تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الثالث
( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ( 172 ) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ( 173 ) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 174 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ ، شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى فَطَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهِ ، قَالَ تَعَالَى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) [ الرُّومِ : 30 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ - فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، وَيُنَصِّرَانِهِ ، وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ ، عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ "
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى : أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ حَدَّثَهُمْ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ ، قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ غَزَوَاتٍ ، قَالَ : فَتَنَاوَلَ الْقَوْمُ الذُّرِّيَّةَ بَعْدَ مَا قَتَلُوا الْمُقَاتَلَةَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَاوَلُونَ الذُّرِّيَّةَ ؟ " قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسُوا أَبْنَاءَ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : " إِنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ ! أَلَا إِنَّهَا لَيْسَتْ نِسْمَةٌ تُولَدُ إِلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَمَا تَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهَا لِسَانُهَا ، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا " . قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) الْآيَةَ
501 وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ سُرَيْعٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاسْتِحْضَارَهُ الْآيَةَ عِنْدَ ذَلِكَ
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَخْذِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَمْيِيزِهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ [ إِلَى ] أَصْحَابِ الشِّمَالِ ، وَفِي بَعْضِهَا الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ " قَالَ : " فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيَقُولُ : قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَلَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِنُعْمَانَ . يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا قَالَ : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( الْمُبْطِلُونَ )
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ - صَاعِقَةٍ - عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، بِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ . إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، بِهِ . وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِكُلْثُومِ بْنِ جُبَيْرٍ هَكَذَا قَالَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَوَقَفَهُ وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَوَكِيعٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ ، عَنْ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ بُذَيْمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ 502 عَبَّاسٍ فَهَذَا أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : أَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] مِنْ ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ ، وَهُوَ فِي آذِي مِنَ الْمَاءِ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ جُوَبْيِرٍ قَالَ : مَاتَ ابْنٌ لِلضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، [ وَهُوَ ] ابْنُ سِتَّةِ أَيَّامٍ . قَالَ : فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، إِذَا أَنْتَ وَضَعْتَ ابْنِي فِي لَحْدِهِ ، فَأَبْرِزْ وَجْهَهُ ، وَحُلَّ عَنْهُ عُقَدَهُ ، فَإِنَّ ابْنِي مُجْلَسٌ ، وَمَسْئُولٌ . فَفَعَلْتُ بِهِ الَّذِي أَمَرَ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، عَمَّ يُسْأَلُ ابْنُكَ ؟ مَنْ يَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ قَالَ : يُسْأَلُ عَنِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي صُلْبِ آدَمَ . قُلْتُ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، وَمَا هَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي صُلْبِ آدَمَ ؟ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ; أَنَّ اللَّهَ مَسَحَ صُلْبَ آدَمَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نَسَمَةٍ هُوَ خَلَقَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ : أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ ، ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صُلْبِهِ . فَلَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يُولَدَ مَنْ أَعْطَى الْمِيثَاقَ يَوْمَئِذٍ ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْآخِرَ فَوَفَّى بِهِ ، نَفَعَهُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ . وَمَنْ أَدْرَكَ الْمِيثَاقَ الْآخِرَ فَلَمْ يَفِ بِهِ ، لَمْ يَنْفَعْهُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ . وَمَنْ مَاتَ صَغِيرًا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ الْمِيثَاقَ الْآخَرَ ، مَاتَ عَلَى الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ عَلَى الْفِطْرَةِ
فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مِمَّا تُقَوِّي وَقْفَ هَذَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَعَنْ - مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) قَالَ : " أَخَذَ مِنْ ظَهْرِهِ ، كَمَا يُؤْخَذُ بِالْمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ لَهُمْ : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ( شَهِدْنَا أَنْ يَقُولُوا ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ هَذَا هُوَ : أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ قَاضِي قَوْمَسَ ، كَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ ، أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا غَرَائِبُ .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، 503 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَوْلُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، بِهِ . وَهَذَا أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ - هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ : أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَخْبَرَهُ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) الْآيَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : " إِنِ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ، قَالَ : خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ . ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ، قَالَ : خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ ، اسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ . وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ - وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ - وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مَعْنٍ . وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ . وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانٍ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، بِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ عُمَرَ . وَكَذَا قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ . زَادَ أَبُو حَاتِمٍ : وَبَيْنَهُمَا نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصَفَّى ، عَنْ بَقِيَّةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ جُعْثُمٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) فَذَكَرَهُ
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَدْ تَابَعَ عُمَرَ بْنَ جُعْثُمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سِنَانٍ أَبُو فَرْوَةَ الرُّهَاوِيُّ ، وَقَوْلُهُمَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا إِنَّمَا أَسْقَطَ ذِكْرَ " نُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ " عَمْدًا ; لَمَّا جَهِلَ حَالَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ، 504 فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ يُسْقِطُ ذِكْرَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَرْتَضِيهِمْ ; وَلِهَذَا يُرْسِلُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ ، وَيَقْطَعُ كَثِيرًا مِنَ الْمَوْصُولَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ ذَرِّيَّتُكَ . فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، يُقَالُ لَهُ : دَاوُدُ . قَالَ : رَبِّ ، وَكَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ ؟ قَالَ : سِتِّينَ سَنَةً . قَالَ : أَيْ رَبِّ ، زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً . فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ ، جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ : أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ ؟ قَالَ : فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، بِهِ . وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ : يَا آدَمُ ، هَؤُلَاءِ ذَرِّيَّتُكَ . وَإِذَا فِيهِمُ الْأَجْذَمُ وَالْأَبْرَصُ وَالْأَعْمَى ، وَأَنْوَاعُ الْأَسْقَامِ ، فَقَالَ آدَمُ : يَا رَبِّ ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا بِذُرِّيَّتِي ؟ قَالَ : كَيْ تُشْكَرَ نِعْمَتِي . وَقَالَ آدَمُ : يَا رَبِّ ، مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَاهُمْ أَظْهَرَ النَّاسِ نُورًا ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ يَا آدَمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ " . ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ دَاوُدَ ، كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَتَادَةَ النَّصْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُبْدَأُ الْأَعْمَالُ ، أَمْ قَدْ قُضِيَ الْقَضَاءُ ؟ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ، ثُمَّ أَشْهَدُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ أَفَاضَ بِهِمْ فِي كَفَّيْهِ " ثُمَّ قَالَ : " هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ مُيَسَّرُونُ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ " .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ
505 حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، وَقَضَى الْقَضِيَّةَ ، أَخَذَ أَهْلَ الْيَمِينِ بِيَمِينِهِ وَأَهْلَ الشِّمَالِ بِشِمَالِهِ ، فَقَالَ : يَا أَصْحَابَ الْيَمِينِ . فَقَالُوا : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : يَا أَصْحَابَ الشِّمَالِ . قَالُوا : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَبِّ ، لِمَ خَلَطْتَ بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ، أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ
أَثَرٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا ، قَالَ : فَجَمْعُهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا ، مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، الْآيَةَ . قَالَ : فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي ، وَلَا رَبَّ غَيْرِي ، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ، وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلًا يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي ، وَأْنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي . قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا ، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ . فَأَقَرُّوا لَهُ يَوْمَئِذٍ بِالطَّاعَةِ ، وَرَفَعَ أَبَاهُمْ آدَمُ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ ، فَرَأَى فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ . فَقَالَ : يَا رَبِّ ، لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ ؟ قَالَ : إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ . وَرَأَى فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ ، وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ] ) [ الْأَحْزَابِ : 7 ] وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ [ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ] ) الْآيَةَ [ الرُّومِ : 30 ] ، وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ : ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ) [ النَّجْمِ : 56 ] وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ : ( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ] ) [ الْأَعْرَافِ : 102 ] .
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، بِهِ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ ، سِيَاقَاتٍ تُوَافِقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، اكْتَفَيْنَا بِإِيرَادِهَا عَنِ التَّطْوِيلِ فِي تِلْكَ الْآثَارِ كُلِّهَا ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ .
506 فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ ، وَمَيَّزَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ، وَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَيْهِمْ هُنَاكَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ ، فَمَا هُوَ إِلَّا فِي حَدِيثِ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا مَوْقُوفَانِ لَا مَرْفُوعَانِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْإِشْهَادِ إِنَّمَا هُوَ فَطْرُهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ، وَمِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ . وَقَدْ فَسَّرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الْآيَةَ بِذَلِكَ ، قَالُوا : وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ) وَلَمْ يَقُلْ : " مِنْ آدَمَ " ، ( مِنْ ظُهُورِهِمْ ) وَلَمْ يُقَلْ : " مِنْ ظَهْرِهِ " ) ذُرِّيَّاتِهِمْ ) أَيْ : جَعَلَ نَسْلَهُمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ) [ الْأَنْعَامِ : 165 ] وَقَالَ : ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ) [ النَّمْلِ : 62 ] وَقَالَ : ( كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 133 ]
ثُمَّ قَالَ : ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) أَيْ : أَوَجَدَهُمْ شَاهِدِينَ بِذَلِكَ ، قَائِلِينَ لَهُ حَالًا وَقَالَا . وَالشَّهَادَةُ تَارَةً تَكُونُ بِالْقَوْلِ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ) [ الْأَنْعَامِ : 130 ] الْآيَةَ ، وَتَارَةً تَكُونُ حَالًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) [ التَّوْبَةِ : 17 ] أَيْ : حَالُهُمْ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) [ الْعَادِيَاتِ : 7 ] كَمَا أَنَّ السُّؤَالَ تَارَةً يَكُونُ بِالْقَالِ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْحَالِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 34 ] قَالُوا : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هَذَا ، أَنْ جَعَلَ هَذَا الْإِشْهَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ ، فَلَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَذْكُرُهُ ، لِيُكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : إِخْبَارُ الرَّسُولِ بِهِ كَافٍ فِي وُجُودِهِ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ . وَهَذَا جَعَلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا مِنَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ يَقُولُوا ) أَيْ : لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا ) أَيْ : [ عَنِ ] التَّوْحِيدِ ( غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا ) الْآيَةَ .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ بَنِي آدَمَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ ، شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ وَمَلِيكُهُمْ ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ . كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى فَطَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَلَهُمْ عَلَيْهِ ، قَالَ تَعَالَى : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) [ الرُّومِ : 30 ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ - وَفِي رِوَايَةٍ : عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ - فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ، وَيُنَصِّرَانِهِ ، وَيُمَجِّسَانِهِ ، كَمَا تُولَدُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَقُولُ اللَّهُ [ تَعَالَى ] إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ ، عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ "
وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى : أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ حَدَّثَهُمْ ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ ، قَالَ : غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ غَزَوَاتٍ ، قَالَ : فَتَنَاوَلَ الْقَوْمُ الذُّرِّيَّةَ بَعْدَ مَا قَتَلُوا الْمُقَاتَلَةَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَاوَلُونَ الذُّرِّيَّةَ ؟ " قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَلَيْسُوا أَبْنَاءَ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ : " إِنَّ خِيَارَكُمْ أَبْنَاءُ الْمُشْرِكِينَ ! أَلَا إِنَّهَا لَيْسَتْ نِسْمَةٌ تُولَدُ إِلَّا وُلِدَتْ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَمَا تَزَالُ عَلَيْهَا حَتَّى يُبَيِّنَ عَنْهَا لِسَانُهَا ، فَأَبَوَاهَا يُهَوِّدَانِهَا أَوْ يُنَصِّرَانِهَا " . قَالَ الْحَسَنُ : وَاللَّهِ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ) الْآيَةَ
501 وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِهِ . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ هُشَيْمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ بْنُ سُرَيْعٍ ، فَذَكَرَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاسْتِحْضَارَهُ الْآيَةَ عِنْدَ ذَلِكَ
وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ فِي أَخْذِ الذُّرِّيَّةِ مِنْ صُلْبِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَتَمْيِيزِهِمْ إِلَى أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ [ إِلَى ] أَصْحَابِ الشِّمَالِ ، وَفِي بَعْضِهَا الِاسْتِشْهَادُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنَيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يُقَالُ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ ؟ " قَالَ : " فَيَقُولُ : نَعَمْ . فَيَقُولُ : قَدْ أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ ذَلِكَ ، قَدْ أَخَذْتُ عَلَيْكَ فِي ظَهْرِ آدَمَ أَلَّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي " .
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ ، بِهِ
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي ابْنَ حَازِمٍ - عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِنُعْمَانَ . يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا قَالَ : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ) إِلَى قَوْلِهِ : ( الْمُبْطِلُونَ )
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ النَّسَائِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ مِنْ سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ - صَاعِقَةٍ - عَنْ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، بِهِ . وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهِ . إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ ، بِهِ . وَقَالَ : صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ، وَقَدِ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِكُلْثُومِ بْنِ جُبَيْرٍ هَكَذَا قَالَ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَوَقَفَهُ وَكَذَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَوَكِيعٌ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ ، عَنْ جُبَيْرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِهِ . وَكَذَا رَوَاهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ ، وَعَلِيُّ بْنُ بُذَيْمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ 502 عَبَّاسٍ فَهَذَا أَكْثَرُ وَأَثْبَتُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] قَالَ : أَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] مِنْ ظَهْرِهِ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ ، وَهُوَ فِي آذِي مِنَ الْمَاءِ .
وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ ، حَدَّثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عَنْ جُوَبْيِرٍ قَالَ : مَاتَ ابْنٌ لِلضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ ، [ وَهُوَ ] ابْنُ سِتَّةِ أَيَّامٍ . قَالَ : فَقَالَ : يَا جَابِرُ ، إِذَا أَنْتَ وَضَعْتَ ابْنِي فِي لَحْدِهِ ، فَأَبْرِزْ وَجْهَهُ ، وَحُلَّ عَنْهُ عُقَدَهُ ، فَإِنَّ ابْنِي مُجْلَسٌ ، وَمَسْئُولٌ . فَفَعَلْتُ بِهِ الَّذِي أَمَرَ ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قُلْتُ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، عَمَّ يُسْأَلُ ابْنُكَ ؟ مَنْ يَسْأَلُهُ إِيَّاهُ ؟ قَالَ : يُسْأَلُ عَنِ الْمِيثَاقِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي صُلْبِ آدَمَ . قُلْتُ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، وَمَا هَذَا الْمِيثَاقُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ فِي صُلْبِ آدَمَ ؟ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] ; أَنَّ اللَّهَ مَسَحَ صُلْبَ آدَمَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ كُلَّ نَسَمَةٍ هُوَ خَلَقَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ : أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَتَكَفَّلَ لَهُمْ بِالْأَرْزَاقِ ، ثُمَّ أَعَادَهُمْ فِي صُلْبِهِ . فَلَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ حَتَّى يُولَدَ مَنْ أَعْطَى الْمِيثَاقَ يَوْمَئِذٍ ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْهُمُ الْمِيثَاقَ الْآخِرَ فَوَفَّى بِهِ ، نَفَعَهُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ . وَمَنْ أَدْرَكَ الْمِيثَاقَ الْآخِرَ فَلَمْ يَفِ بِهِ ، لَمْ يَنْفَعْهُ الْمِيثَاقُ الْأَوَّلُ . وَمَنْ مَاتَ صَغِيرًا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ الْمِيثَاقَ الْآخَرَ ، مَاتَ عَلَى الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ عَلَى الْفِطْرَةِ
فَهَذِهِ الطُّرُقُ كُلُّهَا مِمَّا تُقَوِّي وَقْفَ هَذَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْوَلِيدِ ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْأَجْلَحِ ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَعَنْ - مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) قَالَ : " أَخَذَ مِنْ ظَهْرِهِ ، كَمَا يُؤْخَذُ بِالْمُشْطِ مِنَ الرَّأْسِ ، فَقَالَ لَهُمْ : ( أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ( شَهِدْنَا أَنْ يَقُولُوا ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَيْبَةَ هَذَا هُوَ : أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُرْجَانِيُّ قَاضِي قَوْمَسَ ، كَانَ أَحَدَ الزُّهَّادِ ، أَخْرَجَ لَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ : يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا غَرَائِبُ .
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، 503 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، قَوْلُهُ ، وَكَذَا رَوَاهُ جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، بِهِ . وَهَذَا أَصَحُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ - هُوَ ابْنُ عُبَادَةَ - حَدَّثَنَا مَالِكٌ ، وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ : أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَخْبَرَهُ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) الْآيَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، سُئِلَ عَنْهَا ، فَقَالَ : " إِنِ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ، قَالَ : خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ . ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً ، قَالَ : خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ " . فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِذَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ ، اسْتَعْمَلَهُ بِأَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ الْجَنَّةَ . وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ ، فَيُدْخِلَهُ بِهِ النَّارَ " .
وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ - وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ - وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مُوسَى ، عَنْ مَعْنٍ . وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ . وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانٍ فِي صَحِيحِهِ ، مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ ، كُلُّهُمْ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، بِهِ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَمُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ لَمْ يَسْمَعْ عُمَرَ . وَكَذَا قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ . زَادَ أَبُو حَاتِمٍ : وَبَيْنَهُمَا نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَاتِمٍ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصَفَّى ، عَنْ بَقِيَّةَ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ جُعْثُمٍ الْقُرَشِيِّ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ الْجُهَنِيِّ ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) فَذَكَرَهُ
وَقَالَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ : وَقَدْ تَابَعَ عُمَرَ بْنَ جُعْثُمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ سِنَانٍ أَبُو فَرْوَةَ الرُّهَاوِيُّ ، وَقَوْلُهُمَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قُلْتُ : الظَّاهِرُ أَنَّ الْإِمَامَ مَالِكًا إِنَّمَا أَسْقَطَ ذِكْرَ " نُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ " عَمْدًا ; لَمَّا جَهِلَ حَالَهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ ، 504 فَإِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ إِلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ يُسْقِطُ ذِكْرَ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ لَا يَرْتَضِيهِمْ ; وَلِهَذَا يُرْسِلُ كَثِيرًا مِنَ الْمَرْفُوعَاتِ ، وَيَقْطَعُ كَثِيرًا مِنَ الْمَوْصُولَاتِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ التِّرْمِذِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الْآيَةَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ [ عَزَّ وَجَلَّ ] آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ ذَرِّيَّتُكَ . فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ ، فَقَالَ : أَيْ رَبِّ ، مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ ، يُقَالُ لَهُ : دَاوُدُ . قَالَ : رَبِّ ، وَكَمْ جَعَلْتَ عُمُرَهُ ؟ قَالَ : سِتِّينَ سَنَةً . قَالَ : أَيْ رَبِّ ، زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً . فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ ، جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ : أَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ ؟ قَالَ : فَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَنَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ " .
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، بِهِ . وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، إِلَى أَنْ قَالَ : " ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ : يَا آدَمُ ، هَؤُلَاءِ ذَرِّيَّتُكَ . وَإِذَا فِيهِمُ الْأَجْذَمُ وَالْأَبْرَصُ وَالْأَعْمَى ، وَأَنْوَاعُ الْأَسْقَامِ ، فَقَالَ آدَمُ : يَا رَبِّ ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا بِذُرِّيَّتِي ؟ قَالَ : كَيْ تُشْكَرَ نِعْمَتِي . وَقَالَ آدَمُ : يَا رَبِّ ، مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَرَاهُمْ أَظْهَرَ النَّاسِ نُورًا ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءُ يَا آدَمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ " . ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ دَاوُدَ ، كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ
حَدِيثٌ آخَرُ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَتَادَةَ النَّصْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَكِيمٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَتُبْدَأُ الْأَعْمَالُ ، أَمْ قَدْ قُضِيَ الْقَضَاءُ ؟ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَخَذَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ، ثُمَّ أَشْهَدُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ أَفَاضَ بِهِمْ فِي كَفَّيْهِ " ثُمَّ قَالَ : " هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ ، فَأَهْلُ الْجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَأَهْلُ النَّارِ مُيَسَّرُونُ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ " .
رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ
505 حَدِيثٌ آخَرُ : رَوَى جَعْفَرُ بْنُ الزُّبَيْرِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ ، وَقَضَى الْقَضِيَّةَ ، أَخَذَ أَهْلَ الْيَمِينِ بِيَمِينِهِ وَأَهْلَ الشِّمَالِ بِشِمَالِهِ ، فَقَالَ : يَا أَصْحَابَ الْيَمِينِ . فَقَالُوا : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ : يَا أَصْحَابَ الشِّمَالِ . قَالُوا : لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمْ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَبِّ ، لِمَ خَلَطْتَ بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : لَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ، أَنْ يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ، ثُمَّ رَدَّهُمْ فِي صُلْبِ آدَمَ [ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] . رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ
أَثَرٌ آخَرُ : قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا ، قَالَ : فَجَمْعُهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا ، مَا هُوَ كَائِنٌ مِنْهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ ثُمَّ اسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ ، وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، الْآيَةَ . قَالَ : فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ ، وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي ، وَلَا رَبَّ غَيْرِي ، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ، وَإِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلًا يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي ، وَأْنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي . قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا ، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ . فَأَقَرُّوا لَهُ يَوْمَئِذٍ بِالطَّاعَةِ ، وَرَفَعَ أَبَاهُمْ آدَمُ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ ، فَرَأَى فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ . فَقَالَ : يَا رَبِّ ، لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ ؟ قَالَ : إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ . وَرَأَى فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ مِثْلَ السُّرُجِ عَلَيْهِمُ النُّورُ ، وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ مِنَ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ ، فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ تَعَالَى ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ [ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ] ) [ الْأَحْزَابِ : 7 ] وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ [ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ] ) الْآيَةَ [ الرُّومِ : 30 ] ، وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ : ( هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى ) [ النَّجْمِ : 56 ] وَمِنْ ذَلِكَ قَالَ : ( وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ [ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ] ) [ الْأَعْرَافِ : 102 ] .
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفَاسِيرِهِمْ ، مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ ، بِهِ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَعِكْرِمَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنِ ، وَقَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ ، سِيَاقَاتٍ تُوَافِقُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ ، اكْتَفَيْنَا بِإِيرَادِهَا عَنِ التَّطْوِيلِ فِي تِلْكَ الْآثَارِ كُلِّهَا ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ .
506 فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ ، عَزَّ وَجَلَّ ، اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ ، وَمَيَّزَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ ، وَأَمَّا الْإِشْهَادُ عَلَيْهِمْ هُنَاكَ بِأَنَّهُ رَبُّهُمْ ، فَمَا هُوَ إِلَّا فِي حَدِيثِ كُلْثُومِ بْنِ جَبْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ] وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُمَا مَوْقُوفَانِ لَا مَرْفُوعَانِ ، كَمَا تَقَدَّمَ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ : إِنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْإِشْهَادِ إِنَّمَا هُوَ فَطْرُهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ ، وَمِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ . وَقَدْ فَسَّرَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الْآيَةَ بِذَلِكَ ، قَالُوا : وَلِهَذَا قَالَ : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ) وَلَمْ يَقُلْ : " مِنْ آدَمَ " ، ( مِنْ ظُهُورِهِمْ ) وَلَمْ يُقَلْ : " مِنْ ظَهْرِهِ " ) ذُرِّيَّاتِهِمْ ) أَيْ : جَعَلَ نَسْلَهُمْ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ ، وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ ) [ الْأَنْعَامِ : 165 ] وَقَالَ : ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ) [ النَّمْلِ : 62 ] وَقَالَ : ( كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 133 ]
ثُمَّ قَالَ : ( وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ) أَيْ : أَوَجَدَهُمْ شَاهِدِينَ بِذَلِكَ ، قَائِلِينَ لَهُ حَالًا وَقَالَا . وَالشَّهَادَةُ تَارَةً تَكُونُ بِالْقَوْلِ ، كَمَا قَالَ [ تَعَالَى ] ( قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ) [ الْأَنْعَامِ : 130 ] الْآيَةَ ، وَتَارَةً تَكُونُ حَالًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) [ التَّوْبَةِ : 17 ] أَيْ : حَالُهُمْ شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ لَا أَنَّهُمْ قَائِلُونَ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) [ الْعَادِيَاتِ : 7 ] كَمَا أَنَّ السُّؤَالَ تَارَةً يَكُونُ بِالْقَالِ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْحَالِ ، كَمَا فِي قَوْلِهِ : ( وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ) [ إِبْرَاهِيمَ : 34 ] قَالُوا : وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا هَذَا ، أَنْ جَعَلَ هَذَا الْإِشْهَادَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ فِي الْإِشْرَاكِ ، فَلَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ هَذَا كَمَا قَالَهُ مَنْ قَالَ لَكَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَذْكُرُهُ ، لِيُكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِ . فَإِنْ قِيلَ : إِخْبَارُ الرَّسُولِ بِهِ كَافٍ فِي وُجُودِهِ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ الْمُكَذِّبِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَ بِجَمِيعِ مَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ هَذَا وَغَيْرِهِ . وَهَذَا جَعَلَ حُجَّةً مُسْتَقِلَّةً عَلَيْهِمْ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْفِطْرَةُ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْهَا مِنَ الْإِقْرَارِ بِالتَّوْحِيدِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( أَنْ يَقُولُوا ) أَيْ : لِئَلَّا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : ( إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا ) أَيْ : [ عَنِ ] التَّوْحِيدِ ( غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا ) الْآيَةَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith