تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) )
يَقُولُ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ) أَيْ : تَسْتَنْصِرُوا وَتَسْتَقْضُوا اللَّهَ وَتَسْتَحْكِمُوهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَدْ جَاءَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعيْرٍ ؛ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : اللَّهُمَّ أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ - وَكَانَ ذَلِكَ اسْتِفْتَاحًا مِنْهُ - فَنَزَلَتْ : ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ : أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ حِينَ الْتَقَى الْقَوْمُ : اللَّهُمَّ ، أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ ، وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ ، فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ ، فَكَانَ الْمُسْتَفْتِحَ .
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ ، صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ .
33 فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ . وَرُوِيَ [ نَحْوُ ] هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وقَتَادَةَ ، وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَدْرٍ ، أَخَذُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وَقَالُوا : اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ ، وَأَكْرَمَ الْفِئَتَيْنِ ، وَخَيْرَ الْقَبِيلَتَيْنِ . فَقَالَ اللَّهُ : ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ) يَقُولُ : قَدْ نَصَرْتُ مَا قُلْتُمْ ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ : ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ] ) [ الْأَنْفَالِ : 32 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَنْتَهُوا ) أَيْ : عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ لِرَسُولِهِ ، ( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . [ وَقَوْلُهُ ] ( وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ) كَقَوْلِهِ ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) [ الْإِسْرَاءِ : 8 ] مَعْنَاهُ : وَإِنْ عُدْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ ، نَعُدْ لَكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( وَإِنْ تَعُودُوا ) أَيْ : إِلَى الِاسْتِفْتَاحِ ) نَعُدْ ) إِلَى الْفَتْحِ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّصْرِ لَهُ ، وَتَظْفِيرِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى .
( وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ ) أَيْ : وَلَوْ جَمَعْتُمْ مِنَ الْجُمُوعِ مَا عَسَى أَنْ تَجْمَعُوا ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمُ الْحِزْبُ النَّبَوِيُّ ، وَالْجَنَابُ الْمُصْطَفَوِيُّ .
يَقُولُ تَعَالَى لِلْكُفَّارِ ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا ) أَيْ : تَسْتَنْصِرُوا وَتَسْتَقْضُوا اللَّهَ وَتَسْتَحْكِمُوهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمُ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَدْ جَاءَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعيْرٍ ؛ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : اللَّهُمَّ أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ - وَكَانَ ذَلِكَ اسْتِفْتَاحًا مِنْهُ - فَنَزَلَتْ : ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ) إِلَى آخَرِ الْآيَةِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي ابْنَ هَارُونَ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ : أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ حِينَ الْتَقَى الْقَوْمُ : اللَّهُمَّ ، أَقْطَعُنَا لِلرَّحِمِ ، وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُ ، فَأَحْنِهِ الْغَدَاةَ ، فَكَانَ الْمُسْتَفْتِحَ .
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ حَدِيثِ ، صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ .
33 فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ ، بِهِ وَقَالَ : صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ . وَرُوِيَ [ نَحْوُ ] هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وقَتَادَةَ ، وَيَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَدْرٍ ، أَخَذُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَاسْتَنْصَرُوا اللَّهَ وَقَالُوا : اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعْلَى الْجُنْدَيْنِ ، وَأَكْرَمَ الْفِئَتَيْنِ ، وَخَيْرَ الْقَبِيلَتَيْنِ . فَقَالَ اللَّهُ : ( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ) يَقُولُ : قَدْ نَصَرْتُ مَا قُلْتُمْ ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ : هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْهُمْ : ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ [ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ] ) [ الْأَنْفَالِ : 32 ] .
وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ تَنْتَهُوا ) أَيْ : عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ لِرَسُولِهِ ، ( فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) أَيْ : فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ . [ وَقَوْلُهُ ] ( وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ) كَقَوْلِهِ ( وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا ) [ الْإِسْرَاءِ : 8 ] مَعْنَاهُ : وَإِنْ عُدْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالضَّلَالَةِ ، نَعُدْ لَكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ : ( وَإِنْ تَعُودُوا ) أَيْ : إِلَى الِاسْتِفْتَاحِ ) نَعُدْ ) إِلَى الْفَتْحِ لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّصْرِ لَهُ ، وَتَظْفِيرِهِ عَلَى أَعْدَائِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى .
( وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ ) أَيْ : وَلَوْ جَمَعْتُمْ مِنَ الْجُمُوعِ مَا عَسَى أَنْ تَجْمَعُوا ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ اللَّهُ مَعَهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمُ الْحِزْبُ النَّبَوِيُّ ، وَالْجَنَابُ الْمُصْطَفَوِيُّ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith