تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ( 39 ) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( 40 ) )
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ : أَنَّهُمْ حَلَفُوا فَأَقْسَمُوا ( بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) أَيِ : اجْتَهَدُوا فِي الْحَلِفِ وَغَلَّظُوا الْأَيْمَانَ عَلَى أَنَّهُ ( لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) أَيِ : اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَحَلَفُوا عَلَى نَقِيضِهِ . فَقَالَ تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ وَرْدًا عَلَيْهِمْ : ( بَلَى ) أَيْ : بَلَى سَيَكُونُ ذَلِكَ ، ( وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) أَيْ : لَا بُدَّ مِنْهُ ، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : فَلِجَهْلِهِمْ يُخَالِفُونَ الرُّسُلَ وَيَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حِكْمَتَهُ فِي الْمَعَادِ وَقِيَامِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ التَّنَادِ ، فَقَالَ : ( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) أَيْ : لِلنَّاسِ ( الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) أَيْ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَ ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) [ النَّجْمِ : 31 ] ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ) أَيْ : فِي أَيْمَانِهِمْ وَأَقْسَامِهِمْ : لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ; وَلِهَذَا يُدَعُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ، وَتَقُولُ لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ : ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الطَّوْرِ : 14 - 16 ] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونُ ، وَالْمَعَادُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ كَوْنُهُ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَيَكُونُ كَمَا يَشَاءُ ، كَمَا قَالَ ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) [ الْقَمَرِ : 50 ] وَقَالَ : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) [ لُقْمَانَ : 28 ] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ النَّحْلِ : 40 ] أَيْ : أَنْ يَأْمُرَ بِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُوَ كَائِنٌ ، 572 كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَقُولُ لَهُ : " كُنْ " قَوْلَةً فَيَكُونُ ﴿﴾
أَيْ : أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُمَانَعُ وَلَا يُخَالَفُ ؛ لِأَنَّهُ [ هُوَ ] الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْعَظِيمُ ، الَّذِي قَهَرَ سُلْطَانُهُ وَجَبَرُوتُهُ وَعِزَّتُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : سَبَّنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُبَّنِي ، وَكَذَّبَنِي وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَالَ : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) قَالَ : وَقُلْتُ : ( بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) وَأَمَّا سَبُّهُ إِيَّايَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) [ الْمَائِدَةِ : 73 ] وَقُلْتُ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) [ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ] .
هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا ، بِلَفْظٍ آخَرَ .
يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنِ الْمُشْرِكِينَ : أَنَّهُمْ حَلَفُوا فَأَقْسَمُوا ( بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ) أَيِ : اجْتَهَدُوا فِي الْحَلِفِ وَغَلَّظُوا الْأَيْمَانَ عَلَى أَنَّهُ ( لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) أَيِ : اسْتَبْعَدُوا ذَلِكَ ، فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي إِخْبَارِهِمْ لَهُمْ بِذَلِكَ ، وَحَلَفُوا عَلَى نَقِيضِهِ . فَقَالَ تَعَالَى مُكَذِّبًا لَهُمْ وَرْدًا عَلَيْهِمْ : ( بَلَى ) أَيْ : بَلَى سَيَكُونُ ذَلِكَ ، ( وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) أَيْ : لَا بُدَّ مِنْهُ ، ( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) أَيْ : فَلِجَهْلِهِمْ يُخَالِفُونَ الرُّسُلَ وَيَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ .
ثُمَّ ذَكَرَ تَعَالَى حِكْمَتَهُ فِي الْمَعَادِ وَقِيَامِ الْأَجْسَادِ يَوْمَ التَّنَادِ ، فَقَالَ : ( لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) أَيْ : لِلنَّاسِ ( الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ) أَيْ : مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَ ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) [ النَّجْمِ : 31 ] ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ) أَيْ : فِي أَيْمَانِهِمْ وَأَقْسَامِهِمْ : لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ; وَلِهَذَا يُدَعُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ، وَتَقُولُ لَهُمُ الزَّبَانِيَةُ : ( هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الطَّوْرِ : 14 - 16 ] .
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ ، وَأَنَّهُ لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ، وَإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ : " كُنْ " فَيَكُونُ ، وَالْمَعَادُ مِنْ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ كَوْنُهُ فَإِنَّمَا يَأْمُرُ بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً ، فَيَكُونُ كَمَا يَشَاءُ ، كَمَا قَالَ ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) [ الْقَمَرِ : 50 ] وَقَالَ : ( مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) [ لُقْمَانَ : 28 ] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ النَّحْلِ : 40 ] أَيْ : أَنْ يَأْمُرَ بِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُوَ كَائِنٌ ، 572 كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
﴿﴾ إِذَا مَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَإِنَّمَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَقُولُ لَهُ : " كُنْ " قَوْلَةً فَيَكُونُ ﴿﴾
أَيْ : أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْكِيدٍ فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يُمَانَعُ وَلَا يُخَالَفُ ؛ لِأَنَّهُ [ هُوَ ] الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْعَظِيمُ ، الَّذِي قَهَرَ سُلْطَانُهُ وَجَبَرُوتُهُ وَعِزَّتُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، فَلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَا رَبَّ سِوَاهُ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ذَكَرَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ : أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : سَبَّنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسُبَّنِي ، وَكَذَّبَنِي وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَالَ : ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ) قَالَ : وَقُلْتُ : ( بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) وَأَمَّا سَبُّهُ إِيَّايَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) [ الْمَائِدَةِ : 73 ] وَقُلْتُ : ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) [ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ ] .
هَكَذَا ذَكَرَهُ مَوْقُوفًا ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا ، بِلَفْظٍ آخَرَ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith