا . قَالَ : وَلَوْ قَالَ : نَعَمْ لَخَصَمَهُ . قَالَ : فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي بَصَرِكَ ؟ فَهَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي لَفْظِكَ ؟ هَلْ أَحْصَيْتَهُ فِي أَمْرِكَ ؟ ثُمَّ تَتَبَّعَهُمْ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِمْ . قَالَ : فَثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ . أَتُكَلِّفُونَهُ أَنْ يُقِيمَ النَّاسَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ؟ ! قَدْ عَلِمَ رَبُّنَا أَنَّهُ سَتَكُونُ لَنَا سَيِّئَاتٌ . قَالَ : وَتَلَا ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) ثُمَّ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ - أَوْ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ - بِمَا قَدِمْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا . قَالَ : لَوْ عَلِمُوا لَوَعَظْتُ بِكُمْ .
إِسْنَادٌ حَسَنٌ وَمَتْنٌ حَسَنٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ عُمَرَ ، وَفِيهَا انْقِطَاعٌ ، إِلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذَا اشْتُهِرَ فَتَكْفِي شُهْرَتُهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ - يَعْنِي الزُّبَيْرِيَّ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ جُوَيْنٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : الْكَبَائِرُ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ ، وَالتَّعَرُّبِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ، وَالسِّحْرُ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَفِرَاقُ الْجَمَاعَةِ ، وَنَكْثُ الصَّفْقَةِ .
وَتَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ .
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي الضُّحَى ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، وَالْأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، كِلَاهُمَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا . وَمِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَشُعْبَةَ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ إِلَى ثَلَاثِينَ آيَةً مِنْهَا ثُمَّ تَلَا ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] )
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْمُنْذِرُ بْنُ شَاذَانَ ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَمَنْعُ فُضُولِ الْمَاءِ بَعْدَ الرِّيِّ ، وَمَنْعُ طُرُوقِ الْفَحْلِ إِلَّا بِجُعْلٍ .
282
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ " وَفِيهِمَا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ ابْنَ السَّبِيلِ " ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ .
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا : " مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ وَفَضْلَ الْكَلَأِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَنْبَةَ الْوَاسِطِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : مَا أُخِذَ عَلَى النِّسَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ . قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : يَعْنِي قَوْلَهُ : ( عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ [ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ ] ) الْآيَةَ [ الْمُمْتَحِنَةِ : 12 ] .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ مِخْرَاقٍ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ : أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثَنَا قَالَ : لَمْ أَرَ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ رَبِّنَا تَعَالَى ثُمَّ لَمْ نَخْرُجْ لَهُ عَنْ كُلِّ أَهْلٍ وَمَالٍ . ثُمَّ سَكَتَ هُنَيَّةً ثُمَّ قَالَ : وَاللَّهِ لَمَا كَلَّفَنَا رَبُّنَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ ، لَقَدْ تَجَاوَزَ لَنَا عَمَّا دُونَ الْكَبَائِرِ ، فَمَا لَنَا وَلَهَا ، ثُمَّ تَلَا ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ] ) .
أَقْوَالُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ :
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ، مِنْ حَدِيثِ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : ذَكَرُوا عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْكَبَائِرَ فَقَالُوا : هِيَ سَبْعٌ ، فَقَالَ : هِيَ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ . قَالَ سُلَيْمَانُ : فَمَا أَدْرِي كَمْ قَالَهَا مِنْ مَرَّةٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ : مَا السَّبْعُ الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ .
وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، عَنِ ابْنِ حُمَيْدٍ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : أَرَأَيْتَ الْكَبَائِرَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ ؟ مَا هُنَّ ؟ قَالَ : هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَدْنَى مِنْهُنَّ إِلَى سَبْعٍ .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ؟ قَالَ : هُنَّ إِلَى السَّبْعِينَ أَقْرَبُ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
283
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَعْدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ; أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : كَمِ الْكَبَائِرُ ؟ سَبْعٌ ؟ قَالَ : هُنَّ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى سَبْعٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ . وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، مِنْ حَدِيثِ شِبْلٍ ، بِهِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) قَالَ : الْكَبَائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنَارٍ أَوْ غَضِبَ أَوْ لَعْنَةٍ أَوْ عَذَابٍ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ الْمُوصِلِيُّ ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا شَبِيبٌ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ : كُلُّ مَا وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ كَبِيرَةٌ . وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : نُبِّئْتُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ : كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ كَبِيرَةٌ . وَقَدْ ذَكَرْتُ الطَّرْفَةَ [ فِيهِ ] قَالَ : هِيَ النَّظْرَةُ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَعْدَانَ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ قَالَ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْكَبَائِرِ فَقَالَ هِيَ كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ .
أَقْوَالُ التَّابِعِينَ
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ : سَأَلَتْ عُبَيْدَةَ عَنِ الْكَبَائِرِ ، فَقَالَ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ بِغَيْرِ حَقِّهَا ، وَفِرَارُ يَوْمِ الزَّحْفِ ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّهِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَالْبُهْتَانُ . قَالَ : وَيَقُولُونَ : أَعْرَابِيَّةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ . قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : فَقُلْتُ لِمُحَمَّدٍ : فَالسِّحْرُ ؟ قَالَ : إِنَّ الْبُهْتَانَ يَجْمَعُ شَرًّا كَبِيرًا .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ ، لَيْسَ مِنْهُنَّ كَبِيرَةٌ إِلَّا وَفِيهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ : الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ مِنْهُنَّ : ( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ ) [ الْحَجِّ : 31 ] و ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) [ النِّسَاءِ : 10 ] ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) [ الْبَقَرَةِ : 275 ] وَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ) [ النُّورِ : 23 ] وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا [ فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ] ) [ الْأَنْفَالِ : 15 ] ، وَالتَّعَرُّبُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ : ( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ) [ مُحَمَّدٍ : 25 ] ، وَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ : ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا ) الْآيَةَ [ النِّسَاءِ : 93 ] .
وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عُبَيْدٍ ، بِنَحْوِهِ .
284
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ عَطَاءٍ - يَعْنِي ابْنَ أَبِي رَبَاحٍ - قَالَ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ : قَتْلُ النَّفْسِ ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَرَمْيُ الْمُحْصَنَةِ ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ قَالَ : كَانَ يُقَالُ شَتْمُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمْرَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، مِنَ الْكَبَائِرِ .
قُلْتُ : وَقَدْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَكْفِيرِ مَنْ سَبَّ الصَّحَابَةَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : مَا أَظُنُّ أَحَدًا يَنْتَقِصُ أَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَهُوَ يُحِبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا : حَدَّثَنَا يُونُسُ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ ، قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) مِنَ الْكَبَائِرِ : الشِّرْكُ ، وَالْكُفْرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ الْأَوْلَادِ ، وَمَنْ دَعَا لِلَّهِ وَلَدًا أَوْ صَاحِبَةً ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَالْقَوْلُ الَّذِي لَا يَصْلُحُ مَعَهُ عَمَلٌ ، وَأَمَّا كُلُّ ذَنْبٍ يَصْلُحُ مَعَهُ دِينٌ ، وَيُقْبَلُ مَعَهُ عَمَلٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ السَّيِّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) الْآيَةَ : إِنَّمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اجْتَنِبُوا الْكَبَائِرَ ، وَسَدِّدُوا ، وَأَبْشِرُوا " .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَنَسٍ ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ ضَعْفٌ ، إِلَّا مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " . فَإِنَّهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، عَنْ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ثُمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي الصَّحِيحِ شَاهِدٌ لِمَعْنَاهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ : " أَتَرَوْنَهَا لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ ؟ لَا وَلَكِنَّهَا لِلْخَاطِئِينَ الْ مُتَلَوِّثِينَ " .
وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ فِي حَدِّ الْكَبِيرَةِ فَمِنْ قَائِلٍ : هِيَ مَا عَلَيْهِ حَدٌّ فِي الشَّرْعِ .
285
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ مَا عَلَيْهِ وَعِيدٌ لِخُصُوصِهِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّافِعِيُّ ، فِي كِتَابِهِ " الشَّرْحُ الْكَبِيرُ " الشَّهِيرِ ، فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْهُ : ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ [ تَعَالَى ] عَنْهُمْ ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِي الْكَبَائِرِ ، وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّغَائِرِ ، وَلِبَعْضِ الْأَصْحَابِ فِي تَفْسِيرِ الْكَبِيرَةِ وُجُوهٌ :
أَحَدُهَا : أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّهَا الْمَعْصِيَةُ الَّتِي يَلْحَقُ صَاحِبَهَا الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ بِنَصِّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ . وَهَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ لَهُمْ ، وَهُوَ وَإِلَى الْأَوَّلِ أَمِيلُ ، لَكِنَّ الثَّانِيَ أَوْفَقُ لِمَا ذَكَرُوهُ عِنْدَ تَفْسِيرِ الْكَبَائِرِ .
وَالثَّالِثُ : قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي " الْإِرْشَادِ " وَغَيْرِهِ : كُلُّ جَرِيمَةٍ تُنْبِئُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ .
وَالرَّابِعُ : ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ أَنَّ الْكَبِيرَةَ : كُلُّ فِعْلٍ نَصَّ الْكِتَابُ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجِبُ فِي جِنْسِهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَتَرْكُ كُلِّ فَرِيضَةٍ مَأْمُورٍ بِهَا عَلَى الْفَوْرِ ، وَالْكَذِبُ فِي الشَّهَادَةِ ، وَالرِّوَايَةِ ، وَالْيَمِينِ .
هَذَا مَا ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الضَّبْطِ .
ثُمَّ قَالَ : وَفَصَّلَ الْقَاضِي الرُّويَانِيُّ فَقَالَ : الْكَبَائِرُ سَبْعٌ : قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَالزِّنَا ، وَاللِّوَاطُ ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ ، وَالسَّرِقَةُ ، وَأَخْذُ الْمَالِ غَصْبًا ، وَالْقَذْفُ . وَزَادَ فِي " الشَّامِلِ " عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ : شَهَادَةَ الزُّورِ . وَأَضَافَ إِلَيْهَا صَاحِبُ الْعُدَّةِ : أَكْلَ الرِّبَا ، وَالْإِفْطَارَ فِي رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ ، وَالْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ ، وَقَطْعَ الرَّحِمِ ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ ، وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ ، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالْخِيَانَةَ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ ، وَتَقْدِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى وَقْتِهَا ، وَتَأْخِيرَهَا عَنْ وَقْتِهَا ، بِلَا عُذْرٍ ، وَضَرْبَ الْمُسْلِمِ بِلَا حَقٍّ ، وَالْكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمْدًا ، وَسَبَّ أَصْحَابِهِ ، وَكِتْمَانَ الشَّهَادَةِ بِلَا عُذْرٍ ، وَأَخْذَ الرِّشْوَةِ ، وَالْقِيَادَةَ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَالسِّعَايَةَ عِنْدَ السُّلْطَانِ ، وَمَنَعَ الزَّكَاةِ ، وَتَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ ، وَنِسْيَانَ الْقُرْآنِ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ ، وَإِحْرَاقَ الْحَيَوَانِ بِالنَّارِ ، وَامْتِنَاعَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا بِلَا سَبَبٍ ، وَالْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، وَالْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَيُقَالُ : الْوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَمَلَةِ الْقُرْآنِ . وَمِمَّا يُعَدُّ مِنَ الْكَبَائِرِ : الظِّهَارُ ، وَأَكَلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالْمِيتَةِ إِلَّا عَنْ ضَرُورَةٍ .
ثُمَّ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلِلتَّوَقُّفِ مَجَالٌ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْخِصَالِ .
قُلْتُ : وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الْكَبَائِرِ مُصَنَّفَاتٌ ، مِنْهَا مَا جَمَعَهُ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ الَّذِي بَلَغَ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ كَبِيرَةً ، وَإِذَا قِيلَ : إِنَّ الْكَبِيرَةَ [ هى ] مَا تَوَعَّدَ 286 الشَّارِعُ عَلَيْهَا بِالنَّارِ بِخُصُوصِهَا ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرُهُ ، وَتَتَبَّعَ ذَلِكَ ، اجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ ، وَإِذَا قِيلَ : كُلُّ مَا نَهَى اللَّهُ [ تَعَالَى ] عَنْهُ فَكَثِيرٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ [ تَعَالَى ] أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith