تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 599 · printed p. 34
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ( 20 ) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ( 21 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) )
يَأْمُرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ ، وَيَزْجُرُهُمْ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَالتَّشَبُّهِ بِالْكَافِرِينَ بِهِ الْمُعَانِدِينَ لَهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ ) أَيْ : تَتْرُكُوا طَاعَتَهُ وَامْتِثَالَ أَوَامِرِهِ وَتَرْكَ زَوَاجِرِهِ ، ( وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ) أَيْ : بَعْدَ مَا عَلِمْتُمْ مَا دَعَاكُمْ إِلَيْهِ .
( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ) قِيلَ : الْمُرَادُ الْمُشْرِكُونَ . وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ ؛ فَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعُوا وَاسْتَجَابُوا ، وَلَيْسُوا كَذَلِكَ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ مِنْ بَنِي آدَمَ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ ، فَقَالَ : ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ ) 34 أَيْ : عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ ( الْبُكْمُ ) عَنْ فَهْمِهِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : ( الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ) فَهَؤُلَاءِ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ مِمَّا سِوَاهُمْ مُطِيعَةٌ لِلَّهِ [ عَزَّ وَجَلَّ ] فِيمَا خَلَقَهَا لَهُ ، وَهَؤُلَاءِ خُلِقُوا لِلْعِبَادَةِ فَكَفَرُوا ؛ وَلِهَذَا شَبَّهَهُمْ بِالْأَنْعَامِ فِي قَوْلِهِ : ( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ] ) [ الْبَقَرَةِ : 171 ] . وَقَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : ( أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 179 ] .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ مِنْ قُرَيْشٍ . رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : هُمُ الْمُنَافِقُونَ .
قُلْتُ : وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي هَذَا ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ مَسْلُوبُ الْفَهْمِ الصَّحِيحِ ، وَالْقَصْدِ إِلَى الْعَمَلِ الصَّالِحِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لَا فَهْمَ لَهُمْ صَحِيحٌ ، وَلَا قَصْدَ لَهُمْ صَحِيحٌ ، لَوْ فُرِضَ أَنَّ لَهُمْ فَهْمًا ، فَقَالَ : ( وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ ) أَيْ : لَأَفْهَمَهُمْ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : وَلَكِنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ فَلَمْ يُفْهِمْهُمْ ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ ( وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ) أَيْ : أَفْهَمَهُمْ ) لَتَوَلَّوْا ) عَنْ ذَلِكَ قَصْدًا وَعِنَادًا بَعْدَ فَهْمِهِمْ ذَلِكَ ، ( وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) عَنْهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith