تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
الصفحة 750 · ص. المطبوع 297
( فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ( 98 ) ) 297
يَقُولُ تَعَالَى : فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّذِينَ بَعَثْنَا إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ ، بَلْ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ) [ يس : 30 ] ، ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) [ الذَّارِيَاتِ : 52 ] ، ( وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) [ الزُّخْرُفِ : 23 ] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : ۝ " عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْفِئَامُ مِنَ النَّاسِ ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ " ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ أَتْبَاعِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ أُمَّتِهِ ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ ، كَثْرَةً سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ الشَّرْقِيَّ وَالْغَرْبِيَّ .
وَالْغَرَضُ أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا بِنَبِيِّهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الْقُرَى ، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ، وَهُمْ أَهْلُ نِينَوَى ، وَمَا كَانَ إِيمَانُهُمْ إِلَّا خَوْفًا مِنْ وُصُولِ الْعَذَابِ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ رَسُولُهُمْ ، بَعْدَ مَا عَايَنُوا أَسْبَابَهُ ، وَخَرَجَ رَسُولُهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ ، فَعِنْدَهَا جَأَرُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغَاثُوا بِهِ ، وَتَضَرَّعُوا لَدَيْهِ . وَاسْتَكَانُوا وَأَحْضَرُوا أَطْفَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ ، وَسَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ . فَعِنْدَهَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَأُخِّرُوا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) .
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ : هَلْ كُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ الْأُخْرَوِيُّ مَعَ الدُّنْيَوِيِّ ؟ أَوْ إِنَّمَا كُشِفَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، كَمَا هُوَ مُقَيَّدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِيهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) [ الصَّافَّاتِ : 147 ، 148 ] فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ ، وَالْإِيمَانُ مُنْقِذٌ مِنَ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ : لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ حَضَرَهَا الْعَذَابُ ، فَتُرِكَتْ ، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ، لَمَّا فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ وَظَنُّوا أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ دَنَا مِنْهُمْ ، قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ وَوَلَدِهَا ثُمَّ عَجُّوا إِلَى اللَّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . فَلَمَّا عَرَفَ اللَّهُ مِنْهُمُ الصِّدْقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَالتَّوْبَةَ وَالنَّدَامَةَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُمْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ أَنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ - قَالَ قَتَادَةُ : وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِنِينَوَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ .
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا : " فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ " . 298
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ ، عَنْ أَبِي الْجَلْدِ قَالَ : لَمَّا نَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ ، جَعَلَ يَدُورُ عَلَى رُءُوسِهِمْ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ ، فَمَشَوْا إِلَى رَجُلٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالُوا : عَلِّمْنَا دُعَاءً نَدْعُوا بِهِ ، لَعَلَّ اللَّهَ يَكْشِفُ عَنَّا الْعَذَابَ ، فَقَالَ : قُولُوا : يَا حَيُّ حِينَ لَا حَيَّ ، يَا مُحْيِي الْمَوْتَى لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ . قَالَ : فَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ .
وَتَمَامُ الْقِصَّةِ سَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث