سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء السابع
وَكِيعٌ : عَنْ سُفْيَانَ : لَوْ أَنَّ الْيَقِينَ ثَبَتَ فِي الْقَلْبِ ، لَطَارَ فَرَحًا ، أَوْ حُزْنًا ، أَوْ شَوَّقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، أَوْ خَوْفًا مِنَ النَّارِ . قَالَ قُتَيْبَةُ : لَوْلَا سُفْيَانُ ، لَمَاتَ الْوَرَعُ .
ابْنُ الْمُبَارَكِ : قَالَ لِي سُفْيَانُ : إِيَّاكَ وَالشُّهْرَةَ ، فَمَا أَتَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ نَهَى عَنِ الشُّهْرَةِ .
وَعَنِ الْفِرْيَابِيِّ قَالَ : أَتَى سُفْيَانُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَرَابَطَ بِعَسْقَلَانَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَصَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ . أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ لِلْإِنْسَانِ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ جُحْرًا .
قَالَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ : قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا كُنْتَ بِالشَّامِ ، فَاذْكُرْ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ ، وَإِذَا كُنْتَ بِالْكُوفَةِ ، فَاذْكُرْ مَنَاقِبَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . 261 وَعَنْهُ : مَنْ أَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ - وَهُوَ يَعْلَمُ - خَرَجَ مِنْ عِصْمَةِ اللَّهِ ، وَوُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ . وَعَنْهُ : مَنْ سَمِعَ بِبِدْعَةٍ فَلَا يَحْكِهَا لِجُلَسَائِهِ ، لَا يُلْقِهَا فِي قُلُوبِهِمْ .
قُلْتُ : أَكْثَرُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ عَلَى هَذَا التَّحْذِيرِ ، يَرَوْنَ أَنَّ الْقُلُوبَ ضَعِيفَةٌ ، وَالشُّبَهَ خَطَّافَةٌ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ : إِذَا رَأَيْتَ عِرَاقِيًّا ، فَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّهِ ، وَإِذَا رَأَيْتَ سُفْيَانَ ، فَسَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ . وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : أَنَّ الثَّوْرِيَّ أَوْصَى أَنْ تُدْفَنَ كُتُبُهُ ، وَكَانَ نَدِمَ عَلَى أَشْيَاءَ كَتَبَهَا عَنْ قَوْمٍ .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ مُهَلْهَلٍ ، قَالَ : حَجَجْتُ مَعَ سُفْيَانَ ، فَوَافَيْنَا بِمَكَّةَ الْأَوْزَاعِيَّ ، فَاجْتَمَعْنَا فِي دَارٍ ، وَكَانَ عَلَى الْمَوْسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ ، فَدَقَّ دَاقٌّ الْبَابَ ، قُلْنَا : مَنْ ذَا ؟ قَالَ : الْأَمِيرُ . فَقَامَ الثَّوْرِيُّ ، فَدَخْلَ الْمَخْرَجَ ، وَقَامَ الْأَوْزَاعِيُّ فَتَلَقَّاهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ ؟ قَالَ : أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ . قَالَ : حَيَّاكَ اللَّهُ بِالسَّلَامِ ، أَمَا إِنَّ كَتُبَكَ كَانَتْ تَأْتِينَا فَنَقْضِي حَوَائِجَكَ ، مَا فَعَلَ سُفْيَانُ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : دَخَلَ الْمَخْرَجَ . قَالَ : فَدَخَلَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي إِثْرِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَا قَصَدَ إِلَّا قَصْدَكَ . فَخَرَجَ سُفْيَانُ مُقَطِّبًا ، فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، كَيْفَ أَنْتُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ : أَتَيْتُ أَكُتُبُ عَنْكَ هَذِهِ الْمَنَاسِكَ ، قَالَ : أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَكَ مِنْهَا ؟ قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : تَدَعُ مَا أَنْتَ فِيهِ ، قَالَ : وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : إِنْ أَرَدْتَ كَفَاكَ اللَّهُ أَبَا جَعْفَرٍ . فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيُّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ يَرْضَوْنَ مِنْكَ إِلَّا بِالْإِعْظَامِ لَهُمْ . فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو ! إِنَّا لَسْنَا نَقْدِرُ أَنْ نَضْرِبَهُمْ ، وَإِنَّمَا نُؤَدِّبُهُمْ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي تَرَى . قَالَ مُفَضَّلٌ : فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الْأَوْزَاعِيُّ ، 262 فَقَالَ لِي : قُمْ بِنَا مِنْ هَا هُنَا ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَبْعَثَ هَذَا مَنْ يَضَعُ فِي رِقَابِنَا حِبَالًا ، وَإِنَّ هَذَا مَا يُبَالِي .
يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ الزُّهْدَ فِي شَيْءٍ أَقَلَّ مِنْهُ فِي الرِّئَاسَةِ ، تَرَى الرَّجُلَ يَزْهَدُ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَالِ وَالثِّيَابِ ، فَإِنْ نُوَزِعَ الرِّئَاسَةَ ، حَامَى عَلَيْهَا ، وَعَادَى . عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ جَنَادٍ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمَهْدِيُّ ، بَعَثَ إِلَى سُفْيَانَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، خَلَعَ خَاتَمَهُ ، فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِ ، وَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! هَذَا خَاتَمِي ، فَاعْمَلْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . فَأَخَذَ الْخَاتَمَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : تَأْذَنُ فِي الْكَلَامِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ - قُلْتُ لِعَطَاءٍ : قَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ - قَالَ : أَتَكَلَّمُ عَلَى أَنِّي آمِنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : لَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ ، وَلَا تُعْطِنِي حَتَّى أَسْأَلَكَ . قَالَ : فَغَضِبَ ، وَهَمَّ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ : أَلَيْسَ قَدْ آمَنْتَهُ ؟ قَالَ : بَلَى . فَلَمَّا خَرَجَ ، حَفَّ بِهِ أَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : مَا مَنَعَكَ ، وَقَدْ أَمَرَكَ ، أَنْ تَعْمَلَ فِي الْأُمَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؟ فَاسْتَصْغَرَ عُقُولَهُمْ ، وَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْبَصْرَةِ .
وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ : لَيْسَ أَخَافُ إِهَانَتَهُمْ ، إِنَّمَا أَخَافُ كَرَامَتَهُمْ ، فَلَا أَرَى سَيِّئَتَهُمْ سَيِّئَةً ، لَمْ أَرَ لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا إِلَّا مَثَلًا ضُرِبَ عَلَى لِسَانِ الثَّعْلَبِ ، قَالَ : عَرَفْتُ لِلْكَلْبِ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ دِسْتَانًا لَيْسَ مِنْهَا دِسْتَانٌ خَيْرًا مِنْ أَنْ لَا أَرَى الْكَلْبَ وَلَا يَرَانِي . مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : أُدْخِلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِمِنًى ، 263 فَقُلْتُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّمَا أُنْزِلْتَ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ، وَصِرْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، بِسُيُوفِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا . حَجَّ عُمَرُ فَمَا أَنْفَقَ إِلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا ، وَكَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ الشَّجَرِ . فَقَالَ : أَتُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَكَ ؟ قُلْتُ : لَا ، وَلَكِنْ دُونُ مَا أَنْتَ فِيهِ ، وَفَوْقَ مَا أَنَا فِيهِ . قَالَ : اخْرُجْ .
قَالَ عِصَامُ بْنُ يَزِيدَ : لَمَّا أَرَادَ سُفْيَانُ أَنْ يُوَجِّهَنِي إِلَى الْمَهْدِيِّ ، قُلْتُ لَهُ : إِنِّي غُلَامٌ جَبَلِيٌّ ، لَعَلِّي أَسْقُطُ بِشَيْءٍ ، فَأَفْضَحَكَ . قَالَ : يَا نَاعِسُ ! تَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجِيئُونِي ؟ لَوْ قُلْتُ لِأَحَدِهِمْ ، لَظَنَّ أَنِّي قَدْ أَسْدَيْتُ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا ، وَلَكِنْ قَدْ رَضِيتُ بِكَ ، قُلْ مَا تَعْلَمُ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ . قَالَ : فَلَمَّا رَجَعْتُ ، قُلْتُ : لِأَيِّ شَيْءٍ تَهْرَبُ مِنْهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَوْ جَاءَ ، لَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى السُّوقِ فَأَمَرْنَا وَنَهَيْنَا ؟ فَقَالَ : يَا نَاعِسُ ! حَتَّى يَعْمَلَ بِمَا يَعْلَمُ ، فَإِذَا فَعَلَ ، لَمْ يَسَعْنَا إِلَّا أَنْ نَذْهَبَ ، فَنُعَلِّمَهُ مَا لَا يَعْلَمُ . قَالَ عِصَامٌ : فَكَتَبَ مَعِي سُفْيَانُ إِلَى الْمَهْدِيِّ ، وَإِلَى وَزِيرِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : وَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ ، فَجَرَى كَلَامِي ، فَقَالَ : لَوْ جَاءَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، لَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا فِي يَدِهِ ، وَارْتَدَيْنَا بُرْدًا ، وَاتَّزَرْنَا بِآخَرَ ، وَخَرَجْنَا إِلَى السُّوقِ ، وَأَمَرْنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْنَا عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَإِذَا تَوَارَى عَنَّا مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، لَقَدْ جَاءَنِي قُرَّاؤُكُمُ الَّذِينَ هُمْ قُرَّاؤُكُمْ ، فَأَمَرُونِي وَنَهَوْنِي وَوَعَظُونِي ، وَبَكَوْا - وَاللَّهِ - لِي ، وَتَبَاكَيْتُ لَهُمْ ، ثُمَّ لَمْ يُفَجِأْنِي مِنْ أَحَدِهِمْ إِلَّا أَنْ أَخْرَجَ مِنْ كُمِّهِ رُقْعَةً : أَنِ افْعَلْ بِي كَذَا ، وَافْعَلْ بِي كَذَا ، فَفَعَلْتُ ، وَمَقَتُّهُمْ .
قَالَ : وَإِنَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ طَالَ مَهْرَبُهُ ، أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَمَانَ ، فَأَتَيْتُهُ فَقَدِمْتُ 264 عَلَيْهِ الْبَصْرَةَ بِالْأَمَانِ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ .
أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : أَمْلَى عَلَيَّ سُفْيَانُ كِتَابَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ ، فَقَالَ : اكْتُبْ : مِنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . فَقُلْتُ : إِذَا كَتَبْتَ هَذَا لَمْ يَقْرَأْهُ . قَالَ : اكْتُبْ كَمَا تُرِيدُ . فَكَتَبْتُ . ثُمَّ قَالَ : اكْتُبْ : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ . فَقُلْتُ : مَنْ كَانَ يَكْتُبُ هَذَا الصَّدْرَ ؟ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُهُ .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَّاءِ ، قَالَ : كَتَبَ سُفْيَانُ إِلَى الْمَهْدِيِّ مَعَ عِصَامِ جَبْرٍ : طَرَدْتَنِي ، وَشَرَّدْتَنِي وَخَوَّفْتَنِي ، وَاللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، وَأَرْجُو أَنْ يُخِيرَ اللَّهُ لِي قَبْلَ مَرْجُوعِ الْكِتَابِ . فَرَجَعَ الْكِتَابُ وَقَدْ مَاتَ .
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْأَسَدِيُّ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلِيلٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْمَكَارِمِ التَّيْمِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ حَيَّانَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَاذَانَ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : أُدْخِلْتُ عَلَى الْمَهْدِيِّ بِمِنًى ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الرَّجُلُ ! طَلَبْنَاكَ ، فَأَعْجَزْتَنَا ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ ، فَارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ . فَقُلْتُ : قَدْ مَلَأْتَ الْأَرْضَ ظُلْمًا وَجَوْرًا ، فَاتَّقِ اللَّهَ ، وَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ . فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ دَفْعَهُ ؟ قَالَ : تُخَلِّيهِ 265 وَغَيْرَكَ . فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ . قُلْتُ : أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ بِالْبَابِ ، فَاتَّقِ اللَّهَ ، وَأَوْصِلْ إِلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ . فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ : أَيُّهَا الرَّجُلُ ! ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ . قُلْتُ : وَمَا أَرْفَعُ ؟ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ : حَجَّ عُمَرُ ، فَقَالَ لِخَازِنِهِ : كَمْ أَنْفَقْتَ ؟ قَالَ : بِضْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَإِنِّي أَرَى هَا هُنَا أُمُورًا لَا تُطِيقُهَا الْجِبَالُ .
وَبِهِ : قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي : لَقِيَنِي الثَّوْرِيُّ بِمَكَّةَ فَأَخَذَ بِيَدِي ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَإِذَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَاعِدٌ عَلَى بَابِهِ يَنْتَظِرُهُ ، وَكَانَ وَالِي مَكَّةَ ، فَلَمَّا رَآهُ ، قَالَ : مَا أَعْلَمُ فِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا أَغَشَّ لَهُمْ مِنْكَ . فَقَالَ سُفْيَانُ : كُنْتُ فِيمَا هُوَ أَوْجَبُ عَلَيَّ مِنْ إِتْيَانِكَ ، إِنَّهُ كَانَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَهُ قَوْمٌ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوُا الْهِلَالَ - هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَصْعَدُ الْجِبَالَ ، ثُمَّ يُؤْذِنُ النَّاسَ بِذَلِكَ ، وَيَدُهُ فِي يَدِي ، وَتَرَكَ عَبْدَ الصَّمَدِ قَاعِدًا عَلَى الْبَابِ ، فَأَخْرَجَ إِلَيَّ سُفْرَةً ، فِيهَا فَضْلَةٌ مِنْ طَعَامٍ : خَبْزٌ مُكَسَّرٌ وَجُبْنٌ ، فَأَكَلْنَا . قَالَ : فَأَخَذَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَهُوَ بِمِنًى ، فَلَمَّا رَآهُ ، صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : مَا هَذِهِ الْفَسَاطِيطُ ؟ مَا هَذِهِ السُّرَادِقَاتُ ؟ . 266
ابْنُ الْمُبَارَكِ : قَالَ لِي سُفْيَانُ : إِيَّاكَ وَالشُّهْرَةَ ، فَمَا أَتَيْتُ أَحَدًا إِلَّا وَقَدْ نَهَى عَنِ الشُّهْرَةِ .
وَعَنِ الْفِرْيَابِيِّ قَالَ : أَتَى سُفْيَانُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَأَقَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَرَابَطَ بِعَسْقَلَانَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، وَصَحِبْتُهُ إِلَى مَكَّةَ . أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ لِلْإِنْسَانِ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَدْخُلَ جُحْرًا .
قَالَ عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ : قَالَ لِيَ الثَّوْرِيُّ : إِذَا كُنْتَ بِالشَّامِ ، فَاذْكُرْ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ ، وَإِذَا كُنْتَ بِالْكُوفَةِ ، فَاذْكُرْ مَنَاقِبَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ . 261 وَعَنْهُ : مَنْ أَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ - وَهُوَ يَعْلَمُ - خَرَجَ مِنْ عِصْمَةِ اللَّهِ ، وَوُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ . وَعَنْهُ : مَنْ سَمِعَ بِبِدْعَةٍ فَلَا يَحْكِهَا لِجُلَسَائِهِ ، لَا يُلْقِهَا فِي قُلُوبِهِمْ .
قُلْتُ : أَكْثَرُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ عَلَى هَذَا التَّحْذِيرِ ، يَرَوْنَ أَنَّ الْقُلُوبَ ضَعِيفَةٌ ، وَالشُّبَهَ خَطَّافَةٌ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيُّ : إِذَا رَأَيْتَ عِرَاقِيًّا ، فَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّهِ ، وَإِذَا رَأَيْتَ سُفْيَانَ ، فَسَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ . وَعَنِ الْأَصْمَعِيِّ : أَنَّ الثَّوْرِيَّ أَوْصَى أَنْ تُدْفَنَ كُتُبُهُ ، وَكَانَ نَدِمَ عَلَى أَشْيَاءَ كَتَبَهَا عَنْ قَوْمٍ .
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ : حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ ، عَنْ مُفَضَّلِ بْنِ مُهَلْهَلٍ ، قَالَ : حَجَجْتُ مَعَ سُفْيَانَ ، فَوَافَيْنَا بِمَكَّةَ الْأَوْزَاعِيَّ ، فَاجْتَمَعْنَا فِي دَارٍ ، وَكَانَ عَلَى الْمَوْسِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيٍّ ، فَدَقَّ دَاقٌّ الْبَابَ ، قُلْنَا : مَنْ ذَا ؟ قَالَ : الْأَمِيرُ . فَقَامَ الثَّوْرِيُّ ، فَدَخْلَ الْمَخْرَجَ ، وَقَامَ الْأَوْزَاعِيُّ فَتَلَقَّاهُ ، فَقَالَ لَهُ : مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ ؟ قَالَ : أَنَا الْأَوْزَاعِيُّ . قَالَ : حَيَّاكَ اللَّهُ بِالسَّلَامِ ، أَمَا إِنَّ كَتُبَكَ كَانَتْ تَأْتِينَا فَنَقْضِي حَوَائِجَكَ ، مَا فَعَلَ سُفْيَانُ ؟ قَالَ : فَقُلْتُ : دَخَلَ الْمَخْرَجَ . قَالَ : فَدَخَلَ الْأَوْزَاعِيُّ فِي إِثْرِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مَا قَصَدَ إِلَّا قَصْدَكَ . فَخَرَجَ سُفْيَانُ مُقَطِّبًا ، فَقَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، كَيْفَ أَنْتُمْ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ : أَتَيْتُ أَكُتُبُ عَنْكَ هَذِهِ الْمَنَاسِكَ ، قَالَ : أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَكَ مِنْهَا ؟ قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : تَدَعُ مَا أَنْتَ فِيهِ ، قَالَ : وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : إِنْ أَرَدْتَ كَفَاكَ اللَّهُ أَبَا جَعْفَرٍ . فَقَالَ لَهُ الْأَوْزَاعِيُّ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ يَرْضَوْنَ مِنْكَ إِلَّا بِالْإِعْظَامِ لَهُمْ . فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو ! إِنَّا لَسْنَا نَقْدِرُ أَنْ نَضْرِبَهُمْ ، وَإِنَّمَا نُؤَدِّبُهُمْ بِمِثْلِ هَذَا الَّذِي تَرَى . قَالَ مُفَضَّلٌ : فَالْتَفَتَ إِلَيَّ الْأَوْزَاعِيُّ ، 262 فَقَالَ لِي : قُمْ بِنَا مِنْ هَا هُنَا ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَبْعَثَ هَذَا مَنْ يَضَعُ فِي رِقَابِنَا حِبَالًا ، وَإِنَّ هَذَا مَا يُبَالِي .
يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ الزُّهْدَ فِي شَيْءٍ أَقَلَّ مِنْهُ فِي الرِّئَاسَةِ ، تَرَى الرَّجُلَ يَزْهَدُ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَالِ وَالثِّيَابِ ، فَإِنْ نُوَزِعَ الرِّئَاسَةَ ، حَامَى عَلَيْهَا ، وَعَادَى . عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خُبَيْقٍ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ جَنَادٍ ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ : لَمَّا اسْتُخْلِفَ الْمَهْدِيُّ ، بَعَثَ إِلَى سُفْيَانَ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، خَلَعَ خَاتَمَهُ ، فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِ ، وَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ! هَذَا خَاتَمِي ، فَاعْمَلْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ . فَأَخَذَ الْخَاتَمَ بِيَدِهِ ، وَقَالَ : تَأْذَنُ فِي الْكَلَامِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ - قُلْتُ لِعَطَاءٍ : قَالَ لَهُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : نَعَمْ - قَالَ : أَتَكَلَّمُ عَلَى أَنِّي آمِنٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : لَا تَبْعَثْ إِلَيَّ حَتَّى آتِيَكَ ، وَلَا تُعْطِنِي حَتَّى أَسْأَلَكَ . قَالَ : فَغَضِبَ ، وَهَمَّ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ كَاتِبُهُ : أَلَيْسَ قَدْ آمَنْتَهُ ؟ قَالَ : بَلَى . فَلَمَّا خَرَجَ ، حَفَّ بِهِ أَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : مَا مَنَعَكَ ، وَقَدْ أَمَرَكَ ، أَنْ تَعْمَلَ فِي الْأُمَّةِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ؟ فَاسْتَصْغَرَ عُقُولَهُمْ ، وَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْبَصْرَةِ .
وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ : لَيْسَ أَخَافُ إِهَانَتَهُمْ ، إِنَّمَا أَخَافُ كَرَامَتَهُمْ ، فَلَا أَرَى سَيِّئَتَهُمْ سَيِّئَةً ، لَمْ أَرَ لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا إِلَّا مَثَلًا ضُرِبَ عَلَى لِسَانِ الثَّعْلَبِ ، قَالَ : عَرَفْتُ لِلْكَلْبِ نَيِّفًا وَسَبْعِينَ دِسْتَانًا لَيْسَ مِنْهَا دِسْتَانٌ خَيْرًا مِنْ أَنْ لَا أَرَى الْكَلْبَ وَلَا يَرَانِي . مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : أُدْخِلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ بِمِنًى ، 263 فَقُلْتُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّمَا أُنْزِلْتَ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ، وَصِرْتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، بِسُيُوفِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاؤُهُمْ يَمُوتُونَ جُوعًا . حَجَّ عُمَرُ فَمَا أَنْفَقَ إِلَّا خَمْسَةَ عَشَرَ دِينَارًا ، وَكَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ الشَّجَرِ . فَقَالَ : أَتُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَكَ ؟ قُلْتُ : لَا ، وَلَكِنْ دُونُ مَا أَنْتَ فِيهِ ، وَفَوْقَ مَا أَنَا فِيهِ . قَالَ : اخْرُجْ .
قَالَ عِصَامُ بْنُ يَزِيدَ : لَمَّا أَرَادَ سُفْيَانُ أَنْ يُوَجِّهَنِي إِلَى الْمَهْدِيِّ ، قُلْتُ لَهُ : إِنِّي غُلَامٌ جَبَلِيٌّ ، لَعَلِّي أَسْقُطُ بِشَيْءٍ ، فَأَفْضَحَكَ . قَالَ : يَا نَاعِسُ ! تَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَجِيئُونِي ؟ لَوْ قُلْتُ لِأَحَدِهِمْ ، لَظَنَّ أَنِّي قَدْ أَسْدَيْتُ إِلَيْهِ مَعْرُوفًا ، وَلَكِنْ قَدْ رَضِيتُ بِكَ ، قُلْ مَا تَعْلَمُ ، وَلَا تَقُلْ مَا لَا تَعْلَمُ . قَالَ : فَلَمَّا رَجَعْتُ ، قُلْتُ : لِأَيِّ شَيْءٍ تَهْرَبُ مِنْهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَوْ جَاءَ ، لَخَرَجْتُ مَعَهُ إِلَى السُّوقِ فَأَمَرْنَا وَنَهَيْنَا ؟ فَقَالَ : يَا نَاعِسُ ! حَتَّى يَعْمَلَ بِمَا يَعْلَمُ ، فَإِذَا فَعَلَ ، لَمْ يَسَعْنَا إِلَّا أَنْ نَذْهَبَ ، فَنُعَلِّمَهُ مَا لَا يَعْلَمُ . قَالَ عِصَامٌ : فَكَتَبَ مَعِي سُفْيَانُ إِلَى الْمَهْدِيِّ ، وَإِلَى وَزِيرِهِ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ ، قَالَ : وَأُدْخِلْتُ عَلَيْهِ ، فَجَرَى كَلَامِي ، فَقَالَ : لَوْ جَاءَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ، لَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا فِي يَدِهِ ، وَارْتَدَيْنَا بُرْدًا ، وَاتَّزَرْنَا بِآخَرَ ، وَخَرَجْنَا إِلَى السُّوقِ ، وَأَمَرْنَا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَيْنَا عَنِ الْمُنْكَرِ ، فَإِذَا تَوَارَى عَنَّا مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ، لَقَدْ جَاءَنِي قُرَّاؤُكُمُ الَّذِينَ هُمْ قُرَّاؤُكُمْ ، فَأَمَرُونِي وَنَهَوْنِي وَوَعَظُونِي ، وَبَكَوْا - وَاللَّهِ - لِي ، وَتَبَاكَيْتُ لَهُمْ ، ثُمَّ لَمْ يُفَجِأْنِي مِنْ أَحَدِهِمْ إِلَّا أَنْ أَخْرَجَ مِنْ كُمِّهِ رُقْعَةً : أَنِ افْعَلْ بِي كَذَا ، وَافْعَلْ بِي كَذَا ، فَفَعَلْتُ ، وَمَقَتُّهُمْ .
قَالَ : وَإِنَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ طَالَ مَهْرَبُهُ ، أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَمَانَ ، فَأَتَيْتُهُ فَقَدِمْتُ 264 عَلَيْهِ الْبَصْرَةَ بِالْأَمَانِ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ .
أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا الطَّبَرَانِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : أَمْلَى عَلَيَّ سُفْيَانُ كِتَابَهُ إِلَى الْمَهْدِيِّ ، فَقَالَ : اكْتُبْ : مِنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . فَقُلْتُ : إِذَا كَتَبْتَ هَذَا لَمْ يَقْرَأْهُ . قَالَ : اكْتُبْ كَمَا تُرِيدُ . فَكَتَبْتُ . ثُمَّ قَالَ : اكْتُبْ : فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وَهُوَ لِلْحَمْدِ أَهْلٌ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ . فَقُلْتُ : مَنْ كَانَ يَكْتُبُ هَذَا الصَّدْرَ ؟ قَالَ : حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُهُ .
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ الْفَرَّاءِ ، قَالَ : كَتَبَ سُفْيَانُ إِلَى الْمَهْدِيِّ مَعَ عِصَامِ جَبْرٍ : طَرَدْتَنِي ، وَشَرَّدْتَنِي وَخَوَّفْتَنِي ، وَاللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ، وَأَرْجُو أَنْ يُخِيرَ اللَّهُ لِي قَبْلَ مَرْجُوعِ الْكِتَابِ . فَرَجَعَ الْكِتَابُ وَقَدْ مَاتَ .
أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْأَسَدِيُّ ، أَنْبَأَنَا ابْنُ خَلِيلٍ ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْمَكَارِمِ التَّيْمِيُّ ، أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَدَّادُ ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ ، حَدَّثَنَا ابْنُ حَيَّانَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ هَارُونَ ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ شَاذَانَ النَّيْسَابُورِيُّ ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : أُدْخِلْتُ عَلَى الْمَهْدِيِّ بِمِنًى ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالْإِمْرَةِ ، فَقَالَ : أَيُّهَا الرَّجُلُ ! طَلَبْنَاكَ ، فَأَعْجَزْتَنَا ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَاءَ بِكَ ، فَارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ . فَقُلْتُ : قَدْ مَلَأْتَ الْأَرْضَ ظُلْمًا وَجَوْرًا ، فَاتَّقِ اللَّهَ ، وَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ . فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ دَفْعَهُ ؟ قَالَ : تُخَلِّيهِ 265 وَغَيْرَكَ . فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ قَالَ : ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ . قُلْتُ : أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ بِالْبَابِ ، فَاتَّقِ اللَّهَ ، وَأَوْصِلْ إِلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ . فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ : أَيُّهَا الرَّجُلُ ! ارْفَعْ إِلَيْنَا حَاجَتَكَ . قُلْتُ : وَمَا أَرْفَعُ ؟ حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ : حَجَّ عُمَرُ ، فَقَالَ لِخَازِنِهِ : كَمْ أَنْفَقْتَ ؟ قَالَ : بِضْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا . وَإِنِّي أَرَى هَا هُنَا أُمُورًا لَا تُطِيقُهَا الْجِبَالُ .
وَبِهِ : قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ : حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاقِدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ، حَدَّثَنَا أَبِي : لَقِيَنِي الثَّوْرِيُّ بِمَكَّةَ فَأَخَذَ بِيَدِي ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَإِذَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَاعِدٌ عَلَى بَابِهِ يَنْتَظِرُهُ ، وَكَانَ وَالِي مَكَّةَ ، فَلَمَّا رَآهُ ، قَالَ : مَا أَعْلَمُ فِي الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا أَغَشَّ لَهُمْ مِنْكَ . فَقَالَ سُفْيَانُ : كُنْتُ فِيمَا هُوَ أَوْجَبُ عَلَيَّ مِنْ إِتْيَانِكَ ، إِنَّهُ كَانَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ ، فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ أَنَّهُ قَدْ جَاءَهُ قَوْمٌ ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوُا الْهِلَالَ - هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ - فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ مَنْ يَصْعَدُ الْجِبَالَ ، ثُمَّ يُؤْذِنُ النَّاسَ بِذَلِكَ ، وَيَدُهُ فِي يَدِي ، وَتَرَكَ عَبْدَ الصَّمَدِ قَاعِدًا عَلَى الْبَابِ ، فَأَخْرَجَ إِلَيَّ سُفْرَةً ، فِيهَا فَضْلَةٌ مِنْ طَعَامٍ : خَبْزٌ مُكَسَّرٌ وَجُبْنٌ ، فَأَكَلْنَا . قَالَ : فَأَخَذَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى الْمَهْدِيِّ وَهُوَ بِمِنًى ، فَلَمَّا رَآهُ ، صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : مَا هَذِهِ الْفَسَاطِيطُ ؟ مَا هَذِهِ السُّرَادِقَاتُ ؟ . 266
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث