تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 688 · printed p. 207
207 ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 103 ) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ( 104 ) )
أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً يُطَهِّرُهُمْ وَيُزَكِّيهِمْ بِهَا ، وَهَذَا عَامٌّ وَإِنْ أَعَادَ بَعْضُهُمُ الضَّمِيرَ فِي " أَمْوَالِهِمْ " إِلَى الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وَخَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ؛ وَلِهَذَا اعْتَقَدَ بَعْضُ مَانِعِي الزَّكَاةِ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَنَّ دَفْعِ الزَّكَاةِ إِلَى الْإِمَامِ لَا يَكُونُ ، وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا خَاصًّا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِهَذَا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ) وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ هَذَا التَّأْوِيلَ وَالْفَهْمَ الْفَاسِدَ الصَّدِيقُ أَبُو بَكْرٍ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ ، وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى أَدَّوُا الزَّكَاةَ إِلَى الْخَلِيفَةِ ، كَمَا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى قَالَ الصِّدِّيقُ : وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا - وَفِي رِوَايَةٍ : عَنَاقًا - يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى مَنْعِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ) أَيْ : ادْعُ لَهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ : ۝ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أُتِيَ بِصَدَقَةِ قَوْمٍ صَلَّى عَلَيْهِمْ ، فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ : " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى " وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : ۝ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، صَلِّ عَلَيَّ وَعَلَى زَوْجِي . فَقَالَ : " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ ، وَعَلَى زَوْجِكِ " .
وَقَوْلُهُ : ( إِنَّ صَلَاتَكَ ) : قَرَأَ بَعْضُهُمْ : " صَلَوَاتِكَ " عَلَى الْجَمْعِ ، وَآخَرُونَ قَرَءُوا : ( إِنَّ صَلَاتَكَ ) عَلَى الْإِفْرَادِ .
( سَكَنٌ لَهُمْ ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رَحْمَةٌ لَهُمْ . وَقَالَ قَتَادَةُ : وَقَارٌ .
وَقَوْلُهُ : ( وَاللَّهُ سَمِيعٌ ) أَيْ : لِدُعَائِكَ ( عَلِيمٌ ) أَيْ : بِمَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْكَ وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهُ .
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنٍ لِحُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا دَعَا لِرَجُلٍ أَصَابَتْهُ ، وَأَصَابَتْ وَلَدَهُ ، وَوَلَدَ وَلَدِهِ .
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ ، عَنْ مِسْعَرٍ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ ، عَنِ ابْنٍ لِحُذَيْفَةَ - قَالَ مِسْعَرٌ : 208 وَقَدْ ذَكَرَهُ مَرَّةً عَنْ حُذَيْفَةَ - : إِنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُدْرِكُ الرَّجُلَ وَوَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) هَذَا تَهْيِيجٌ إِلَى التَّوْبَةِ وَالصَّدَقَةِ اللَّتَيْنِ كَلَّ مِنْهَا يَحُطُّ الذُّنُوبَ وَيُمَحِّصُهَا وَيَمْحَقُهَا .
وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ كُلَّ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ تَابَ عَلَيْهِ ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبِ حَلَالٍ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا ، حَتَّى تَصِيرَ التَّمْرَةُ مِثْلَ أُحُدٍ . كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَوَكِيعٌ ، كِلَاهُمَا عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ وَيَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُرَبِّيهَا لِأَحَدِكُمْ ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ مُهْرَهُ ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَصِيرُ مِثْلَ أُحُدٍ " ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، عَزَّ وَجَلَّ : ( [ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ ] هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) وَ [ قَوْلُهُ ] ( يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) [ الْبَقَرَةِ : 276 ] .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَعْمَشُ كِلَاهُمَا ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إِنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي يَدِ السَّائِلِ . ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ : ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ) .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ ، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّاعِرِ السَّكْسَكِيِّ الدِّمَشْقِيِّ - وَأَصْلُهُ حِمْصِيٌّ ، وَكَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ ، رَوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِ ، وَحَكَى عَنْهُ حَوْشَبُ بْنُ سَيْفٍ السَّكْسَكِيُّ الْحِمْصِيُّ - قَالَ : غَزَا النَّاسُ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، فَغَلَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِائَةَ دِينَارٍ رُومِيَّةٍ . فَلَمَّا قَفَلَ الْجَيْشُ نَدِمَ وَأَتَى الْأَمِيرَ ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا مِنْهُ ، وَقَالَ : قَدْ تَفَرَّقَ النَّاسَ وَلَنْ أَقْبَلَهَا مِنْكَ ، حَتَّى تَأْتِيَ اللَّهَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَسْتَقْرِئُ الصَّحَابَةَ ، فَيَقُولُونَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ ، فَلَمَّا قَدِمَ دِمَشْقَ ذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ لِيَقْبَلَهَا مِنْهُ ، فَأَبَى عَلَيْهِ . فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَسْتَرْجِعُ ، فَمَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّاعِرِ السَّكْسَكِيِّ ، فَقَالَ لَهُ : مَا يُبْكِيكَ ؟ فَذَكَرَ لَهُ أَمْرَهُ ، فَقَالَ أَمُطِيعُنِيَّ أَنْتَ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : اذْهَبْ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقُلْ لَهُ : اقْبَلْ مِنِّي خُمْسَكَ ، فَادْفَعْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ دِينَارًا ، وَانْظُرِ الثَّمَانِينَ الْبَاقِيَةَ فَتَصَدَّقْ بِهَا عَنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِأَسْمَائِهِمْ وَمَكَانِهِمْ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَأَنْ أَكُونَ أَفْتَيْتُهُ بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أَمْلِكُهُ ، أَحْسَنَ الرَّجُلُ " .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith