تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
page 557 · printed p. 476
( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ( 148 ) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ ضَلَالِ مَنْ ضَلَّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ ، الَّذِي اتَّخَذَهُ لَهُمُ السَّامِرِيُّ مِنْ حُلِيِّ الْقِبْطِ ، الَّذِي كَانُوا اسْتَعَارُوهُ مِنْهُمْ ، فَشَكَّلَ لَهُمْ مِنْهُ عِجْلًا ثُمَّ أَلْقَى فِيهِ الْقَبْضَةَ مِنَ التُّرَابِ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَصَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ، وَ " الْخُوَارُ " صَوْتُ الْبَقَرِ . 476 وَكَانَ هَذَا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَهَابِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِمِيقَاتِ رَبِّهِ تَعَالَى ، وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ وَهُوَ عَلَى الطُّورِ ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ : ( ( 149 ) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ) [ طه : 85 ]
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْعِجْلِ : هَلْ صَارَ لَحْمًا وَدَمًا لَهُ خُوَارٌ ؟ أَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى كَوْنِهِ مَنْ ذَهَبٍ ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الْهَوَاءُ فَيُصَوِّتُ كَالْبَقَرِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُقَالُ : إِنَّهُمْ لَمَّا صَوَّتَ لَهُمُ الْعِجْلُ رَقَصُوا حَوْلَهُ وَافْتَتَنُوا بِهِ ، ( فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ ) [ طه : 88 ] فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ( أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ) [ طه : 89 ]
وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ) يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي ضَلَالِهِمْ بِالْعِجْلِ ، وَذُهُولِهِمْ عَنْ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبِّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكِهِ ، أَنْ عَبَدُوا مَعَهُ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ ، وَلَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى خَيْرٍ . وَلَكِنْ غَطَّى عَلَى أَعْيُنِ بَصَائِرِهِمْ عَمَى الْجَهْلِ وَالضَّلَالِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ "
وَقَوْلُهُ : ( وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ ) أَيْ : نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا ، ( وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا ) وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا " بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ، " رَبَّنَا " مُنَادَى ، " وَتَغْفِرْ لَنَا " ، ( لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) أَيْ : مِنَ الْهَالِكِينَ وَهَذَا اعْتِرَافٌ مِنْهُمْ بِذَنْبِهِمْ وَالْتِجَاءٌ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith