تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 44 ) )
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا غَرِقَ أَهْلُ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْحَابَ السَّفِينَةِ ، أَمَرَ الْأَرْضَ أَنْ تَبْلَعَ مَاءَهَا الَّذِي نَبَعَ مِنْهَا وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا ، وَأَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُقْلِعَ عَنِ الْمَطَرِ ، ( وَغِيضَ الْمَاءُ ) أَيْ : شَرَعَ فِي النَّقْصِ ، ( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) أَيْ : فُرِغَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً ، مِمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ دَيَّارٌ ، ( وَاسْتَوَتِ ) السَّفِينَةُ بِمَنْ فِيهَا ( عَلَى الْجُودِيِّ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : وَهُوَ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ ، تَشَامَخَتِ الْجِبَالُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْغَرَقِ وَتَطَاوَلَتْ ، وَتَوَاضَعَ هُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَمْ يَغْرَقْ ، وَأُرْسَتْ عَلَيْهِ سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : اسْتَوَتْ عَلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَوا مِنْهَا ، قَالَ قَتَادَةُ : قَدْ أَبْقَى اللَّهَ سَفِينَةَ نُوحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَى الْجُودِيِّ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ عِبْرَةً وَآيَةً حَتَّى رَآهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَكَمْ مِنْ سَفِينَةٍ قَدْ 324 كَانَتْ بَعْدَهَا فَهَلَكَتْ ، وَصَارَتْ رَمَادًا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْجُودِيُّ : جَبَلٌ بِالْمَوْصِلِ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الطُّورُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ تَوْبَةَ بْنِ سَالِمٍ قَالَ : رَأَيْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُصَلِّي فِي الزَّاوِيَةِ حِينَ يَدْخُلُ مِنْ أَبْوَابِ كِنْدَةَ عَلَى يَمِينِكِ فَسَأَلْتُهُ إِنَّكَ لَكَثِيرُ الصَّلَاةِ هَاهُنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ! قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ أُرْسَتْ مِنْ هَاهُنَا .
وَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا مَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا ، وَإِنَّ اللَّهَ وَجَّهَ السَّفِينَةَ إِلَى مَكَّةَ فَدَارَتْ بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ وَجَّهَهَا اللَّهُ إِلَى الْجُودِيِّ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ ، فَبَعَثَ نُوحٌ الْغُرَابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَرْضِ ، فَذَهَبَ فَوَقَعَ عَلَى الْجِيَفِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَبَعَثَ الْحَمَامَةَ فَأَتَتْهُ بِوَرَقِ الزَّيْتُونِ ، وَلَطَّخَتْ رِجْلَيْهَا بِالطِّينِ ، فَعَرَفَ نُوحٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّ الْمَاءَ قَدْ نَضَبَ ، فَهَبَطَ إِلَى أَسْفَلِ الْجُودِيِّ ، فَابْتَنَى قَرْيَةً وَسَمَّاهَا ثَمَانِينَ ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَبَلْبَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى ثَمَانِينَ لُغَةً ، إِحْدَاهَا اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ . فَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَفْقَهُ كَلَامَ بَعْضٍ ، وَكَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَبِّرُ عَنْهُمْ .
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : إِنَّ السَّفِينَةَ طَافَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَى الْجُودِيِّ .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : رَكِبُوا فِي عَاشِرِ شَهْرِ رَجَبٍ فَسَارُوا مِائَةً وَخَمْسِينَ وَاسْتَقَرَّتْ بِهِمْ عَلَى الْجُودِيِّ شَهْرًا ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ مِنَ السَّفِينَةِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ . وَقَدْ وَرَدَ نَحْوَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَأَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَهُمْ ذَاكَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَزْدِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ شُبَيْلٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ ، وَقَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الصَّوْمُ ؟ قَالُوا : هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ ، وَهَذَا يَوْمٌ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ ، فِصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى ، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ " . فَصَامَ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " مَنْ كَانَ أَصْبَحَ مِنْكُمْ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ غَدَاءِ أَهْلِهِ ، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ "
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلِبَعْضِهِ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ . 325
وَقَوْلُهُ : ( وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : هَلَاكًا وَخَسَارًا لَهُمْ وَبُعْدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَقِيَّةٌ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ وَالْحَبْرُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيِّ ، عَنْ قَائِدٍ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ [ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ] ، يَعْنِي وَغَرَسَ مِائَةَ سَنَةٍ الشَّجَرَ ، فَعَظُمَتْ وَذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ ، ثُمَّ قَطَعَهَا ، ثُمَّ جَعَلَهَا سَفِينَةً وَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : تَعْمَلُ سَفِينَةً فِي الْبَرِّ ، فَكَيْفَ تَجْرِي ؟ قَالَ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ . فَلَمَّا فَرَغَ وَنَبَعَ الْمَاءُ ، وَصَارَ فِي السِّكَكِ خَشِيَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، فَخَرَجَتْ إِلَى الْجَبَلِ ، حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ [ ارْتَفَعَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْهِ ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ ] خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَقَبَتَهَا رَفَعَتْهُ بِيَدَيْهَا فَغَرِقَا فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ قِصَّةُ هَذَا الصَّبِيِّ وَأُمِّهِ بِنَحْوٍ مَنْ هَذَا .
يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا غَرِقَ أَهْلُ الْأَرْضِ إِلَّا أَصْحَابَ السَّفِينَةِ ، أَمَرَ الْأَرْضَ أَنْ تَبْلَعَ مَاءَهَا الَّذِي نَبَعَ مِنْهَا وَاجْتَمَعَ عَلَيْهَا ، وَأَمَرَ السَّمَاءَ أَنْ تُقْلِعَ عَنِ الْمَطَرِ ، ( وَغِيضَ الْمَاءُ ) أَيْ : شَرَعَ فِي النَّقْصِ ، ( وَقُضِيَ الْأَمْرُ ) أَيْ : فُرِغَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً ، مِمَّنْ كَفَرَ بِاللَّهِ ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ دَيَّارٌ ، ( وَاسْتَوَتِ ) السَّفِينَةُ بِمَنْ فِيهَا ( عَلَى الْجُودِيِّ ) قَالَ مُجَاهِدٌ : وَهُوَ جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ ، تَشَامَخَتِ الْجِبَالُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْغَرَقِ وَتَطَاوَلَتْ ، وَتَوَاضَعَ هُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فَلَمْ يَغْرَقْ ، وَأُرْسَتْ عَلَيْهِ سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : اسْتَوَتْ عَلَيْهِ شَهْرًا حَتَّى نَزَلَوا مِنْهَا ، قَالَ قَتَادَةُ : قَدْ أَبْقَى اللَّهَ سَفِينَةَ نُوحٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عَلَى الْجُودِيِّ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ عِبْرَةً وَآيَةً حَتَّى رَآهَا أَوَائِلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَكَمْ مِنْ سَفِينَةٍ قَدْ 324 كَانَتْ بَعْدَهَا فَهَلَكَتْ ، وَصَارَتْ رَمَادًا .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ : الْجُودِيُّ : جَبَلٌ بِالْمَوْصِلِ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الطُّورُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : حَدَّثَنَا أَبِي ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، عَنْ تَوْبَةَ بْنِ سَالِمٍ قَالَ : رَأَيْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يُصَلِّي فِي الزَّاوِيَةِ حِينَ يَدْخُلُ مِنْ أَبْوَابِ كِنْدَةَ عَلَى يَمِينِكِ فَسَأَلْتُهُ إِنَّكَ لَكَثِيرُ الصَّلَاةِ هَاهُنَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ! قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ أُرْسَتْ مِنْ هَاهُنَا .
وَقَالَ عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَ مَعَ نُوحٍ فِي السَّفِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا مَعَهُمْ أَهْلُوهُمْ ، وَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّفِينَةِ مِائَةً وَخَمْسِينَ يَوْمًا ، وَإِنَّ اللَّهَ وَجَّهَ السَّفِينَةَ إِلَى مَكَّةَ فَدَارَتْ بِالْبَيْتِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ وَجَّهَهَا اللَّهُ إِلَى الْجُودِيِّ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ ، فَبَعَثَ نُوحٌ الْغُرَابَ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ الْأَرْضِ ، فَذَهَبَ فَوَقَعَ عَلَى الْجِيَفِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَبَعَثَ الْحَمَامَةَ فَأَتَتْهُ بِوَرَقِ الزَّيْتُونِ ، وَلَطَّخَتْ رِجْلَيْهَا بِالطِّينِ ، فَعَرَفَ نُوحٌ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، أَنَّ الْمَاءَ قَدْ نَضَبَ ، فَهَبَطَ إِلَى أَسْفَلِ الْجُودِيِّ ، فَابْتَنَى قَرْيَةً وَسَمَّاهَا ثَمَانِينَ ، فَأَصْبَحُوا ذَاتَ يَوْمٍ وَقَدْ تَبَلْبَلَتْ أَلْسِنَتُهُمْ عَلَى ثَمَانِينَ لُغَةً ، إِحْدَاهَا اللِّسَانُ الْعَرَبِيُّ . فَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَفْقَهُ كَلَامَ بَعْضٍ ، وَكَانَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُعَبِّرُ عَنْهُمْ .
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ : إِنَّ السَّفِينَةَ طَافَتْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَقِرَّ عَلَى الْجُودِيِّ .
وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ : رَكِبُوا فِي عَاشِرِ شَهْرِ رَجَبٍ فَسَارُوا مِائَةً وَخَمْسِينَ وَاسْتَقَرَّتْ بِهِمْ عَلَى الْجُودِيِّ شَهْرًا ، وَكَانَ خُرُوجُهُمْ مِنَ السَّفِينَةِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ . وَقَدْ وَرَدَ نَحْوَ هَذَا فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ . وَأَنَّهُمْ صَامُوا يَوْمَهُمْ ذَاكَ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَبِيبٍ الْأَزْدِيُّ ، عَنْ أَبِيهِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ شُبَيْلٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأُنَاسٍ مِنَ الْيَهُودِ ، وَقَدْ صَامُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ ، فَقَالَ : مَا هَذَا الصَّوْمُ ؟ قَالُوا : هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي نَجَّى اللَّهُ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْغَرَقِ ، وَغَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ ، وَهَذَا يَوْمٌ اسْتَوَتْ فِيهِ السَّفِينَةُ عَلَى الْجُودِيِّ ، فِصَامَهُ نُوحٌ وَمُوسَى ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ، شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . فَقَالَ النَّبِيُّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى ، وَأَحَقُّ بِصَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ " . فَصَامَ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " مَنْ كَانَ أَصْبَحَ مِنْكُمْ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ، وَمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ غَدَاءِ أَهْلِهِ ، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ "
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلِبَعْضِهِ شَاهِدٌ فِي الصَّحِيحِ . 325
وَقَوْلُهُ : ( وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) أَيْ : هَلَاكًا وَخَسَارًا لَهُمْ وَبُعْدًا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَقِيَّةٌ .
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ وَالْحَبْرُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمْعِيِّ ، عَنْ قَائِدٍ مَوْلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ ، أَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ أَخْبَرَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخْبَرَتْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَانَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَكَثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ [ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ] ، يَعْنِي وَغَرَسَ مِائَةَ سَنَةٍ الشَّجَرَ ، فَعَظُمَتْ وَذَهَبَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ ، ثُمَّ قَطَعَهَا ، ثُمَّ جَعَلَهَا سَفِينَةً وَيَمُرُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُ وَيَقُولُونَ : تَعْمَلُ سَفِينَةً فِي الْبَرِّ ، فَكَيْفَ تَجْرِي ؟ قَالَ : سَوْفَ تَعْلَمُونَ . فَلَمَّا فَرَغَ وَنَبَعَ الْمَاءُ ، وَصَارَ فِي السِّكَكِ خَشِيَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، فَخَرَجَتْ إِلَى الْجَبَلِ ، حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَهُ فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ [ ارْتَفَعَتْ حَتَّى بَلَغَتْ ثُلُثَيْهِ ، فَلَمَّا بَلَغَهَا الْمَاءُ ] خَرَجَتْ بِهِ حَتَّى اسْتَوَتْ عَلَى الْجَبَلِ ، فَلَمَّا بَلَغَ رَقَبَتَهَا رَفَعَتْهُ بِيَدَيْهَا فَغَرِقَا فَلَوْ رَحِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَحَدًا لَرَحِمَ أُمَّ الصَّبِيِّ " .
وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ قِصَّةُ هَذَا الصَّبِيِّ وَأُمِّهِ بِنَحْوٍ مَنْ هَذَا .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith