تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 788 · printed p. 339
( قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ( 81 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ لُوطٍ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنَّ لُوطًا تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ : ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً [ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ] ) أَيْ : لَكُنْتُ نَكَّلْتُ بِكُمْ وَفَعَلْتُ بِكُمُ الْأَفَاعِيلَ [ مِنَ الْعَذَابِ وَالنِّقْمَةِ وَإِحْلَالِ الْبَأْسِ بِكُمْ ] بِنَفْسِي وَعَشِيرَتِي ، وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ۝ " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى لُوطٍ ، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ - يَعْنِي : اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ - فَمَا بَعَثَ اللَّهُ بَعْدَهُ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ " .
[ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهِ ، وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي يُونُسَ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِهِ وَأَرْسَلَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ ] .
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخْبَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ إِلَيْهِ ، و [ وَبَشَّرُوهُ ] أَنَّهُمْ لَا وُصُولَ لَهُمْ إِلَيْهِ [ وَلَا خُلُوصَ ] ( قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) وَأَمَرُوهُ أَنْ يَسْرِيَ بِأَهْلِهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، وَأَنْ يَتَّبِعَ أَدْبَارَهُمْ ، أَيْ : يَكُونُ سَاقَةً لِأَهْلِهِ ، ( وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ) أَيْ : إِذَا سَمِعْتَ مَا نَزلَ بِهِمْ ، وَلَا تَهُولُنَّكُمْ تِلْكَ الْأَصْوَاتُ الْمُزْعِجَةُ ، وَلَكِنِ اسْتَمِرُّوا ذَاهِبِينَ [ كَمَا أَنْتُمْ ] .
( إِلَّا امْرَأَتَكَ ) قَالَ الْأَكْثَرُونَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْمُثْبَتِ وَهُوَ قَوْلُهُ : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ) تَقْدِيرُهُ ( إِلَّا امْرَأَتَكَ ) وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَنَصَبَ هَؤُلَاءِ امْرَأَتَكَ; لِأَنَّهُ مِنْ مُثْبَتٍ ، 339 فَوَجَبَ نَصْبُهُ عِنْدَهُمْ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ : ( وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ ) فَجَوَّزُوا الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ ، وَذَكَرَ هَؤُلَاءِ [ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ ] أَنَّهَا خَرَجَتْ مَعَهُمْ ، وَأَنَّهَا لَمَّا سَمِعَتِ الْوَجْبَةَ الْتَفَتَتْ وَقَالَتْ وَاقَوْمَاهْ . فَجَاءَهَا حَجَرٌ مِنَ السَّمَاءِ فَقَتَلَهَا .
ثُمَّ قَرَّبُوا لَهُ هَلَاكَ قَوْمِهِ تَبْشِيرًا لَهُ; لِأَنَّهُ قَالَ لَهُمْ : " أَهْلِكُوهُمُ السَّاعَةَ " ، فَقَالُوا : ( إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ) هَذَا وَقَوْمُ لُوطٍ وُقُوفٌ عَلَى الْبَابِ وَعُكُوفٌ قَدْ جَاءُوا يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَلُوطٌ وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ يُدَافِعُهُمْ وَيَرْدَعُهُمْ وَيَنْهَاهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ ، وَهُمْ لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ ، بَلْ يَتَوَعَّدُونَهُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجَ عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَضَرَبَ وُجُوهَهُمْ بِجَنَاحِهِ ، فَطَمَسَ أَعْيُنَهُمْ ، فَرَجَعُوا وَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ الطَّرِيقَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ [ وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ ] ) [ الْقَمَرِ : 37 - 39 ] .
وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ : كَانَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَأْتِي قَوْمَ لُوطٍ ، فَيَقُولُ : أَنَهَاكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعَرَّضُوا لِعُقُوبَتِهِ ؟ فَلَمْ يُطِيعُوهُ ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجْلَهُ [ لِمَحَلِ عَذَابِهِمْ وَسَطَوَاتِ الرَّبِّ بِهِمْ قَالَ ] انْتَهَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى لُوطٍ وَهُوَ يَعْمَلُ فِي أَرْضٍ لَهُ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الضِّيَافَةِ فَقَالُوا : إِنَّا ضُيُوفُكَ اللَّيْلَةَ ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ عَهِدَ إِلَى جِبْرِيلَ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ ثَلَاثَ شَهَادَاتٍ فَلَمَّا تَوَجَّهَ بِهِمْ لُوطٌ إِلَى الضِّيَافَةِ ، ذَكَرَ مَا يَعْمَلُ قَوْمُهُ مِنَ الشَّرِّ [ وَالدَّوَاهِي الْعِظَامِ ] ، فَمَشَى مَعَهُمْ سَاعَةً ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ شَرًّا مِنْهُمْ . أَيْنَ أَذْهَبُ بِكُمْ ؟ إِلَى قَوْمِي وَهُمْ [ مِنْ ] أَشَرِّ خَلْقِ اللَّهِ ، فَالْتَفَتَ جِبْرِيلُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ : احْفَظُوهَا هَذِهِ وَاحِدَةٌ . ثُمَّ مَشَى مَعَهُمْ سَاعَةً ، فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْقَرْيَةَ وَأَشْفَقَ عَلَيْهِمْ وَاسْتَحْيَا مِنْهُمْ قَالَ : أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَشَرَّ مِنْهُمْ ، إِنَّ قَوْمِي أَشَرُّ خَلْقِ اللَّهِ . فَالْتَفَتَ جِبْرِيلُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ : احْفَظُوا ، هَاتَانِ اثْنَتَانِ ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَابِ الدَّارِ بَكَى حَيَاءً مِنْهُمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّ قَوْمِي أَشْرُّ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ؟ أَمَا تَعْلَمُونَ مَا يَعْمَلُ أَهْلُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ؟ مَا أَعْلَمُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَهْلَ قَرْيَةٍ شَرًّا مِنْهُمْ . فَقَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ : احْفَظُوا ، هَذِهِ ثَلَاثٌ ، قَدْ حَقَّ الْعَذَابُ . فَلَمَّا دَخَلُوا ذَهَبَتْ عَجُوزُ السُّوءِ فَصَعِدَتْ فَلَوَّحَتْ بِثَوْبِهَا ، فَأَتَاهَا الْفُسَّاقُ يُهْرَعُونَ سِرَاعًا ، قَالُوا : مَا عِنْدَكِ ؟ قَالَتْ : ضَيَّفَ لُوطٌ قَوْمًا مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْسَنَ وُجُوهًا مِنْهُمْ ، وَلَا أَطْيَبَ رِيحًا مِنْهُمْ . فَهُرِعُوا يُسَارِعُونَ إِلَى الْبَابِ ، فَعَالَجَهُمْ لُوطٌ عَلَى الْبَابِ ، فَدَافِعُوهُ طَوِيلًا هُوَ دَاخِلُ وَهُمْ خَارِجَ ، يُنَاشِدُهُمُ اللَّهَ وَيَقُولُ : ( هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ) فَقَامَ 340 الْمَلَكُ فَلَزَّ بِالْبَابِ - يَقُولُ فَسَدَّهُ - وَاسْتَأْذَنَ جِبْرِيلُ فِي عُقُوبَتِهِمْ ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ ، فَقَامَ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا فِي السَّمَاءِ ، فَنَشَرَ جَنَاحَهُ . وَلِجِبْرِيلَ جَنَاحَانِ ، وَعَلَيْهِ وِشَاحٌ مِنْ دُرٍّ مَنْظُومٍ ، وَهُوَ بَرَّاقُ الثَّنَايَا ، أَجْلَى الْجَبِينِ ، وَرَأْسُهُ حُبُكٌ حُبُكٌ مِثْلَ الْمَرْجَانِ وَهُوَ اللُّؤْلُؤُ ، كَأَنَّهُ الثَّلْجُ ، وَرِجْلَاهُ إِلَى الْخُضْرَةِ . فَقَالَ يَا لُوطُ : ( إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ) امْضِ يَا لُوطُ عَنِ الْبَابِ وَدَعْنِي وَإِيَّاهُمْ ، فَتَنَحَّى لُوطٌ عَنِ الْبَابِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ ، فَنَشَرَ جَنَاحَهُ ، فَضَرَبَ بِهِ وُجُوهَهُمْ ضَرْبَةً شَدَخَ أَعْيُنَهُمْ ، فَصَارُوا عُمْيًا لَا يَعْرِفُونَ الطَّرِيقَ [ وَلَا يَهْتَدُونَ بُيُوتَهُمْ ] ثُمَّ أُمِرَ لُوطٌ فَاحْتَمَلَ بِأَهْلِهِ فِي لَيْلَتِهِ قَالَ : ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) .
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ [ الْقُرَظِيِّ ] وَقَتَادَةَ ، وَالسُّدِّيِّ نَحْوَ هَذَا .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith