تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 833 · printed p. 394
( وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ( 52 ) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) )
يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْمَلِكِ لَمَّا رَجَعُوا إِلَيْهِ بِتَعْبِيرِ رُؤْيَاهُ ، الَّتِي كَانَ رَآهَا ، بِمَا أَعْجَبَهُ وَأَيْنَقَهُ ، فَعَرَفَ فَضْلَ يُوسُفَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَعِلْمَهُ [ وَحُسْنَ اطِّلَاعِهِ عَلَى رُؤْيَاهُ ] وَحُسْنَ أَخْلَاقِهِ عَلَى مَنْ بِبَلَدِهِ مِنْ رَعَايَاهُ ، فَقَالَ ) ائْتُونِي بِهِ ) أَيْ : أَخْرِجُوهُ مِنَ السِّجْنِ وَأَحْضَرُوهُ . فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ بِذَلِكَ امْتَنَعَ مِنَ الْخُرُوجِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْمَلِكُ وَرَعَيَّتُهُ بَرَاءَةَ سَاحَتِهِ ، وَنَزَاهَةَ عِرْضِهِ ، مِمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ ، وَأَنَّ هَذَا السِّجْنَ لَمْ يَكُنْ عَلَى أَمْرٍ يَقْتَضِيهِ ، بَلْ كَانَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا ، قَالَ : ( ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ )
وَقَدْ وَرَدَتِ السَّنَةُ بِمَدْحِهِ عَلَى ذَلِكَ ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ ، وَعُلُوِّ قَدْرِهِ وَصَبْرِهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ 394 وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - فَفِي الْمُسْنَدِ وَالصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ ( رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ) [ الْبَقَرَةِ : 260 ] وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ "
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا : حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ۝ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : ( فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ كُنْتُ أَنَا لَأَسْرَعْتُ الْإِجَابَةَ ، وَمَا ابْتَغَيْتُ الْعُذْرَ " .
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ " لَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ، حِينَ سُئِلَ عَنِ الْبَقَرَاتِ الْعِجَافِ وَالسِّمَانِ ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ مَا أَجَبْتُهُمْ حَتَّى أَشْتَرِطَ أَنْ يُخْرِجُونِي . وَلَقَدْ عَجِبْتُ مِنْ يُوسُفَ وَصَبْرِهِ وَكَرَمِهِ ، وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ ، حِينَ أَتَاهُ الرَّسُولُ ، وَلَوْ كُنْتُ مَكَانَهُ لَبَادَرْتُهُمُ الْبَابَ ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ " . هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) إِخْبَارٌ عَنِ الْمَلِكِ حِينَ جَمَعَ النِّسْوَةَ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ عِنْدَ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لَهُنَّ كُلَّهُنَّ ، وَهُوَ يُرِيدُ امْرَأَةَ وَزِيرِهِ ، وَهُوَ الْعَزِيزُ : ( مَا خَطْبُكُنَّ ) أَيْ : شَأْنُكُنَّ وَخَبَرُكُنَّ ( إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) يَعْنِي : يَوْمَ الضِّيَافَةِ ؟ ( قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) أَيْ : قَالَتِ النِّسْوَةُ جَوَابًا لِلْمَلِكِ : حَاشَ لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ يُوسُفَ مُتَّهَمَا ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ . فَعِنْدَ ذَلِكَ ( قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ )
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ : تَقُولُ الْآنَ : تَبَيَّنَ الْحَقُّ وَظَهَرَ وَبَرَزَ .
( أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) أَيْ : فِي قَوْلِهِ : ( هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) تَقُولُ : إِنَّمَا اعْتَرَفْتُ بِهَذَا عَلَى نَفْسِي ، ذَلِكَ لِيَعْلَمَ زَوْجِي أَنْ لَمْ أَخُنْهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَلَا وَقَعَ الْمَحْذُورُ الْأَكْبَرُ ، وَإِنَّمَا رَاوَدْتُ هَذَا الشَّابَّ مُرَاوَدَةً ، فَامْتَنَعَ; فَلِهَذَا اعْتَرَفْتُ لِيَعْلَمَ أَنِّي بَرِيئَةٌ ، ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ) تَقُولُ الْمَرْأَةُ : وَلَسْتُ أُبَرِّئُ نَفْسِي ، فَإِنَّ النَّفْسَ تَتَحَدَّثُ وَتَتَمَنَّى; وَلِهَذَا رَاوَدَتْهُ لِأَنَّهَا أَمَارَةٌ بِالسُّوءِ ، ( إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) أَيْ : إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) . 395
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَشْهَرُ وَالْأَلْيَقُ وَالْأَنْسَبُ بِسِيَاقِ الْقِصَّةِ وَمَعَانِي الْكَلَامِ . وَقَدْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَانْتَدَبَ لِنَصْرِهِ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فَأَفْرَدَهُ بِتَصْنِيفٍ عَلَى حِدَةٍ
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ يُوسُفَ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ قَوْلِهِ : ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ) فِي زَوْجَتِهِ ) بِالْغَيْبِ ) الْآيَتَيْنِ أَيْ : إِنَّمَا رَدَدْتُ الرَّسُولَ لِيَعْلَمَ الْمَلِكُ بَرَاءَتِي وَلِيَعْلَمَ الْعَزِيزُ ( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ ) فِي زَوْجَتِهِ ) بِالْغَيْبِ ) ( وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) [ الْآيَةَ ] وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي لَمَّ يَحْكِ ابْنُ جَرِيرٍ وَلَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ سِوَاهُ .
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ : حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِكُ النِّسْوَةَ فَسَأَلَهُنَّ : هَلْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ؟ ( قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) قَالَ يُوسُفُ ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ] ) قَالَ : فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَلَا يَوْمَ هَمَمْتَ بِمَا هَمَمْتَ بِهِ . فَقَالَ : ( وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ )
وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَابْنُ أَبِي الهُذَيْلِ ، وَالضَّحَّاكُ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَالسُّدِّيُّ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأُظْهِرُ; لِأَنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ كُلِّهِ مِنْ كَلَامِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ بِحَضْرَةِ الْمَلِكِ ، وَلَمْ يَكُنْ يُوسُفُ ، عَلَيْهِ السَّلَامُ ، عِنْدَهُمْ ، بَلْ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْضَرَهُ الْمَلِكُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith