تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) )
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ [ مُحَمَّدٍ ] - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الْمُعَانِدِينَ : ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ) أَيْ : سَلَبَكُمْ إِيَّاهَا كَمَا أَعْطَاكُمُوهَا فَإِنَّهُ ( هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ [ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ] ) [ الْمُلْكِ : 33 ] .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا الِانْتِفَاعَ الشَّرْعِيَّ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) كَمَا قَالَ : ( أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ) [ يُونُسَ : 31 ] ، وَقَالَ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) [ الْأَنْفَالِ : 24 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ) أَيْ : هَلْ أَحُدٌ غَيْرُ اللَّهِ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ إِذَا سَلَبَهُ اللَّهُ مِنْكُمْ؟ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ [ عَزَّ شَأْنُهُ ] ( انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ) أَيْ : نُبَيِّنُهَا وَنُوَضِّحُهَا وَنُفَسِّرُهَا دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ ( ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ) أَيْ : ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ يُعْرِضُونَ عَنِ الْحَقِّ ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِهِ .
قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) يَصْدِفُونَ ) أَيْ يَعْدِلُونَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ : يُعْرِضُونَ : وَقَالَ 258 السُّدِّيُّ : يَصُدُّونَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً ) أَيْ : وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ بِهِ حَتَّى بَغَتَكُمْ وَفَجَأَكُمْ .
( أَوْ جَهْرَةً ) أَيْ : ظَاهِرًا عَيَانًا ( هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا : كَانَ يُحِيطُ بِالظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] وَيَنْجُو الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . كَمَا قَالَ تَعَالَى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ] ) [ الْأَنْعَامِ : 82 ] . .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) أَيْ : مُبَشِّرِينَ عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَيْرَاتِ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ النِّقَمَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ . وَلِهَذَا قَالَ [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] ( فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ ) أَيْ : فَمَنْ آمَنَ قَلْبُهُ بِمَا جَاءُوا بِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ بِاتِّبَاعِهِ إِيَّاهُمْ ( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَسْتَقْبِلُونَهُ ( وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) أَيْ : بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَاتَهُمْ وَتَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَصَنِيعِهَا ، اللَّهُ وَلِيُّهُمْ فِيمَا خَلَّفُوهُ ، وَحَافِظُهُمْ فِيمَا تَرَكُوهُ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) أَيْ : يَنَالُهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَفَرُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَخَرَجُوا عَنْ أَوَامِرَ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَارْتَكَبُوا مَحَارِمَهُ وَمَنَاهِيهِ وَانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ .
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ [ مُحَمَّدٍ ] - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الْمُعَانِدِينَ : ( أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ ) أَيْ : سَلَبَكُمْ إِيَّاهَا كَمَا أَعْطَاكُمُوهَا فَإِنَّهُ ( هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ [ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ] ) [ الْمُلْكِ : 33 ] .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عِبَارَةٌ عَنْ مَنْعِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا الِانْتِفَاعَ الشَّرْعِيَّ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ) كَمَا قَالَ : ( أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ) [ يُونُسَ : 31 ] ، وَقَالَ : ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) [ الْأَنْفَالِ : 24 ] .
وَقَوْلُهُ : ( مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ) أَيْ : هَلْ أَحُدٌ غَيْرُ اللَّهِ يَقْدِرُ عَلَى رَدِّ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ إِذَا سَلَبَهُ اللَّهُ مِنْكُمْ؟ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ [ عَزَّ شَأْنُهُ ] ( انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ) أَيْ : نُبَيِّنُهَا وَنُوَضِّحُهَا وَنُفَسِّرُهَا دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ بَاطِلٌ وَضَلَالٌ ( ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ) أَيْ : ثُمَّ هُمْ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ يُعْرِضُونَ عَنِ الْحَقِّ ، وَيَصُدُّونَ النَّاسَ عَنِ اتِّبَاعِهِ .
قَالَ الْعَوْفِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ) يَصْدِفُونَ ) أَيْ يَعْدِلُونَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ : يُعْرِضُونَ : وَقَالَ 258 السُّدِّيُّ : يَصُدُّونَ .
وَقَوْلُهُ : ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً ) أَيْ : وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ بِهِ حَتَّى بَغَتَكُمْ وَفَجَأَكُمْ .
( أَوْ جَهْرَةً ) أَيْ : ظَاهِرًا عَيَانًا ( هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ) أَيْ : إِنَّمَا : كَانَ يُحِيطُ بِالظَّالِمِينَ أَنْفُسَهُمْ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] وَيَنْجُو الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . كَمَا قَالَ تَعَالَى ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ] ) [ الْأَنْعَامِ : 82 ] . .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ) أَيْ : مُبَشِّرِينَ عِبَادَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَيْرَاتِ وَمُنْذِرِينَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ النِّقَمَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ . وَلِهَذَا قَالَ [ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ] ( فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ ) أَيْ : فَمَنْ آمَنَ قَلْبُهُ بِمَا جَاءُوا بِهِ وَأَصْلَحَ عَمَلَهُ بِاتِّبَاعِهِ إِيَّاهُمْ ( فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَسْتَقْبِلُونَهُ ( وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) أَيْ : بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا فَاتَهُمْ وَتَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَصَنِيعِهَا ، اللَّهُ وَلِيُّهُمْ فِيمَا خَلَّفُوهُ ، وَحَافِظُهُمْ فِيمَا تَرَكُوهُ .
ثُمَّ قَالَ : ( وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) أَيْ : يَنَالُهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَفَرُوا بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ ، وَخَرَجُوا عَنْ أَوَامِرَ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ، وَارْتَكَبُوا مَحَارِمَهُ وَمَنَاهِيهِ وَانْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith