تفسير ابن كثير
تفسير ابن كثير · الجزء الخامس
page 998 · printed p. 51
) وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ( 13 ) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ( 14 ) )
يَقُولُ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الزَّمَانِ وَذِكْرِ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ أَعْمَالِ بَنِي آدَمَ : ( وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) وَطَائِرُهُ : هُوَ مَا طَارَ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ : مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، يُلْزَمُ بِهِ وَيُجَازَى عَلَيْهِ ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) [ الزَّلْزَلَةِ : 5 ، 6 ] ، وَقَالَ تَعَالَى : ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) [ ق : 17 ، 18 ] ، 51 وَقَالَ تَعَالَى : ( وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) [ الِانْفِطَارِ : 10 - 14 ] ، قَالَ : ( إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) [ الطُّورِ : 16 ] وَقَالَ : ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ) [ النِّسَاءِ : 123 ] .
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ عَمَلَ ابْنِ آدَمَ مَحْفُوظٌ عَلَيْهِ ، قَلِيلَهُ وَكَثِيرَهُ ، وَيُكْتَبُ عَلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا ، صَبَاحًا وَمَسَاءً .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبَى الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " لَطَائِرُ كُلِّ إِنْسَانٍ فِي عُنُقِهِ " . قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ : يَعْنِي الطِّيرَةَ .
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنَ ابْنِ لَهِيعَةَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، غَرِيبٌ جِدًّا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) أَيْ : نَجْمَعُ لَهُ عَمَلَهُ كُلَّهُ فِي كِتَابٍ يُعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِمَّا بِيَمِينِهِ إِنْ كَانَ سَعِيدًا ، أَوْ بِشِمَالِهِ إِنْ كَانَ شَقِيًّا ) مَنْشُورًا ) أَيْ : مَفْتُوحًا يَقْرَؤُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ ، فِيهِ جَمِيعُ عَمَلِهِ مِنْ أَوَّلِ عُمْرِهِ إِلَى آخِرِهِ ( يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ) [ الْقِيَامَةِ : 13 - 15 ] ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) أَيْ : إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّكَ لَمْ تُظْلَمْ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ غَيْرُ مَا عَمِلْتَ ؛ لِأَنَّكَ ذَكَرْتَ جَمِيعَ مَا كَانَ مِنْكَ ، وَلَا يَنْسَى أَحَدٌ شَيْئًا مِمَّا كَانَ مِنْهُ ، وَكُلُّ أَحَدٍ يَقْرَأُ كِتَابَهُ مِنْ كَاتِبٍ وَأُمِّيٍّ .
وَقَوْلُهُ [ تَعَالَى ] ( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) إِنَّمَا ذَكَرَ الْعُنُقَ ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ لَا نَظِيرَ لَهُ فِي الْجَسَدِ ، وَمَنْ أُلْزِمَ بِشَيْءٍ فِيهِ فَلَا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : .
﴿﴾ اذْهَبْ بِهَا اذْهَبْ بِهَا ﴿﴾ ﴿﴾ طُوِّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَةِ ﴿﴾
قَالَ قَتَادَةُ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " لَا عَدْوَى وَلَا طِيرَةَ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ " . كَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ .
وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ، رَحِمَهُ اللَّهُ ، فِي مُسْنَدِهِ مُتَّصِلًا فَقَالَ : حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ۝ " طَيْرُ كُلِّ عَبْدٍ فِي عُنُقِهِ " .
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ : أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ : أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ [ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] يُحَدِّثُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ " لَيْسَ مِنْ عَمَلِ يَوْمٍ إِلَّا وَهُوَ يُخْتَمُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا مَرِضَ الْمُؤْمِنُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ : يَا رَبَّنَا ، عَبْدُكَ فُلَانٌ ، قَدْ حَبَسْتَهُ ؟ فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ : اخْتِمُوا لَهُ عَلَى مِثْلِ عَمَلِهِ ، حَتَّى يَبْرَأَ أَوْ يَمُوتَ " . 52
إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ قَوِيٌّ ، وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ .
وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ( أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ) قَالَ : عَمَلَهُ . ( وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) قَالَ : نُخْرِجُ ذَلِكَ الْعَمَلَ ( كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ) قَالَ مَعْمَرٌ : وَتَلَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ( عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ) [ ق : 17 ] يَا ابْنَ آدَمَ ، بَسَطْتُ لَكَ صَحِيفَتَكَ وَوَكَلَ بِكَ مَلَكَانِ كَرِيمَانِ ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِكَ وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِكَ فَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَنَاتِكَ ، وَأَمَّا الَّذِي عَنْ يَسَارِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئَاتِكَ ، فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ ، أَقْلِلْ أَوْ أَكْثِرْ ، حَتَّى إِذَا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ فِي عُنُقِكَ مَعَكَ فِي قَبْرِكَ ، حَتَّى تَخْرُجَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا تَلْقَاهُ مَنْشُورًا ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) قَدْ عَدَلَ - وَاللَّهِ - عَلَيْكَ مَنْ جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ .
هَذَا مِنْ حُسْنِ كَلَامِ الْحَسَنِ ، رَحِمَهُ اللَّهُ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith