سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الثاني عشر
الصفحة 2130 · ص. المطبوع 17
ابْنُ السِّكِّيتِ
شَيْخُ الْعَرَبِيَّةِ ، أَبُو يُوسُفَ ، يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ السِّكِّيتِ ، الْبَغْدَادِيُّ النَّحْوِيُّ الْمُؤَدِّبُ ، مُؤَلِّفُ كِتَابَ " إِصْلَاحِ الْمَنْطِقِ " ، دَيِّنٌ خَيِّرٌ ، حُجَّةٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ . أَخَذَ عَنْ : أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ، وَطَائِفَةٍ .
رَوَى عَنْهُ : أَبُو عِكْرِمَةَ الضَّبِّيُّ ، وَأَحْمَدُ بْنُ فَرَحٍ الْمُفَسِّرُ ، وَجَمَاعَةٌ . وَكَانَ أَبُوهُ مُؤَدِّبًا ، فَتَعَلَّمَ يَعْقُوبُ ، وَبَرَعَ فِي النَّحْوِ وَاللُّغَةِ ، وَأَدَّبَ أَوْلَادَ الْأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ ، ثُمَّ ارْتَفَعَ مَحَلُّهُ ، وَأَدَّبَ وَلَدَ الْمُتَوَكِّلِ . وَلَهُ مِنَ التَّصَانِيفِ نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ كِتَابًا . 17 رَوَى أَبُو عُمَرَ عَنْ ثَعْلَبٍ ، قَالَ : مَا عَرَفْنَا لِابْنِ السِّكِّيتِ خِرْبَةً قَطُّ .
وَقِيلَ : إِنَّهُ أَدَّبَ مَعَ أَبِيهِ الصِّبْيَانَ . وَرَوَى عَنِ الْأَصْمَعِيِّ ، وَأَبِي عُبَيْدَةَ ، وَالْفَرَّاءِ ، وَكُتُبُهُ صَحِيحَةٌ نَافِعَةٌ .
قَالَ ثَعْلَبٌ : لَمْ يَكُنْ لَهُ نَفَاذٌ فِي النَّحْوِ ، وَكَانَ يَتَشَيَّعُ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ : شَاوَرَنِي يَعْقُوبُ فِي مُنَادَمَةِ الْمُتَوَكِّلِ ، فَنَهَيْتُهُ ، فَحَمَلَ قَوْلِي عَلَى الْحَسَدِ ، وَلَمْ يَنْتَهِ .
وَقِيلَ : كَانَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي اللُّغَةِ ، وَأَمَّا التَّصْرِيفُ فَقَدْ سَأَلَهُ الْمَازِنِيُّ عَنْ وَزْنِ " نَكْتَلُ " ، فَقَالَ : " نَفْعَلُ " ، فَرَدَّهُ . فَقَالَ : " نَفْتَعِلُ " ، فَقَالَ : أَتَكُونُ أَرْبَعَةَ أَحْرُفٍ وَزْنُهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ ؟ فَوَقَفَ يَعْقُوبُ . فَبَّيَنَ الْمَازِنِيُّ أَنَّ وَزْنَهُ " نَفْتَلُ " . فَقَالَ الْوَزِيرُ ابْنُ الزَّيَّاتِ : تَأْخُذُ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَيْنِ وَلَا تَدْرِي مَا وَزَنُ " نَكْتَلُ " ؟ فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ لِلْمَازِنِيِّ : هَلْ تَدْرِي مَا صَنَعْتَ بِي ؟ فَاعْتَذَرَ . 18 وَلِابْنِ السِّكِّيتِ شِعْرٌ جَيِّدٌ . وَيُرْوَى أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ نَظَرَ إِلَى ابْنَيْهِ الْمُعْتَزِّ وَالْمُؤَيَّدِ ، فَقَالَ لِابْنِ السِّكِّيتِ : مَنْ أَحَبُّ إِلَيْكَ : هُمَا ، أَوِ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ؟ فَقَالَ : بَلْ قَنْبَرٌ . فَأَمَرَ الْأَتْرَاكَ ، فَدَاسُوا بَطْنَهُ ، فَمَاتَ بَعْدَ يَوْمٍ . وَقِيلَ : حُمِلَ مَيِّتًا فِي بِسَاطٍ . وَكَانَ فِي الْمُتَوَكِّلِ نَصْبٌ ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَفْوَ . مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : كَتَبَ رَجُلٌ إِلَى صَدِيقٍ لَهُ : قَدْ عَرَضْتُ حَاجَةً إِلَيْكَ ، فَإِنْ نَجَحَتْ فَالْفَانِي مِنْهَا حَظِّي ، وَالْبَاقِي حَظُّكَ . وَإِنْ تَعَذَّرَتْ فَالْخَيْرُ مَظْنُونٌ بِكَ ، وَالْعُذْرُ مُقَدَّمٌ لَكَ ، وَالسَّلَامُ .
قَالَ ثَعْلَبٌ : أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ بَعْدَ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَعْلَمَ بِاللُّغَةِ مِنَ ابْنِ السِّكِّيتِ . وَكَانَ الْمُتَوَكِّلُ قَدْ أَلْزَمَهُ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ الْمُعْتَزِّ ، فَلَمَّا حَضَرَ ، قَالَ لَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ : بِمَ تُحِبُّ أَنْ تَبْدَأَ ؟ قَالَ : بِالِانْصِرَافِ .
قَالَ : فَأَقُومُ . قَالَ الْمُعْتَزُّ : فَأَنَا أَخَفُّ مِنْكَ ، وَبَادَرَ ، فَعَثَرَ ، فَسَقَطَ 19 وَخَجِلَ ، فَقَالَ يَعْقُوبُ : ﴿﴾ يَمُوتُ الْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ يَمُوتُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَعَثْرَتُهُ بِالْقَوْلِ تُذْهِبُ رَأْسَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَعَثْرَتُهُ بِالرِّجْلِ تَبْرَا عَلَى مَهْلِ ﴿﴾
قِيلَ : كِتَابُ " إِصْلَاحِ الْمَنْطِقِ " كِتَابٌ بِلَا خُطْبَةٍ ، وَكِتَابُ " أَدَبِ الْكَاتِبِ " خُطْبَةٌ بِلَا كِتَابٍ .
قَالَ أَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادِ : سَمِعْتُ ثَعْلَبًا يَقُولُ : عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ الْعَبَّادِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي اللُّغَةِ . وَكَانَ يَقُولُ : قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فِي ابْنِ السِّكِّيتِ . قُلْتُ : " إِصْلَاحُ الْمَنْطِقِ " كِتَابٌ نَفِيسٌ مَشْكُورٌ فِي اللُّغَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث