تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 528 · printed p. 446
( فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ( 83 ) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ( 84 ) )
يَقُولُ تَعَالَى : فَأَنْجَيْنَا لُوطًا وَأَهْلَهُ ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِوَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَقَطْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : 446 ( فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ الذَّارِيَاتِ : 35 ، 36 ] إِلَّا امْرَأَتَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُؤْمِنْ بِهِ ، بَلْ كَانَتْ عَلَى دِينِ قَوْمِهَا ، تُمَالِئُهُمْ عَلَيْهِ وَتُعْلِمُهُمْ بِمَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِنْ ضِيفَانِهِ بِإِشَارَاتٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ ; وَلِهَذَا لَمَّا أُمِرَ لُوطٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنْ يَسْرِيَ بِأَهْلِهِ أُمِرَ أَلَّا يُعْلِمَ امْرَأَتَهُ وَلَا يُخْرِجَهَا مِنَ الْبَلَدِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : بَلِ اتَّبَعَتْهُمْ ، فَلَمَّا جَاءَ الْعَذَابُ الْتَفَتَتْ هِيَ فَأَصَابَهَا مَا أَصَابَهُمْ . وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْبَلَدِ ، وَلَا أَعْلَمَهَا لُوطٌ ، بَلْ بَقِيَتْ مَعَهُمْ ; وَلِهَذَا قَالَ هَاهُنَا : ( إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ ) أَيْ : الْبَاقِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَ ذَلِكَ ( مِنَ الْغَابِرِينَ ) مَنَ الْهَالِكِينَ ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ بِاللَّازِمِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا ) مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ : ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ) [ هُودٍ 82 ، 83 ] وَلِهَذَا قَالَ : ( فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) أَيِ : انْظُرْ - يَا مُحَمَّدُ - كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَنْ تَجَهْرَمَ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ
وَقَدْ ذَهَبَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، إِلَى أَنَّ اللَّائِطَ يُلْقَى مِنْ شَاهِقٍ ، وَيُتْبَعُ بِالْحِجَارَةِ كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوطٍ .
وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُرْجَمُ سَوَاءً كَانَ مُحْصَنًا أَوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَالْحُجَّةُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ الدَّرَاوَرْدِيِّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ "
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ كَالزَّانِي ، فَإِنْ كَانَ مُحْصَنًا رُجِمَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَنًا جُلِدَ مِائَةَ جِلْدَةٍ . وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ .
وَأَمَّا إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي الْأَدْبَارِ ، فَهُوَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى ، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ ، إِلَّا قَوْلًا [ وَاحِدًا ] شَاذًا لِبَعْضِ السَّلَفِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith