تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الأول
page 74 · printed p. 212
212 ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى وُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ ، وَأَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي عِبَادِهِ : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ) أَيْ : كَيْفَ تَجْحَدُونَ وُجُودَهُ أَوْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ ! ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) أَيْ : قَدْ كُنْتُمْ عَدَمًا فَأَخْرَجَكُمْ إِلَى الْوُجُودِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ ) [ الطُّورِ : 35 ، 36 ] ، وَقَالَ ( هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ) [ الْإِنْسَانِ : 1 ] وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ .
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) [ غَافِرٍ : 11 ] قَالَ : هِيَ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ) أَمْوَاتًا فِي أَصْلَابِ آبَائِكُمْ ، لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حَتَّى خَلَقَكُمْ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ مَوْتَةَ الْحَقِّ ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ حِينَ يَبْعَثُكُمْ . قَالَ : وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ : ( [ رَبَّنَا ] أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ( رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ) قَالَ : كُنْتُمْ تُرَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكُمْ ، فَهَذِهِ مَيْتَةٌ ، ثُمَّ أَحْيَاكُمْ فَخَلَقَكُمْ فَهَذِهِ حَيَاةٌ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ فَتَرْجِعُونَ إِلَى الْقُبُورِ فَهَذِهِ مَيْتَةٌ أُخْرَى ، ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذِهِ حَيَاةٌ أُخْرَى . فَهَذِهِ مَيْتَتَانِ وَحَيَاتَانِ ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ )
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ بِسَنَدِهِ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - وَعَنْ مُرَّةَ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ .
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ : ( كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) قَالَ : يُحْيِيكُمْ فِي الْقَبْرِ ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ؛ خَلْقَهُمْ فِي ظَهْرِ آدَمَ ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ خَلَقَهُمْ فِي الْأَرْحَامِ ، ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ )
213
وَهَذَا غَرِيبٌ وَالَّذِي قَبْلَهُ . وَالصَّحِيحُ مَا تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأُولَئِكَ الْجَمَاعَةِ مِنَ التَّابِعِينَ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) [ الْجَاثِيَةِ : 26 ] .
[ وَعَبَّرَ عَنِ الْحَالِ قَبْلَ الْوُجُودِ بِالْمَوْتِ بِجَامِعِ مَا يَشْتَرِكَانِ فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْإِحْسَاسِ ، كَمَا قَالَ فِي الْأَصْنَامِ : ( أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ) [ النَّحْلِ : 21 ] ، وَقَالَ ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ) [ يس : 33 ] .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith