تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ( 55 ) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) ) .
أَرْشَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى دُعَائِهِ ، الَّذِي هُوَ صَلَاحُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ ، فَقَالَ تَعَالَى :
428 ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) قِيلَ مَعْنَاهُ : تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً ، وَ ) خُفْيَةً ) كَمَا قَالَ : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 205 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : رَفَعَ النَّاسُ أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ; فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ " الْحَدِيثَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) قَالَ : السِّرُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : ( تَضَرُّعًا ) تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً لِطَاعَتِهِ . ) وَخُفْيَةً ) يَقُولُ : بِخُشُوعِ قُلُوبِكُمْ ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، لَا جِهَارًا وَمُرَاءَاةً .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فُضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ . وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ فَقُهَ الْفِقْهَ الْكَثِيرَ ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ . وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الطَّوِيلَةَ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ الزُّوَّرُ وَمَا يَشْعُرُونَ بِهِ . وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السِّرِّ ، فَيَكُونُ عَلَانِيَةً أَبَدًا . وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ ، وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ ، إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 3 ] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالنِّدَاءُ وَالصِّيَاحُ فِي الدُّعَاءِ ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ ، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) فِي الدُّعَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ . .
وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) لَا يُسْأَلُ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ ، سَمِعْتُ أَبَا نَعَامَةَ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ; أَنَّ سَعْدًا سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَإِسْتَبْرَقَهَا وَنَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا . فَقَالَ : لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَتَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَرٍّ كَثِيرٍ ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ " وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ادْعُوَا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) 429 وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَقُولَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ "
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ ، عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، فَذَكَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا . فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَعُذْ بِهِ مِنَ النَّارِ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " يَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ "
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَفَّانَ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ - وَاسْمُهُ : قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ الْحَنَفِيُّ الْبَصْرِيُّ - وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) يَنْهَى تَعَالَى عَنِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ ، وَمَا أَضَرَّهُ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ ! فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُورُ مَاشِيَةً عَلَى السَّدَادِ ، ثُمَّ وَقَعَ الْإِفْسَادُ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَانَ أَضَرَّ مَا يَكُونُ عَلَى الْعِبَادِ . فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَالتَّذَلُّلِ لَدَيْهِ ، فَقَالَ : ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أَيْ : خَوْفًا مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ وَبِيلِ الْعِقَابِ ، وَطَمَعًا فِيمَا عِنْدَهُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ .
ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أَيْ : إِنَّ رَحْمَتَهُ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَوَامِرَهُ وَيَتْرُكُونَ زَوَاجِرَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) [ الْأَعْرَافِ : 156 ، 157 ] .
وَقَالَ : ( قَرِيبٌ ) وَلَمْ يَقُلْ : " قَرِيبَةٌ " ; لِأَنَّهُ ضَمَّنَ الرَّحْمَةَ مَعْنَى الثَّوَابِ ، أَوْ لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى اللَّهِ ، فَلِهَذَا قَالَ : قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .
وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ : تَنَجَّزُوا مَوْعُودَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ ، فَإِنَّهُ قَضَى أَنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
430
أَرْشَدَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى دُعَائِهِ ، الَّذِي هُوَ صَلَاحُهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَأُخْرَاهُمْ ، فَقَالَ تَعَالَى :
428 ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) قِيلَ مَعْنَاهُ : تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً ، وَ ) خُفْيَةً ) كَمَا قَالَ : ( وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ) [ الْأَعْرَافِ : 205 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : رَفَعَ النَّاسُ أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَيُّهَا النَّاسُ ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ; فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا ، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ " الْحَدِيثَ .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ) قَالَ : السِّرُّ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : ( تَضَرُّعًا ) تَذَلُّلًا وَاسْتِكَانَةً لِطَاعَتِهِ . ) وَخُفْيَةً ) يَقُولُ : بِخُشُوعِ قُلُوبِكُمْ ، وَصِحَّةِ الْيَقِينِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ، لَا جِهَارًا وَمُرَاءَاةً .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ الْمُبَارَكِ بْنِ فُضَالَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ جَمَعَ الْقُرْآنَ ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ . وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَقَدْ فَقُهَ الْفِقْهَ الْكَثِيرَ ، وَمَا يَشْعُرُ بِهِ النَّاسُ . وَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الطَّوِيلَةَ فِي بَيْتِهِ وَعِنْدَهُ الزُّوَّرُ وَمَا يَشْعُرُونَ بِهِ . وَلَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ عَمَلٍ يَقْدِرُونَ أَنْ يَعْمَلُوهُ فِي السِّرِّ ، فَيَكُونُ عَلَانِيَةً أَبَدًا . وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاءِ ، وَمَا يُسْمَعُ لَهُمْ صَوْتٌ ، إِنْ كَانَ إِلَّا هَمْسًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : ( ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ : ( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ) [ مَرْيَمَ : 3 ] .
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ وَالنِّدَاءُ وَالصِّيَاحُ فِي الدُّعَاءِ ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّضَرُّعِ وَالِاسْتِكَانَةِ ، ثُمَّ رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) فِي الدُّعَاءِ وَلَا فِي غَيْرِهِ . .
وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ : ( إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) لَا يُسْأَلُ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ ، سَمِعْتُ أَبَا نَعَامَةَ عَنْ مَوْلًى لِسَعْدٍ; أَنَّ سَعْدًا سَمِعَ ابْنًا لَهُ يَدْعُو وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعِيمَهَا وَإِسْتَبْرَقَهَا وَنَحْوًا مِنْ هَذَا ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَسَلَاسِلِهَا وَأَغْلَالِهَا . فَقَالَ : لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَتَعَوَّذْتَ بِاللَّهِ مِنْ شَرٍّ كَثِيرٍ ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " إِنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ " وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( ادْعُوَا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) 429 وَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَقُولَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ "
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ ، عَنِ ابْنٍ لِسَعْدٍ ، عَنْ سَعْدٍ ، فَذَكَرَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الْأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلْتُهَا . فَقَالَ : يَا بُنَيَّ ، سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ ، وَعُذْ بِهِ مِنَ النَّارِ; فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " يَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ "
وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ عَفَّانَ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِيَاسٍ الْجُرَيْرِيِّ ، عَنْ أَبِي نَعَامَةَ - وَاسْمُهُ : قَيْسُ بْنُ عَبَايَةَ الْحَنَفِيُّ الْبَصْرِيُّ - وَهُوَ إِسْنَادٌ حَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ) يَنْهَى تَعَالَى عَنِ الْإِفْسَادِ فِي الْأَرْضِ ، وَمَا أَضَرَّهُ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ ! فَإِنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُورُ مَاشِيَةً عَلَى السَّدَادِ ، ثُمَّ وَقَعَ الْإِفْسَادُ بَعْدَ ذَلِكَ ، كَانَ أَضَرَّ مَا يَكُونُ عَلَى الْعِبَادِ . فَنَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ ، وَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِ وَدُعَائِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ وَالتَّذَلُّلِ لَدَيْهِ ، فَقَالَ : ( وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ) أَيْ : خَوْفًا مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ وَبِيلِ الْعِقَابِ ، وَطَمَعًا فِيمَا عِنْدَهُ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ .
ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أَيْ : إِنَّ رَحْمَتَهُ مُرْصَدَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ ، الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ أَوَامِرَهُ وَيَتْرُكُونَ زَوَاجِرَهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ) [ الْأَعْرَافِ : 156 ، 157 ] .
وَقَالَ : ( قَرِيبٌ ) وَلَمْ يَقُلْ : " قَرِيبَةٌ " ; لِأَنَّهُ ضَمَّنَ الرَّحْمَةَ مَعْنَى الثَّوَابِ ، أَوْ لِأَنَّهَا مُضَافَةٌ إِلَى اللَّهِ ، فَلِهَذَا قَالَ : قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ .
وَقَالَ مَطَرٌ الْوَرَّاقُ : تَنَجَّزُوا مَوْعُودَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ ، فَإِنَّهُ قَضَى أَنَّ رَحْمَتَهُ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ .
430
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith