تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ( 43 ) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ( 44 ) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( 46 ) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) )
هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ مَلِكِ مِصْرَ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا كَانَتْ سَبَبًا لِخُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ السِّجْنِ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا ، فَهَالَتْهُ وَتَعَجَّبَ مَنْ أَمْرِهَا ، وَمَا يَكُونُ تَفْسِيرُهَا ، فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالحُزَاةَ وَكُبَرَاءَ دَوْلَتِهِ وَأُمَرَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا رَأَى ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَأْوِيلِهَا ، فَلَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ ، وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ ) أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ) أَيْ : أَخْلَاطٌ اقْتَضَتْ رُؤْيَاكَ هَذِهِ ( وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ) أَيْ : وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا صَحِيحَةً مِنْ أَخْلَاطٍ ، لَمَا كَانَ لَنَا مَعْرِفَةً بِتَأْوِيلِهَا ، وَهُوَ تَعْبِيرُهَا . فَعِنْدَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ ذَلِكَ الَّذِي نَجَا مِنْ ذَيْنِكَ الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا فِي السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ أَنْسَاهُ مَا وَصَّاهُ بِهِ يُوسُفُ ، مِنْ ذِكْرِ أَمْرِهِ لِلْمَلِكِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ ) بَعْدَ أُمَّةٍ ) أَيْ : مُدَّةٍ ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " بَعْدَ أَمِةٍ " أَيْ : بَعْدَ نِسْيَانٍ ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ وَالَّذِينَ جَمَعَهُمْ لِذَلِكَ : ( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ) أَيْ : بِتَأْوِيلِ هَذَا الْمَنَامِ ، ( فَأَرْسِلُونِ ) أَيْ : فَابْعَثُونِ إِلَى يُوسُفَ الصِّدِّيقِ إِلَى السِّجْنِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَبَعَثُوا فَجَاءَ . فَقَالَ : ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا ) وَذَكَرَ الْمَنَامَ الَّذِي رَآهُ الْمَلِكُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ لَهُ يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، تَعْبِيرَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ لِذَلِكَ الْفَتَى فِي نِسْيَانِهِ مَا وَصَّاهُ بِهِ ، وَمِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ لِلْخُرُوجِ قَبْلَ ذَلِكَ ، بَلْ قَالَ : ( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ) أَيْ يَأْتِيكُمُ الْخِصْبُ وَالْمَطَرُ سَبْعَ سِنِينَ مُتَوَالِيَاتٍ ، فَفَسَّرَ الْبَقَرَ بِالسِّنِينَ; لِأَنَّهَا تُثِيرُ الْأَرْضَ الَّتِي تُسْتَغَلُّ مِنْهَا الثَّمَرَاتُ وَالزُّرُوعُ ، وَهُنَّ السُّنْبُلَاتُ 393 الْخُضْرُ ، ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي تِلْكَ السِّنِينَ فَقَالَ : ( فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) أَيْ : مَهْمَا اسْتَغْلَلْتُمْ فِي هَذِهِ السَّبْعِ السِّنِينَ الْخِصْبَ فَاخْزُنُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ، لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ وَأَبْعَدَ عَنْ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ ، إِلَّا الْمِقْدَارَ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ ، وَلْيَكُنْ قَلِيلًا قَلِيلًا لَا تُسْرِفُوا فِيهِ ، لِتَنْتَفِعُوا فِي السَّبْعِ الشِّدَادِ ، وَهُنَّ السَّبْعُ السِّنِينَ المُحْلُ الَّتِي تَعْقُبُ هَذِهِ السَّبْعَ مُتَوَالِيَاتٍ ، وَهُنَّ الْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ اللَّاتِي يَأْكُلْنَ السِّمَانَ; لِأَنَّ سِنِيَّ الْجَدْبِ يُؤْكَلُ فِيهَا مَا جَمَعُوهُ فِي سِنِيِّ الْخِصْبِ ، وَهُنَّ السُّنْبُلَاتُ الْيَابِسَاتُ .
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُنَّ لَا يُنْبِتْنَ شَيْئًا ، وَمَا بَذَرُوهُ فَلَا يَرْجِعُونَ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ )
ثُمَّ بَشَّرَهُمْ بَعْدَ الْجَدْبِ فِي الْعَامِ الْمُتَوَالِي بِأَنَّهُ يَعْقُبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ( عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ) أَيْ : يَأْتِيهِمُ الْغَيْثُ ، وَهُوَ الْمَطَرُ ، وَتُغَلُّ الْبِلَادُ ، وَيَعْصِرُ النَّاسُ مَا كَانُوا يَعْصِرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ ، مِنْ زَيْتٍ وَنَحْوِهُ ، وَسُكَّرٍ وَنَحْوِهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : يَدْخُلُ فِيهِ حَلْبُ اللَّبَنِ أَيْضًا .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) يَحْلِبُونَ .
هَذِهِ الرُّؤْيَا مِنْ مَلِكِ مِصْرَ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهَا كَانَتْ سَبَبًا لِخُرُوجِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنَ السِّجْنِ مُعَزَّزًا مُكَرَّمًا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلِكَ رَأَى هَذِهِ الرُّؤْيَا ، فَهَالَتْهُ وَتَعَجَّبَ مَنْ أَمْرِهَا ، وَمَا يَكُونُ تَفْسِيرُهَا ، فَجَمَعَ الْكَهَنَةَ وَالحُزَاةَ وَكُبَرَاءَ دَوْلَتِهِ وَأُمَرَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا رَأَى ، وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَأْوِيلِهَا ، فَلَمْ يَعْرِفُوا ذَلِكَ ، وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ بِأَنَّ هَذِهِ ) أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ) أَيْ : أَخْلَاطٌ اقْتَضَتْ رُؤْيَاكَ هَذِهِ ( وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ) أَيْ : وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا صَحِيحَةً مِنْ أَخْلَاطٍ ، لَمَا كَانَ لَنَا مَعْرِفَةً بِتَأْوِيلِهَا ، وَهُوَ تَعْبِيرُهَا . فَعِنْدَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ ذَلِكَ الَّذِي نَجَا مِنْ ذَيْنِكَ الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا فِي السِّجْنِ مَعَ يُوسُفَ ، وَكَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ أَنْسَاهُ مَا وَصَّاهُ بِهِ يُوسُفُ ، مِنْ ذِكْرِ أَمْرِهِ لِلْمَلِكِ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَذَكَّرَ ) بَعْدَ أُمَّةٍ ) أَيْ : مُدَّةٍ ، وَقَرَأَ بَعْضُهُمْ : " بَعْدَ أَمِةٍ " أَيْ : بَعْدَ نِسْيَانٍ ، فَقَالَ لِلْمَلِكِ وَالَّذِينَ جَمَعَهُمْ لِذَلِكَ : ( أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ ) أَيْ : بِتَأْوِيلِ هَذَا الْمَنَامِ ، ( فَأَرْسِلُونِ ) أَيْ : فَابْعَثُونِ إِلَى يُوسُفَ الصِّدِّيقِ إِلَى السِّجْنِ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : فَبَعَثُوا فَجَاءَ . فَقَالَ : ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا ) وَذَكَرَ الْمَنَامَ الَّذِي رَآهُ الْمَلِكُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ذَكَرَ لَهُ يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، تَعْبِيرَهَا مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ لِذَلِكَ الْفَتَى فِي نِسْيَانِهِ مَا وَصَّاهُ بِهِ ، وَمِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ لِلْخُرُوجِ قَبْلَ ذَلِكَ ، بَلْ قَالَ : ( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ) أَيْ يَأْتِيكُمُ الْخِصْبُ وَالْمَطَرُ سَبْعَ سِنِينَ مُتَوَالِيَاتٍ ، فَفَسَّرَ الْبَقَرَ بِالسِّنِينَ; لِأَنَّهَا تُثِيرُ الْأَرْضَ الَّتِي تُسْتَغَلُّ مِنْهَا الثَّمَرَاتُ وَالزُّرُوعُ ، وَهُنَّ السُّنْبُلَاتُ 393 الْخُضْرُ ، ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا يَعْتَمِدُونَهُ فِي تِلْكَ السِّنِينَ فَقَالَ : ( فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) أَيْ : مَهْمَا اسْتَغْلَلْتُمْ فِي هَذِهِ السَّبْعِ السِّنِينَ الْخِصْبَ فَاخْزُنُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ، لِيَكُونَ أَبْقَى لَهُ وَأَبْعَدَ عَنْ إِسْرَاعِ الْفَسَادِ إِلَيْهِ ، إِلَّا الْمِقْدَارَ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ ، وَلْيَكُنْ قَلِيلًا قَلِيلًا لَا تُسْرِفُوا فِيهِ ، لِتَنْتَفِعُوا فِي السَّبْعِ الشِّدَادِ ، وَهُنَّ السَّبْعُ السِّنِينَ المُحْلُ الَّتِي تَعْقُبُ هَذِهِ السَّبْعَ مُتَوَالِيَاتٍ ، وَهُنَّ الْبَقَرَاتُ الْعِجَافُ اللَّاتِي يَأْكُلْنَ السِّمَانَ; لِأَنَّ سِنِيَّ الْجَدْبِ يُؤْكَلُ فِيهَا مَا جَمَعُوهُ فِي سِنِيِّ الْخِصْبِ ، وَهُنَّ السُّنْبُلَاتُ الْيَابِسَاتُ .
وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُنَّ لَا يُنْبِتْنَ شَيْئًا ، وَمَا بَذَرُوهُ فَلَا يَرْجِعُونَ مِنْهُ إِلَى شَيْءٍ; وَلِهَذَا قَالَ : ( يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ )
ثُمَّ بَشَّرَهُمْ بَعْدَ الْجَدْبِ فِي الْعَامِ الْمُتَوَالِي بِأَنَّهُ يَعْقُبُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ( عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ) أَيْ : يَأْتِيهِمُ الْغَيْثُ ، وَهُوَ الْمَطَرُ ، وَتُغَلُّ الْبِلَادُ ، وَيَعْصِرُ النَّاسُ مَا كَانُوا يَعْصِرُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ ، مِنْ زَيْتٍ وَنَحْوِهُ ، وَسُكَّرٍ وَنَحْوِهُ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : يَدْخُلُ فِيهِ حَلْبُ اللَّبَنِ أَيْضًا .
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ) يَحْلِبُونَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith