تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 773 · printed p. 321
( حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ( 40 ) )
هَذِهِ مُوَاعَدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِنُوحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، إِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ مِنَ الْأَمْطَارِ الْمُتَتَابِعَةِ ، وَالْهَتَّانِ الَّذِي لَا يُقْلِعُ وَلَا يَفْتُرُ ، بَلْ هُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ ) [ الْقَمَرِ : 11 - 14 ] .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَفَارَ التَّنُّورُ ) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : التَّنُّورُ : وَجْهُ الْأَرْضِ ، أَيْ : صَارَتِ الْأَرْضُ عُيُونًا تَفُورُ ، حَتَّى فَارَ الْمَاءُ مِنَ التَّنَانِيرِ الَّتِي هِيَ مَكَانُ النَّارِ ، صَارَتْ تَفُورُ مَاءً ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ الْخَلَفِ .
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : التَّنُّورُ : فَلْقُ الصُّبْحِ ، وَتَنْوِيرُ الْفَجْرِ ، وَهُوَ ضِيَاؤُهُ وَإِشْرَاقُهُ . 321
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ : كَانَ هَذَا التَّنُّورُ بِالْكُوفَةِ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : عَيْنٌ بِالْهِنْدِ . وَعَنْ قَتَادَةَ : عَيْنٌ بِالْجَزِيرَةِ ، يُقَالُ لَهَا : عَيْنُ الْوَرْدَةِ .
وَهَذِهِ أَقْوَالٌ غَرِيبَةٌ .
فَحِينَئِذٍ أَمَرَ اللَّهُ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ مِنْ صُنُوفِ الْمَخْلُوقَاتِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ - قِيلَ : وَغَيْرُهَا مِنَ النَّبَاتَاتِ - اثْنَيْنِ . ذَكَرًا وَأُنْثَى ، فَقِيلَ : كَانَ أَوَّلَ مَنْ أُدْخِلَ مِنَ الطُّيُورِ الدُّرَّةُ ، وَآخِرَ مَنْ أُدْخِلَ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ الْحِمَارُ ، فَدَخَلَ إِبْلِيسُ مُتَعَلِّقًا بِذَنَبِهِ ، فَدَخَلَ بِيَدِهِ ، وَجَعَلَ يُرِيدُ أَنْ يَنْهَضَ فَيُثْقِلُهُ إِبْلِيسُ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِذَنَبِهِ ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ نُوحٌ : مَالَكَ ؟ وَيْحَكَ . ادْخُلْ . فَيَنْهَضُ وَلَا يَقْدِرُ ، فَقَالَ : ادْخُلْ وَإِنْ كَانَ إِبْلِيسُ مَعَكَ فَدَخَلَا فِي السَّفِينَةِ .
وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَحْمِلُوا مَعَهُمُ الْأَسَدَ ، حَتَّى أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْحُمَّى .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " لَمَّا حَمَلَ نُوحٌ فِي السَّفِينَةِ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ، قَالَ أَصْحَابُهُ : وَكَيْفَ يَطْمَئِنُّ - أَوْ تَطْمَئِنُّ - اَلْمَوَاشِي وَمَعَهَا الْأَسَدُ ؟ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْحُمَّى ، فَكَانَتْ أَوَّلَ حُمَّى نَزَلَتِ الْأَرْضَ ، ثُمَّ شَكَوُا الْفَأْرَةَ فَقَالُوا : الْفُوَيْسِقَةُ تُفْسِدُ عَلَيْنَا طَعَامَنَا وَمَتَاعَنَا . فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْأَسَدِ ، فَعَطَسَ ، فَخَرَجَتِ الْهِرَّةُ مِنْهُ ، فَتَخَبَّأَتِ الْفَأْرَةُ مِنْهَا .
وَقَوْلُهُ : ( وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ ) أَيْ : " وَاحْمِلْ فِيهَا أَهْلَكَ ، وَهُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ وَقَرَابَتِهِ " إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ، مِمَّنْ لَمَّ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ، فَكَانَ مِنْهُمُ ابْنُهُ " يَامٌ " الَّذِي انْعَزَلَ وَحْدَهُ ، وَاِمْرَأَةُ نُوحٍ وَكَانَتْ كَافِرَةً بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( وَمَنْ آمَنَ ) أَيْ : مِنْ قَوْمِكَ ، ( وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ) أَيْ : نَزْرٌ يَسِيرٌ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ وَالْمُقَامِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : كَانُوا ثَمَانِينَ نَفْسًا مِنْهُمْ نِسَاؤُهُمْ . وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ : كَانُوا اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ نَفْسًا . وَقِيلَ : كَانُوا عَشَرَةً . وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانُوا نُوحٌ وَبَنُوهُ الثَّلَاثَةُ سَامٌ ، وَحَامٌ ، وَيَافِثُ ، وَكَنَائِنُهُ الْأَرْبَعُ نِسَاءٍ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَامْرَأَةُ يَامٍ . وَقِيلَ : بَلِ امْرَأَةُ نُوحٍ كَانَتْ 322 مَعَهُمْ فِي السَّفِينَةِ ، وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهَا هَلَكَتْ; لِأَنَّهَا كَانَتْ عَلَى دِينِ قَوْمِهَا ، فَأَصَابَهَا مَا أَصَابَهُمْ ، كَمَا أَصَابَ امْرَأَةَ لُوطٍ مَا أَصَابَ قَوْمَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith