تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الرابع
page 987 · printed p. 611
( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 120 ) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 121 ) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( 122 ) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 123 ) )
يَمْدَحُ [ تَبَارَكَ وَ ] تَعَالَى عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ وَخَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ ، إِمَامَ الْحُنَفَاءِ وَوَالِدَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَيُبَرِّئُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَمِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ فَقَالَ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ) فَأَمَّا " الْأُمَّةُ " فَهُوَ 611 الْإِمَامُ الَّذِي يُقْتَدَى بِهِ . وَالْقَانِتُ : هُوَ الْخَاشِعُ الْمُطِيعُ . وَالْحَنِيفُ : الْمُنْحَرِفُ قَصْدًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ ; وَلِهَذَا قَالَ : ( وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ : أَنَّهُ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الْأُمَّةِ الْقَانِتِ ، فَقَالَ : الْأُمَّةُ : مُعَلِّمُ الْخَيْرِ ، وَالْقَانِتُ : الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، [ عَنِ الْحَكَمِ ] عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّارِ ، عَنْ أَبِي الْعُبَيْدَيْنِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : مَنْ نَسْأَلُ إِذَا لَمْ نَسْأَلْكَ ؟ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَقَّ لَهُ ، فَقَالَ : أَخْبِرْنِي عَنِ الْأُمَّةِ فَقَالَ : الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ نَوْفَلٍ الْأَشْجَعِيُّ قَالَ : قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : غَلِطَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ : ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ) فَقَالَ : أَتَدْرِي مَا الْأُمَّةُ وَمَا الْقَانِتُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ [ وَرَسُولُهُ ] أَعْلَمُ ، قَالَ : الْأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ [ النَّاسَ ] الْخَيْرَ . وَالْقَانِتُ : الْمُطِيعُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَكَذَلِكَ كَانَ مَعَاذٌ مُعَلِّمَ الْخَيْرِ ، وَكَانَ مُطِيعًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَرَّرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : ( أُمَّةً ) أَيْ : أُمَّةً وَحْدَهُ ، وَالْقَانِتُ : الْمُطِيعُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَيْضًا : كَانَ إِبْرَاهِيمُ أُمَّةً ، أَيْ : مُؤْمِنًا وَحْدَهُ ، وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ إِذْ ذَاكَ كُفَّارٌ .
وَقَالَ قَتَادَةُ : كَانَ إِمَامَ هُدًى ، وَالْقَانِتُ : الْمُطِيعُ لِلَّهِ .
وَقَوْلُهُ : ( شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ) أَيْ : قَائِمًا بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، كَمَا قَالَ : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) [ النَّجْمِ : 37 ] أَيْ : قَامَ بِجَمِيعِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ .
وَقَوْلُهُ : ( اجْتَبَاهُ ) أَيِ : اخْتَارَهُ وَاصْطَفَاهُ ، كَمَا قَالَ : ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ ) [ الْأَنْبِيَاءِ : 51 ] .
ثُمَّ قَالَ : ( وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) وَهُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَلَى شَرْعٍ مَرْضِيٍّ .
وَقَوْلُهُ : ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) أَيْ : جَمَعْنَا لَهُ خَيْرَ الدُّنْيَا مِنْ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ الْمُؤْمِنُ إِلَيْهِ فِي إِكْمَالِ حَيَاتِهِ الطَّيِّبَةِ ، ( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ )
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ : ( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) أَيْ : لِسَانَ صِدْقٍ . 612
وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) أَيْ : وَمِنْ كَمَالِهِ وَعَظَمَتِهِ وَصِحَّةِ تَوْحِيدِهِ وَطَرِيقِهِ أَنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ - يَا خَاتَمَ الرُّسُلِ وَسَيِّدَ الْأَنْبِيَاءِ - : ( أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) كَمَا قَالَ : فِي " الْأَنْعَامِ " : ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) [ الْأَنْعَامِ : 161 ] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُودِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith