تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 452 · printed p. 319
( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ( 112 ) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ تَفْسِيرهَا ( 113 ) ) .
يَقُولُ تَعَالَى : وَكَمَا جَعَلْنَا لَكَ - يَا مُحَمَّدُ - أَعْدَاءً يُخَالِفُونَكَ ، وَيُعَادُونَكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ قَبْلِكَ أَيْضًا أَعْدَاءً فَلَا يَهِيدَنَّكَ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ ) [ آلِ عِمْرَانَ : 184 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ) [ الْأَنْعَامِ : 34 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ) [ فُصِّلَتْ : 43 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) [ الْفُرْقَانِ : 43 ] . 319 وَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ .
وَقَوْلُهُ : ( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) بَدَلٌ مِنْ ) عَدُوًّا ) أَيْ : لَهُمْ أَعْدَاءٌ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ وَلَعَنَهُمْ .
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) قَالَ : مِنَ الْجِنِّ شَيَاطِينُ ، وَمِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، قَالَ قَتَادَةُ : ۝ وَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ كَانَ يَوْمًا يُصَلِّي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " تَعَوَّذْ يَا أَبَا ذَرٍّ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " فَقَالَ : أَوَ إِنَّ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " .
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ بَيْنَ قَتَادَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ :
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَشْيَخَةِ ، عَنِ ابْنِ عَائِذٍ ، ۝ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ قَدْ أَطَالَ فِيهِ الْجُلُوسَ ، قَالَ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، هَلْ صَلَّيْتَ؟ " قَالَ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : " قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ " قَالَ : ثُمَّ جِئْتُ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟ " قَالَ : قُلْتُ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، هُمْ شَرٌّ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ "
وَهَذَا أَيْضًا فِيهِ انْقِطَاعٌ وَرُوِيَ مُتَّصِلًا كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ :
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ ، أَنْبَأَنِي أَبُو عُمَرَ الدِّمَشْقِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الْخَشْخَاشِ ، ۝ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَجَلَسْتُ فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ صَلَّيْتَ؟ " قُلْتُ : لَا . قَالَ : " قُمْ فَصَلِّ " قَالَ : فَقُمْتُ فَصَلَّيْتُ ، ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ " قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ بِطُولِهِ .
وَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ ، مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ ، وَيَعْلَى بْنِ عُبَيْدٍ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى ، ثَلَاثَتِهِمْ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، بِهِ .
320 طَرِيقٌ أُخْرَى عَنْ أَبِي ذَرٍّ : قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ دِمَشْقَ ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ، ۝ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَا أَبَا ذَرٍّ ، هَلْ تَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ؟ " قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ : " نَعَمْ " .
طَرِيقٌ أُخْرَى لِلْحَدِيثِ : قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ الْحِمْصِيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ، حَدَّثَنَا مُعَانُ بْنُ رِفَاعَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ ، عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَوَّذْتَ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ؟ " قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَهَلْ لِلْإِنْسِ مِنْ شَيَاطِينَ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا "
فَهَذِهِ طُرُقٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَمَجْمُوعُهَا يُفِيدُ قُوَّتَهُ وَصِحَّتَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) قَالَ : لَيْسَ مِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ ، وَلَكِنْ شَيَاطِينُ الْجِنِّ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ ، وَشَيَاطِينُ الْإِنْسِ يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ .
قَالَ : وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) قَالَ : لِلْإِنْسِيِّ شَيْطَانٌ ، وَلِلْجِنِّيِّ شَيْطَانٌ فَيَلْقَى شَيْطَانُ الْإِنْسِ شَيْطَانَ الْجِنِّ ، فَيُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا .
وَقَالَ أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : أَمَّا شَيَاطِينُ الْإِنْسِ ، فَالشَّيَاطِينُ الَّتِي تُضِلُّ الْإِنْسَ ، وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ الْجِنَّ ، يَلْتَقِيَانِ ، فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ : إِنِّي أَضْلَلْتُ صَاحِبِي بِكَذَا وَكَذَا ، فَأَضْلِلْ أَنْتَ صَاحِبَكَ بِكَذَا وَكَذَا ، فَيُعَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا .
فَفَهِمَ ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ هَذَا; أَنَّ الْمُرَادَ بِشَيَاطِينِ الْإِنْسِ عِنْدَ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ : الشَّيَاطِينُ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ يُضِلُّونَ النَّاسَ ، لَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ شَيَاطِينُ الْإِنْسِ مِنْهُمْ . وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ مِنْ كَلَامِ عِكْرِمَةَ ، وَأَمَّا كَلَامُ السُّدِّيِّ فَلَيْسَ مِثْلَهُ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ نَحْوَ هَذَا ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ ، عَنْهُ ، قَالَ : إِنَّ لِلْجِنِّ شَيَاطِينَ يُضِلُّونَهُمْ - مِثْلُ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ 321 يُضِلُّونَهُمْ ، قَالَ : فَيَلْتَقِي شَيَاطِينُ الْإِنْسِ وَشَيَاطِينُ الْجِنِّ ، فَيَقُولُ هَذَا لِهَذَا : أَضْلِلْهُ بِكَذَا ، أَضْلِلْهُ بِكَذَا . فَهُوَ قَوْلُهُ : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) .
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ : إِنَّ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينَ مِنْهُمْ ، وَشَيْطَانُ كُلِّ شَيْءٍ مَارِدُهُ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ " وَمَعْنَاهُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - : شَيْطَانٌ فِي الْكِلَابِ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : كُفَّارُ الْجِنِّ شَيَاطِينُ ، يُوحُونَ إِلَى شَيَاطِينِ الْإِنْسِ ، كُفَّارِ الْإِنْسِ ، زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَدِمْتُ عَلَى الْمُخْتَارِ فَأَكْرَمَنِي وَأَنْزَلَنِي حَتَّى كَادَ يَتَعَاهَدُ مَبِيتِي بِاللَّيْلِ ، قَالَ : فَقَالَ لِي : اخْرُجْ إِلَى النَّاسِ فَحَدِّثِ النَّاسَ . قَالَ : فَخَرَجْتُ ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ : مَا تَقُولُ فِي الْوَحْيِ؟ فَقُلْتُ : الْوَحْيُ وَحْيَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ) [ يُوسُفَ : 3 ] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) قَالَ : فَهَمُّوا بِي أَنْ يَأْخُذُونِي ، فَقُلْتُ : مَا لَكُمْ ذَاكَ ، إِنِّي مُفْتِيكُمْ وَضَيْفُكُمْ . فَتَرَكُونِي .
وَإِنَّمَا عَرَّضَ عِكْرِمَةُ بِالْمُخْتَارِ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ - قَبَّحَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ ، وَقَدْ كَانَتْ أُخْتُهُ صَفِيَّةُ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَكَانَتْ مِنَ الصَّالِحَاتِ ، وَلَمَّا أُخْبِرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ قَالَ : صَدَقَ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ) [ الْأَنْعَامِ : 121 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ) أَيْ : يُلْقِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ الْمُزَيَّنَ الْمُزَخْرَفَ ، وَهُوَ الْمُزَوَّقُ الَّذِي يَغْتَرُّ سَامِعُهُ مِنَ الْجَهَلَةِ بِأَمْرِهِ .
( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ) أَيْ : وَذَلِكَ كُلُّهُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ .
( فَذَرْهُمْ ) أَيْ : فَدَعْهُمْ ، ( وَمَا يَفْتَرُونَ ) أَيْ : يَكْذِبُونَ ، أَيْ : دَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي عَدَاوَتِهِمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ كَافِيكَ وَنَاصِرُكَ عَلَيْهِمْ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ ) أَيْ : وَلِتَمِيلَ إِلَيْهِ - قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ( أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) أَيْ : قُلُوبُهُمْ وَعُقُولُهُمْ وَأَسْمَاعُهُمْ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : قُلُوبُ الْكَافِرِينَ ، ( وَلِيَرْضَوْهُ ) أَيْ : يُحِبُّوهُ وَيُرِيدُوهُ . وَإِنَّمَا يَسْتَجِيبُ لِذَلِكَ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ) [ الصَّافَّاتِ : 161 - 163 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 8 ، 9 ] . وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( وَلِيَكْتَسِبُوا مَا هُمْ مُكْتَسِبُونَ 322 وَقَالَ السُّدِّيُّ ، وَابْنُ زَيْدٍ : وَلِيَعْمَلُوا مَا هُمْ عَامِلُونَ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith