تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ ( 96 ) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ( 97 ) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ( 98 ) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ( 99 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِرْسَالِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ، وَحُجَجِهِ وَدَلَائِلِهِ الْبَاهِرَةِ الْقَاطِعَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ مَلِكُ دِيَارِ مِصْرَ عَلَى أُمَّةِ الْقِبْطِ ، ( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) أَيْ : مَسْلَكَهُ وَمَنْهَجَهُ وَطَرِيقَتَهُ فِي الْغَيِّ وَالضَّلَالِ ، ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) أَيْ : لَيْسَ فِيهِ رُشْدٌ وَلَا هُدًى ، وَإِنَّمَا هُوَ جَهْلٌ وَضَلَالٌ ، وَكُفْرٌ وَعِنَادٌ ، وَكَمَا أَنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ فِي الدُّنْيَا ، وَكَانَ مُقَدَّمَهُمْ وَرَئِيسَهُمْ ، كَذَلِكَ هُوَ يَقْدُمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ، فَأَوْرَدَهُمْ إِيَّاهَا ، وَشَرِبُوا مِنْ حِيَاضِ رَدَاهَا ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ ، مِنَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 16 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) [ النَّازِعَاتِ : 21 - 26 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمَتْبُوعِينَ يَكُونُونَ مُوفَرِينَ فِي الْعَذَابِ يَوْمَ الْمَعَادِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( [ قَالَ ] لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 38 ] ، وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْكَفَرَةِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي النَّارِ : ( رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) [ الْأَحْزَابِ : 67 ، 68 ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " امْرُؤُ الْقَيْسِ حَامِلُ لِوَاءِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى النَّارِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) أَيْ : أَتْبَعْنَاهُمْ زِيَادَةً عَلَى مَا جَازَيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ لَعْنَةً فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) .
قَالَ مُجَاهِدٌ : زِيدُوا لَعْنَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) قَالَ : لَعْنَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَكَذَا 349 قَالَ الضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) [ الْقَصَصِ : 41 ، 42 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [ غَافِرٍ : 46 ] .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ إِرْسَالِ مُوسَى ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، بِآيَاتِهِ وَبَيِّنَاتِهِ ، وَحُجَجِهِ وَدَلَائِلِهِ الْبَاهِرَةِ الْقَاطِعَةِ إِلَى فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ مَلِكُ دِيَارِ مِصْرَ عَلَى أُمَّةِ الْقِبْطِ ، ( فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ) أَيْ : مَسْلَكَهُ وَمَنْهَجَهُ وَطَرِيقَتَهُ فِي الْغَيِّ وَالضَّلَالِ ، ( وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ) أَيْ : لَيْسَ فِيهِ رُشْدٌ وَلَا هُدًى ، وَإِنَّمَا هُوَ جَهْلٌ وَضَلَالٌ ، وَكُفْرٌ وَعِنَادٌ ، وَكَمَا أَنَّهُمُ اتَّبَعُوهُ فِي الدُّنْيَا ، وَكَانَ مُقَدَّمَهُمْ وَرَئِيسَهُمْ ، كَذَلِكَ هُوَ يَقْدُمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ ، فَأَوْرَدَهُمْ إِيَّاهَا ، وَشَرِبُوا مِنْ حِيَاضِ رَدَاهَا ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ ، مِنَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا ) [ الْمُزَّمِّلِ : 16 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( فَكَذَّبَ وَعَصَى ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فَحَشَرَ فَنَادَى فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى ) [ النَّازِعَاتِ : 21 - 26 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) وَكَذَلِكَ شَأْنُ الْمَتْبُوعِينَ يَكُونُونَ مُوفَرِينَ فِي الْعَذَابِ يَوْمَ الْمَعَادِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ( [ قَالَ ] لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ ) [ الْأَعْرَافِ : 38 ] ، وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْكَفَرَةِ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي النَّارِ : ( رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا ) [ الْأَحْزَابِ : 67 ، 68 ] .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " امْرُؤُ الْقَيْسِ حَامِلُ لِوَاءِ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ إِلَى النَّارِ " .
وَقَوْلُهُ : ( وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) أَيْ : أَتْبَعْنَاهُمْ زِيَادَةً عَلَى مَا جَازَيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ لَعْنَةً فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، ( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) .
قَالَ مُجَاهِدٌ : زِيدُوا لَعْنَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَتِلْكَ لَعْنَتَانِ .
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ( بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ ) قَالَ : لَعْنَةُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَكَذَا 349 قَالَ الضَّحَّاكُ ، وَقَتَادَةُ ، وَهَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ) [ الْقَصَصِ : 41 ، 42 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [ غَافِرٍ : 46 ] .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith